يناديني من بعيد.. يخترق جدار الصمت والسكون فيصم صوته الآذان.
لا شيء سواه يشد قدمي إلى عالم الدوامات المستحيلة والدوائر المغلقة.
وحده ذلك الحنين الجارف الذي يدفعني دفعا إلى المجهول، نجح بجدارة أن يسلبني إرادتي فوجدت نفسي على أرض الموت والدماء، وسط تلال من الأنقاض والدمار.
وحده كان معى في رحلتي إلى «مدينة الأشباح»، آخر الألقاب، التي أطلقت على العاصمة الأفغانية كابول.
لا شيء سوى رائحة الموت ومشاهد الأنقاض والدمار وصهد الدماء، الجثث راحت أشلاء مبعثرة في كل مكان، والقبور رائحتها تفوح من بعيد.
هدوؤها دائما ما يسبق عاصفة من صوت القنابل والرشاشات والـ«أر بي جى»، وأحيانا الديناميت، طيور الظلام تحلق بأجنحتها في سماء العاصمة فتحجب حتى نسمة الهواء عن الصدور.
القتل والاغتصاب والاختطاف، وجبة ترحيب ساخنة تقدمها حركة «طالبان» لزائريها.
تلك هي الصورة التي علقت بأذهاننا منذ اللحظة الأولى، التي أقلعت فيها الطائرة من مطار القاهرة، وللحق ظلت عالقة طوال الطريق من مدينة جلال آباد، إلى كابول.
رحلة :أمل سرور - تصوير: محمد مسعد
الطريق إلى العاصمة الأفغانية، يعجز عن وصفه القلم، فما أسهل أن أقول وصلنا إلى المدينة المقصودة في 9 ساعات، وما أيسر أن أقول إننا وقفنا للراحة وتناول االمشروبات الباردة، والتقاط الأنفاس ثم أكملنا.
ولكن الحقيقة ما أصعب وصفها، فلقد كان مشواراً ساخناً وصل إلى درجة الغليان، فلك أن تعرف أن المسافة الأصلية من مدينة جلال أباد إلى كابول، لا تستغرق سوى ساعة ونصف الساعة، قطعناها نحن في 9 ساعات متواصلة من العذاب والهوان والألم.
خلال الطريق الشاق من جلال أباد إلى كابول
السيارة بلا مبالغة يسير قائدها بسرعة لا تتعدى 30 كيلو مترا، والسبب بسيط يكمن في أن الطريق ليس مرصوفا أو ممهداً، ببساطة كنا نسير على «أحجار، وتراب جيري أبيض» كنا نشعر بلا مبالغة أن السيارة تصعد إلى الأعلى ومن ثم تهبط، وعندما نسأل السائق -الذي لا يعرف سوى بضع كلمات قليلة من اللغة الإنجليزية- يقول لنا «بومب» ويقصد «مكان قنبلة».
لم يكن يثير الرعب في قلوبنا ويجعلنا ننطق الشهادتين أكثر من مرة، سوى الطريق الضيق الذي نسير فيه عندما رأينا الموت أكثر من 3 مرات، في الأولي كادت السيارة أن تنقلب بنا إلى قاع الجبل الصخري العتيق، والثانية عندما كادت سيارة نقل متوحشة، أن تأخذنا بين أحضانها لتعصرنا عصراً، أما الثالثة عندما مالت السيارة على جنبها الأيمن وسارت على عجلتين على إثر مُطَبّ طبيعي عشوائي، أفقد السائق توازنه فكاد أن يفقدنا حياتنا.
مررنا على قرى حدودية كثيرة، الفقر المدقع كان العامل المشترك بينها جميعاً، وكانت المفاجأة عندما وقعت عيناي على مجموعة لا بأس بها من السيدات اللاتي يسرن في الطريق، ووجوههن عارية أو بالأدق لا يرتدين «الشادوري» وهو الزي الذي فرضته حركة "طالبان" على السيدات الأفغانيات، فقط يرتدين زياً عادياً يشبه كثيرا ذلك الذي ترتديه المزارعات في القرى المصرية -وللمناسبة لم يحاولن أن يخفين جوههن عن نظراتنا المندهشة، بل بالعكس کن يتبادلن معنا النظرات بنفس الدرجة من الدهشة- وحاولت أن أتكلم مع السائق فسألته:
هن أفغانيات؟ أجاب بابتسامة خبيثة: «نعم»، وأشرت إليه بيدي سائلة: وأين الشادوري؟
حاول أن يجيبني تارة بالإشارة وتارة بلغة إنجليزية ضعيفة، وكثير من لغة البشتو، ولكنني فهمت أخيراً، أن أيدي حركة «طالبان» وخاصة جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعيدة لحد كبير عن تلك المناطق الحدودية، بل لا يأتون بسياراتهم للتفتيش سوى مرة واحدة في الأسبوع، وغالبا يوم الجمعة، فيما عدا ذلك تتحرك السيدات بحريتهن دون التقيد بالشادوري، والأهم أنهن ينزلن إلى الحقول لمساعدة أزواجهن في زراعة الأرض.
