المستشار الإعلامي الباكستاني يتهمنا بالجنون ويحذر من "طالبان"
الرحلة طويلة وشاقة، والخيوط متشابكة كثيرة التعقيد والحديث عن إمارة أفغانستان الإسلامية يشبه الطريق إليها تماما، وعرا مفروشا بالألغام والفخاخ والأحجار، ومن يفكر بالسير فهو لا محالة مكللاً بتاج من الأشواك.
کنت أعرف أنني سأدخل يوما ما وسأرتدي "الشادوري"، الزي الذي ترتديه المرأة الأفغانية وأجول في شوارع کابول، أتفقد بعیني وأنقل وأرصد الصورة عن قرب، ولكن كيف ومتى لا أعرف؟
ولأنني أؤمن تماما بأن کل شيء، بأوان وأن "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين"، و"في النهاية كل شي نصيب" و"كل تأخيرة وفيها خيرة"، فما كان مني سوى الانتظار.
وکنت كعادتی أبحث صباح كل يوم عن أخر أخبار ما يدور في أفغانستان، وما تفعله حركة "طالبان"، أنقب بإبرة عن ذلك الصاروخ المسمى بأسامة بن لادن، أعبئ نفسي وأشحنها يوما بعد يوم إلى أن كانت الصاعقة التي نزلت على كل دماغ، في العالمين العربي والإسلامي، بل والعالم بأكمله ألا وهو خبر تدمير حركة "طالبان" تماثيل بوذا في مدينة باميان، لينقلب العالم رأساً على عقب، وتنهال المقالات والتقارير والأخبار، ووفود إسلامية رايحة وجاية لإقناع أمير المؤمنين الحاكم بأمره في الإمارة الأفغانية "الملا عمر" بعدم التدمير، ومن بين الوفود كان مفتي جمهورية مصر العربية، والشيخ يوسف القرضاوي.
وباءت كل المحاولات بالفشل، وعادت الوفود، وفتحت النار على بعض أراء المفتى والقرضاوي، الخاصة بسياسة حركة "طالبان" وموقفها من إغلاق مدارس الفتيات وتدمير التماثيل.
إذن فلقد آن الأوان الآن، لا وقت نضيعه أكثر من ذلك، علينا المحاولة ولا بديل عنها، هكذا التقت أفكاري مع الزميل المصور محمد مسعد.
"أفغانستان الآن"، هكذا قلنا وهكذا كان القرار، مهما كان الثمن ومهما كانت المغامرة محفوفة بالمخاطر.
جميل ورائع أن تأخذ قرارا ولكن السؤال: كيف تنفذه؟ وهنا مكمن الصعوبة والمشقة بل والذل الذي رأیناه.
مبدئياً، أفغانستان دولة مثل أية دولة دخولها يحتاج إلى تأشيرة ولكن كيف؟ ليس أمامنا سوى أبواب السفارة الباكستانية في القاهرة فلنطرقها ونرى.
دون تردد كنا أمام المستشار الإعلامي بسفارة باكستان وقتها أحمد شفق هاشمی، الذي أصيب بسكتة كلامية لا توصف، بعد أن عرضت عليه رغبتى السفر إلى أفغانستان، ملامح وجه الرجل كانت كفيلة بأن أغادر مكتبه على الفور وأتجه إلى منزلي لأوصد أبوابه عليّ بإحكام ولكني لم أفعل.
ناقشنا الرجل كثيراً في فكرة السفر، وحاول أن يثنينا عن القرار وعلى حد قوله باللغة العربية المكسرة: "فيه مصيبتين، الأولى إنك واحد ست وبتشتغل عايزة تقعد مع رجال طالبان وأنت تعرف موقفهم من المرأة، والثانية إن التصوير عندهم (هرام) أنتم أكيد مجانين".
لم نلتفت كثيرا لكلام «شفق هاشمي"، فقط إنه أصابنا ببعض من الإحباط والربكة التي سرعان ما تغلبنا عليها.
ماذا لو أخذنا القرار بالسفر وركبنا الطائرة واتجهنا إلى سفارة "أفغانستان" في مدينة إسلام أباد هل سيعلقون لنا المشانق؟ هل سيصلبوننا مثلما حدث مع سبارتكوس؟ هل سيفتحون علينا نارهم وصواريخهم، فتروح أجسادنا أشلاء مثما فعلوا مع "تشى جيفارا"
ما الذى سيحدث؟ الصورة سيئة وقاتمة وسوداء ولكن بالتأكيد هناك وجه آخر لا نراه فلنجرب إذن «العمر واحد والرب واحد» ولو مكتوب لنا أن ندخل أفغانستان هندخل، ولو مكتوب لنا العودة للقاهرة وذيول الخيبة تتبعنا سنعود دائما المجهول مخيف ومرعب ومرهب ولكن لأنه مجهول إذن فلنفعلها وليكن توكلنا على الله سبحانه وتعالی
فكان القرار ثنائيا ديمقراطيا لنسافر ونرى بأنفسنا.
