* القبائل تستقبلنا بالأفيون والأسلحة
* مسؤول الأمن الطالباني: لانحبس الفتيات ولا نمنع خروجهن للشوارع
* كلمة السر عند الطبيب المجهول الذي قابلنا في سفارة أفغانستان في العاصمة الباكستانية «إسلام آباد».
لا أعرف كيف مضت الساعة علينا كأنها سنوات، عندما وعدنا ذلك المجهول الذي لن أذكر اسمه احتراماً لرغبته، فلقد وعدنا بمد يد العون لنا وأنه سيهاتفنا بعد ساعة من وصولنا إلى الفندق.
قطع علينا انتظارنا صوت التليفون، معلناً وصول الرجل المنتظر.
بدأ الطبيب حديثه بمجموعة من الأسئلة التي أثارت بعض الريبة في نفوسنا.
ماذا تريدان؟ وهل أنتما تابعان لجريدة حكومية أم مستقلة؟ وهل تودان مقابلة أسامة بن لادن ورؤية معسكرات التدريب؟
قال الرجل: أنا من مدينة «جلال أباد» أول مدينة في أفغانستان، وكلها مليئة بالعرب، خاصة الإرهابيين الفارين من أنحاء العالم، ويوجد فيها مصريون کثيرون هاربون من حكومتكم، هل تريدون مقابلتهم؟
انهال الرجل علينا بالأسئلة فأصابنا بحالة ذعر وقلق.
كانت إجابتنا محددة وحريصة جدا، ولم تختلف عما اتفقنا عليه ونظمناه لنقوله لكل من يقابلنا، ويبدو أن الدكتور قد شعر ببعض ما يجول في خاطرنا، فغير مجرى الحديث تماما، وبدأ يتكلم عما يمكن تقديمه لنا، واتهم المسؤولين في سفارة دولته بإسلام أباد بالروتينية والتعنت، في كثير من الأمور.
واقترح أن نسافر معه في الصباح الباكر إلى مدينة «بيشاور» آخر مدينة في باكستان، لنجري مقابلة مع القنصل الأفغاني بالقنصلية الأفغانية في بيشاور، «الموسوي نجيب الله»، وهو رجل متفتح إلى حد كبير، وسيوفر علينا كثيرا من الوقت، كما قال.
بنظرة واحدة متبادلة بيني وبين محمد (المصور) أخذنا قرارا بالموافقة والسفر في الصباح الباكر لمدينة «بيشاور» لنطرق أبواب القنصلية الأفغانية.
رحلة: أمل سرور - تصوير: محمد مسعد
3 ساعات من «إسلام أباد» إلى «بیشاور» قطعناها ونحن في حالة يرثى لها من الترقب والانتظار، المصير متوقف على ختم جواز سفرنا ختما يحقق لنا أحلامنا الصغيرة.
لم نسترح ولم نلتقط أنفاسنا من المشوار، لحظات وكنا أمام مبنى القنصلية دخل الدكتور، وسرعان ما أتى لنا برجل بشوش الوجه لحد كبير، شاب لم يتجاوز الثلاثين من عمره، استقبلنا بترحاب وهدوء، واصطحبنا إلى استراحة خاصة وسرعان ما كانت أكواب العصير أمامنا، لم تمر 10 دقائق وإلا وفتحت ستارة كبيرة وكان أمامنا رجل عجوز ذو لحية طويلة بيضاء.
«السلام عليكم».. هكذا تحدث، واعتدل في جلسته.
موسوي نجيب الله - قنصل أفغانستان
بدأ محمد في الكلام باللغة الإنجليزية، فقاطعه الرجل بهدوء: اسمی «موسوى نجيب الله»، وأتحدث اللغة العربية بإجادة، لقد تخرجت في المدينة المنورة.
بدأ محمد يتكلم عن طبيعة مهمتنا وهدفنا وواجبنا كمسلمين، كلام مكرر حفظه عن ظهر قلب، استمع الرجل جيدا وصمت الجميع في انتظار الرد، بدأ حديثه باستعاذة من الشيطان الرجيم "وبسم الله الرحمن الرحيم -أهلا ومرحبا بكما، نحن نشكركما لأنكما قطعتما هذا المشوار الطويل من أجلنا ومن أجل رؤية الأمور على حقيقتها، ولكن أنتما تعرفان أن لكل بلد قانونها، وتأشيرتكما الخاصة بالصحفيين لا تمنح من عندنا، ولكنها من سفارتنا بمدينة إسلام أباد.
قاطعه محمد: "لقد ذهبنا بالفعل وطلبوا منا أن ننتظر 15 يوما ونحن ليس لدينا وقت ومال يكفيان".