كابول.. قالها السائق فأصابنا في مقتل، نزلت كلمته كالصاعقة فأفقدنا النطق.
مفاجأة بكل المقاييس لدرجة أننا لم نصدق أنفسنا
سألته لعلي لم أسمع جيداً: هل وصلنا إلى کابول..؟
رحت في حالة من تأمل ما أراه من نافذة السيارة، ضجيج، صخب، سيارات تروح وتجئ، تاكسيات، أوتوبيسات مزدحمة، رجل يركب دراجة وسيدة ترتدى «الشادوري»، تجلس خلفه، المدينة مليئة بالسيدات اللاتي يمشين وحدهن أو مع أطفالهن، فقط لا يظهر لهن ملامح من وراء الزي الذي يرتدينه، يتحركن بل ويتزاحمن في الأوتوبيسات ويوقفن تاكسيات للركوب، يتعاملن مع البائعين الرجال بل ويتكلمن معهم.
«وزارة خارجية إمارة أفغانستان الإسلامية».. لافتة أعلنت وصولنا إلى أول الخيط.
أحكمت الإيشارب كالعادة، وانطلقت خلف زمیلي المصور، كنت المرأة الوحيدة التي تتجول داخل مبنى الخارجية، ما أثار الرهبة بداخلي، رغم أن نصفها قد زال تماما بعد أن رأيت بعيني السيدات يتجولن في الشوارع دون أية مشكلة.
ولكن لا يخلو الأمر من توتر وقلق.
بسؤال زميلس، أحد المارين في المبني عن دائرة الإعلام والنشر الخاصة بالصحفيين، كنا في لحظات معدودة داخل الدائرة نفسها وسط رجال حركة طالبان.
كلمة «السلام عليكم» التي ألقاها زميلي المصور على الجالسين، شدت الانتباه وأراحت القلوب قبل الوجوه، وبدأت الابتسامات تظهر من وراء الذقون السوداء ويبدو، والله أعلم، أن هذه الكلمة ستفتح لنا أبواباً كثيرة أوصدت في وجوه كثيرين من قبلنا.
سألنا أحدهم عن جنسيتنا فكانت الإجابة: «مسلمان مصريان».
انتفض الجميع ويبدو أن الدائرة قد انقلبت رأسا على عقب عندما ُفتح باب مغلق وخرج منه من تحدث معنا بلغة عربية فصحي ممتازة وكان حديثه موجها إلى زميلي المصور وأسئلته شديدة التحديد ومختصرة عن سبب زيارتنا وبرنامج العمل، وصورة «طالبان» عند الشعب المصري والمصريين.
وكانت إجابتنا المعهودة، بأن رسالتنا تنحصر في توضيح صورة حركة طالبان للعالم العربي والإسلامي، بدلاً من الصورة المشوهة التي ينقلها لنا الإعلام الغربي، وأننا قطعنا مشوارا طويلا لنرى بأنفسنا الإمارة الإسلامية الوليدة.
ويبدو أن إجابتنا نالت استحسان المستمعين، لتُفتح أولى الأبواب المغلقة، ونعقد مقابلة سريعة مع مولاي فايز أحمد فايز، المتحدث الرسمي لوزارة الإعلام والخارجية سوياً.
مولاي فايز المتحدث الإعلامي في وزارة خارجية طالبان
بدأ الرجل حديثه قائلا: «نرحب بكم ونستقبلكم في بلادنا أفغانستان كأول صحفيين مسلمين عربيين يدخلان إلى الإمارة، ويفكران في رؤية الأمور على حقيقتها، نحن نسمع عن مصر جدا، ونفتخر بالمصريين الذين ساعدوا الشعب الأفغاني في محنته القاسية وحربه المريرة مع الاحتلال الروسي الكافر، لذا سوف نقدم لكم يد العون والمساعدة».
يصمت مولاي فايز قليلاً، ثم يعاود حديثه بثقة: «سوف نعين لكما مرافقا يتكلم اللغة العربية وهي لغتكم الأصلية، وستكون معكم سيارة حكومية تسهل لكم الانتقال من مكان إلى آخر، داخل الإمارة الأفغانية، وسنقوم بتوفير مكان الإقامة في أفخم الفنادق لدينا، إلى جانب أننا سنقوم بترتيب المواعيد واللقاءات مع كل الشخصيات المسئولة التي تريدون مقابلتها.