رد «نجيب الله»: «سوف أساعدكما وأقوم بالاتصال بسفارتنا ووزارة الخارجية في مدينة كابول، وبعد غد تأتيان إلى القنصلية لعل الموافقة تكون قد يُسرت».
وقبل أن ينهي «نجيب الله» حديثه ويتركنا قال مرة ثانية: «نقدر لكما مجهودكما وكما تعلمان أن الناس لم تكن تعارضنا أثناء مكافحتنا للاحتلال السوفيتي الكافر، والآن وبعد أن جاء الإسلام، وأصبح الحاكم نفاجأ بهجوم من الكفار، لذلك سوف نساعدكما من أجل هدفكما النبيل».
ختم الرجل حديثه واختفى.
تركنا القنصلية ونحن نضرب أخماسا في أسداس، وحالة من التوتر والقلق تسيطر علينا، حتى أننا وضعنا الدكتور في نفس الحالة، فأصبح يعيش توترا وقلقاً من أجلنا، ووعدنا بأنه سوف ينتظر الرد معنا، وفي حالة الموافقة على سفرنا ومنحنا التأشيرة سوف يصحبنا بنفسه إلى أفغانستان، وتحديدا إلى مدينة «جلال أباد» أول مدينة أفغانية وأيضا موطنه الأصلي.
بعد يومين تجرعنا فيهما طعم مرارة الانتظار، ذهبنا إلى القنصلية في موعدنا المحدد.
ساعة لا أعرف كيف مضت.. جاءني زميلي ومنذ أول لحظة رأيت وجهه فيها، كدت أن أطير فرحا، دون أن يتكلم عرفت أنهم منحونا ماء المحاياة.
لقد منحتنا حركة "طالبان" بأمر من وزارة الخارجية في مدينة كابول العاصمة الأفغانية، تأشيرة الدخول إلى إمارة أفغانستان الإسلامية، ولأن الله أراد أن يكمل سعادتنا فكانت المفاجأة أو المفاجأتان: الأولى أن القنصل سمح للزميل المصور أن يصطحب كاميراته معه لممارسة مهمته الصحفية بشرط ألا يعصي الأوامر، وألا يقوم بتصوير كل ما هو ممنوع التقاط صور له، والثانية أنني لن أرتدى "الشادوري" وهو الزي الأفغاني لأنهم يعتبروني أجنبية، فقط الزي الباكستاني: البنطلون الواسع، والبلوزة الفضفاضة والطرحة التي لا تظهر خصلة من الشعر.
وقبل أن يودعنا القنصل طلب منا أن نتوجه مباشرة إلى مدينة «كابول»، عبر الحدود ولا ننزل أي فندق قبل التوجه إلى وزارة الخارجية هناك، فهم سيدبرون لنا اللقاءات والحوارات وبرامج العمل، حتى مكان الإقامة.
ما إن خرجنا من القنصلية واستقلينا التاكسي، وجدتني أروح في حالة من البكاء لا أعرف لماذا؟ سعادة أم خوف من المسؤولية أم ماذا؟
لا أعرف قد يكون لأني ولأول مرة أشعر أنني أحقق المستحيل.
المسافة من مدينة بيشاور إلى "طورخم"، أخر ولاية باكستانية نحو 70 كيلو مترًا قطعناها بلا مبالغة، في ساعتين ونصف الساعة، فالطريق ضيق بشكل مزعج والجبال تحيطك من كل ناحية وحوادث سيارات النقل التي تراها بعينك، تقشعر لها الأبدان.
في الطريق وقبل الدخول إلى المناطق الجبلية الوعرة، كان لابد لنا من المرور على قسم الشرطة، توقعنا أن يكون إجراء روتينيا لتكون المفاجأة، ذلك العسكري المدجج بالسلاح والبنادق الذي ركب معنا في السيارة من دون أي استئذان.
سألنا الطبيب المجهول -الذي أرسله الله لنا- الذي وفَّى بوعده ليصحبنا إلى مدينة جلال آباد، عن السر وراء تواجد هذا الشاب المحمل بالذخيرة معنا؟
أجابنا بصوت ليس مسموعا: «الطريق إلى طورخم محفوف بالمخاطر خاصة وأننا سنعبر منطقة القبائل».
الطريق عبر منطقة القبائل
صمت الدكتور وكأنه لم يقل شيئًا.