عناصر طالبان في قلب وزارة الخارجية في كابول
«بن لادن» و«الملا عمر»
أخيرا خرج صوتي الذي ظل محبوسا فترة طويلة من الزمن، شكرت الرجل على كل ما قاله، وبشكل مباشر ودون أي مقدمات طلبت منه مقابلة اثنين: الأول هو الشيخ أسامة بن لادن، هكذا يطلقون عليه، والثاني هو أمير المومنين الملا عمر.
ابتسم الرجل الطالباني، ابتسامة تعني أنني أطلب المستحيل، وأجابني: «جئت منذ 4 أشهر فقط، كان يمكنك مقابلة الشيخ أسامة بن لادن، ولكن للأسف لقد حجبنا عنه حق الحديث لأي نوع من أنواع الإعلام سواء صحافة، أو محطات تليفزيونية أجنبية».
قاطعته على الفور: «ولكننا عرب ومسلمون وأظن أن الشيخ أسامة لم يسبق له الحديث مع أي صحيفة عربية»؟
- نعلم هذا .. ولكنه ليس بيدي، تستطيعين طلب ذلك مباشرة من السيد وكيل أحمد متوكل، وزير الخارجية، فهو صديق صدوق له، أما الأمر الثاني الذى يخص مقابلة أمير المؤمنين فهو لا يدلي بأي أحاديث صحفية ولا يقابل أية امرأة، حتى لو ارتدت «الشادوري»، هو يفضل العمل فقط وله عبارته الشهيرة «الذي يريد معرفتي ورؤيتي والحديث معي فعليه إذن أن يرى أعمالي ويشعر بها، فهذا أصدق إفادة لي وله».
أعترف.. شعرت بالإحباط نوعا ما ولكنني تجاوزت الحالة وطلبت منه لقاء أكبر عدد من المسؤولين، وقبل أن نودعه وعدنا الرجل بالعودة إلى مصر، وكذلك عمل كل ما نتمناه والأهم كان تصوير كل ما نريد.
وبدأت الجولة الأولى، عقب خروجنا من غرفة المتحدث الرسمي لنلتقي بالمراقب، عفوا «المرافق»، الذي يتحدث اللغة العربية بشكل جيد وسيارة مرسيدس فارهة اصطحبتنا إلى الفندق الفخم «إنتركونتيننتال».
لم يكن لدينا فكرة أننا سندفع نقودا باهظة الثمن في الفندق، وتصورنا أن هناك تخفيضا ما سيحدث من قبل وزارة الخارجية، لنفاجأ بان الغرفة الواحدة في الفندق تقدر بـ150 دولاراً وهو مبلغ وقتها كان كبيراً بالنسبة لنا.
«عيون داخل الغرف»
ليس أمراً صعباً أن تشعر بأنك مراقب، فمن السهل أن تدخل غرفتك وتعرف أن قدما ما قد دخلتها عقب مغادرتك لها،وأن يدا ما قد عبثت فيما بين أوراقك وبعض ملابسك، ومن السهل أيضاً أن ترى عينا سحرية وقد عُلقت على باب غرفتك ليس لترقب من يدق بابك ولكن ليراك من بالخارج.
وليس أمرا شديد الصعوبة أن تلحظ عيناك شيئا ما صغيرا معلقا في الأباجورة التي وضعت بجانب سريرك أو في نجفة سقف الغرفة، وأمر صعب للغاية أن تتخيل أن هناك من يراك في أدق تصرفاتك الحياتية، وشيء بالغ القسوة أن تنام بصعوبة شديدة، وتحلم فتشعر أن أحلامك مراقبة.
ببساطة وبصراحة هذا ما تعرضنا له كل في غرفته، أتكلم عن نفسي وأفصح أنني لم أغير ملابسي التي أخرج بها طيلة تواجدي على أرض كابول، أنام وأقوم بالزي الباكستاني الذي أرتديه، شيء مزعج جدا أن أشعر أنني لست وحدي في غرفتي الخاصة.
والسؤال لماذا؟ والإجابة بالطبع ليست عندي لأننا لم تكن لدينا الجرأة أن نسال خوفا، لأننا بالعامية وبالبلدي «لو جرى لنا حاجة محدش هيعرفلنا طريق جرة».
الكهرباء تفصل كثيرا في الفندق، فأعيش في ظلام دامس، فيما عدا بصيص من ضوء شمعة صغيرة.
الجو حار لدرجة أنني في لحظات كثيرة، كدت أن أموت من شدته، فتصبح موتة مضحكة، مراقبة فلا أستطيع أن أبدل ملابسي، لا وجود للتليفزيون أو حتى لراديو غير مفهوم، فهي أشياء محرمة.
أحاول أن أعرف للنوم طريقاً دون جدوی.
ولكن عليَّ الاستعداد والتفكير في الإجابة عن سؤال مهم هو: «كيف يعيش الناس»؟ ولكي أجيب يجب أن أصل للناس وأتحدث معهم.. وهذا ما ستعرفه عبر حلقة مقبلة.