سألته بفضول شديد: وماذا تعني منطقة القبائل..؟
رد: «إنها المنطقة الحدودية الأشد خطورة في رحلتكم بأكملها، وهي ليست تحت حكم أو سيطرة دولة باكستان أو أفغانستان، أبناء هذه المنطقة يتاجرون في المخدرات والحشيش والأفيون ولديهم كل ما يخطر ببالك من أسلحة قديمة وجديدة».
سألته: وما نوعية الخطر الذي يمكن أن يواجهنا ونحن نسير بالسيارة؟
أجاب: «نحن على حسب مزاجهم، لو أرادوا أن يهجموا علينا ويخطفونا لفعلوها، ثم لا تنسي أنك معنا، وهم من عشاق الجنس الناعم».
الطريق عبر منطقة القبائل
لا أعرف لماذا انتابتني حالة من الضحك، حاولت أن اخفيها وللحق لم أستطع، خاصة بعد أن نظرت للعسكري (المغلوب على أمره) الذي يبدو أن الدنيا قد طحنته، هذا هو الرجل الذي سيحمينا إذا هجمت علينا قوافل القبائل الذين يتاجرون في كل نوعيات الأسلحة والمخدرات!! صحيح المثل المصري «هم يبکي وهم يضحك».
من دون أن نتعرض لمشاكل وبفضل الله، اجتازت سيارتنا منطقة الخطر، لنصل إلى مدينة "طورخم".
الطريق عبر منطقة القبائل
زحام وضجيج وبعض المتاجر الصغيرة الفقيرة، التي تبيع علب المياه الغازية وزجاجات المياه، وبوابة كبيرة حديدية لها بابان، الأول نقف فيه، ويخص مدينة «طورخم» الباكستانية، أما الثاني فهو المقابل لنا ويخص «طورخم» الأفغانية، ويقف عليه عشرات وعشرات من الوجوه التي محت ملامحها أعراض الجوع والفقر المدقع، يريدون فقط الدخول إلى باكستان، وقد يظلون هكذا أياما ما بين باكستان وأفغانستان، وفي النهاية وعلى رأي المثل «لا بيطولوا بلح الشام ولا حتى عنب اليمن».
بوابة طورخم الأفغانية
بسرعة البرق، ختم الدكتور جوازات سفرنا، من الجزء الخاص بدولة باكستان، لنحصل على ختم الخروج من باكستان، خطوات معدودة لنجد أنفسنا في إمارة أفغانستان الإسلامية.
وقفت لحظات أحدث نفسي وأسألها: هل حقا قدماي الآن في أفغانستان، ذلك الحلم الذي راودني منذ سنوات؟
أفقت على صوت الدكتور مرافقنا، ينادينا لكي نأخذ ختم الدخول إلى الأراضي الأفغانية، اصطحبنا الرجل إلى غرفة مظلمة إلى حد كبير، يتوسطها رجل في الأربعين من عمره «مولای محمد حنفي»، مسؤول الأمن في بوابة طورخم، الذي تبادل الحديث مع الدكتور باللغة البشتو، ثم أشار إلينا بالدخول.
يبدو أن الرجل تذكر أن العِمة لا توجد على رأسه، فانشغل قليلا بربطها وضبطها وبدأ يتحدث مع الدكتور الذي ترجم لنا الكلام باللغة الإنجليزية: "أنتم أول صحفيين مسلمين يدخلون إلى وطننا، نرجو أن تقولوا الحقيقة التي يشوهها الأجانب الكفار، سوف تدخلون كابول، وتتحركون فيها بسهولة وتقومون بالتصوير كما تريدون، وأنت امرأة وأنا من حركة طالبان، ترين أنني أجلس معك وأنت لا ترتدين الشادوری ليس صحيحًا أننا نحبس الفتيات ونمنع خروجهن في الشوارع، بالعكس المرأة الأفغانية لها مطلق الحرية في الحركة، ولكن بالزي الإسلامي الذي شرعه سبحانه وتعالى".
تكلم الرجل كثيرًا، وللحق لم تكن درجة تركيزي معه إلا بنسبة 50% أما النصف الآخر فانشغل بتفقد الحجرة التي يجلس بها، التي تتناثر فيها الأسلحة في کل مکان، «کلاشنکوف» و«آر بی جي»، وجهاز لاسلکي، ومسدس في جيبه وبعض الأسلحة البيضاء.
للحق لم أخف، بل شعرت بسعادة خفية تتسرب إليّ مثل الأطفال تماما لأني ببساطة ولأول مرة، أرى فيها هذا الجو الملبد بالبنادق والأسلحة.
أفقت على صوت زميلي قائلاً: السلام عليكم، فعرفت أننا قد مُنحنا ختم دخول إمارة أفغانستان الإسلامية.