سافرنا وكان بداخلنا قرار قاطع بأننا لن نعود إلى مطار القاهرة، إلا بعد أن ندخل إلى الأراضي الأفغانية مهما كان الثمن، لن نسمح للفشل أن يتمكن منا والحق لم يكن شغلنا الشاغل هو فكرة الدخول أو سؤال أنفسنا سندخل أم لا، بقدر ما كان همنا الأساسي والثقيل هو بماذا سنعود، وكيف نستغل الفرصة التي قد لا تكرر ثانية، وهل حصيلة المعلومات التي سنجمعها سوف تستحق؟ وهل تحمل جدیدا ومثيرا لتجيب على علامات استفهام تدور في أذهان الجميع؟
إذن لا نملك سوى أن نتوكل على الله.
كاميرا صغيرة في حجم القلم، حوار طويل وسط الجبال مع أسامة بن لادن، لقاء عابر مع أيمن الظواهرى، جلسة ساخنة مع أمير «المؤمنين "الملا عمر" بالعين المجردة معسكرات تدريب الإرهابيين تحت الأرض، مزارع الأفيون والمخدرات، تماثيل بوذا المدمرة في مدينة «باميان"، وزراء الخارجية والصحة والتعليم والإعلام، لقاءات متفردة مع السيدات من وراء" الشادوري".
فقط نعبر الحدود تلمس أقدامنا أرض الإمارة، أحلام لم نملك سوى أن نتبادلها ونحن نحتسى القهوة في مطار أبو ظبي الدولى، انتظارًا لموعد إقلاع طائرتنا المتجهة إلى مدينة إسلام آباد، العاصمة الباكستانية.
معدات التصوير التي يحملها الزميل المصور، كانت تشكل هما وعبئا ثقيلا على عاتقنا، إذا أين نتركها لو حدثت المعجزة وحصلنا على التأشيرة؟ وبعيدا عن ثقل حملها هنالك ما هو أهم وأخطر إنهم ٌيحرمون التصوير كما نعرف أو بالأحرى كما نسمع، فكيف يخرج «محمد» تلك العدسات ليلتقط بها خلسة دون أن يدري به أحد؟
3 ساعات في مطار أبو ظبي الدولى، كانت كفيلة بجولة لا بأس بها بين محلات الأسواق الحرة، وتحديدا تلك الخاصة بكل ما يمت بصلة إلى فن التصوير.
كانت عين محمد تقع على أصغر الكاميرات المعروضة إلى أن أشار بأصبعه إلى شيء صغير في حجم القلم أخرجته الفتاة الفلبينية المسئولة عن البيع.
«"هي دي"، هكذا تحقق حلمنا الأول، كاميرا صغيرة في حجم القلم يستطيع بها زميلي التقاط ما يحلو له خلسة، دون أن يدري به أحد.
وكأنها رسالة من الله سبحانه وتعالى تحمل بين طياتها إحساساً بالأمان، اقتحمت قلوبنا لتنهي جزءاً كبيرا من رهبتنا وخوفنا، وكأنها أعطتنا وعدا بتوفيق خفي، تذكرت معها مثلا دائما ما كانت تقوله أمي: "اللي تخافي منه ما يجيش أحسن منه".
لم ينهكنا السفر الطويل، بقدر ما سببته لنا أحلامنا من تعب جسدي ومعنوي لا يوصف مع نسمة هواء باكستانية في الصباح الباكر حين وصلنا، لم ندر بأنفسنا، رحنا في نوم عميق بعد أن ألقينا بجسدينا المنهكين في أحد الفنادق بمنطقة "بلو إيريا" في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وكأننا نودع النوم استعدادا لأيام عصيبة مقبلة.
هل نذهب إلى سفارة أفغانستان بالزي الرسمي؟ بمعنی هل يرتدي محمد، الزي الرجالي، خاصة وأنه أطلق لحيته قبل السفر بيومين.
وهل أرتدي انا ما يطلقون عليه "الشادوري» والذي يجعل المرأة بلا ملامح؟
تناقشنا ليلة كاملة في هذا الأمر، استقر محمد، على أن يذهب كما هو، مصور صحفي عربی مسلم، يرتدي بنطلونا وقميصا، بينما قررت ارتداء الزي الباكستاني، بنطلون واسع وبلوزة فضفاضة مطوية، وإیشارب أحكمته علی رأسي حتى لا تظهر منه ولو حتى خصلة واحدة.
نظمنا الأدوار وعرفنا كيف سنتصرف ونرتب الأمور.
محمد هو المتحدث الرسمي الذي يلخص هدفنا ويشرحه ببساطة لأي مسئول يقابله:
"نحن صحفيان مسلمان نريد أن ندخل إلى أفغاتستان من أجل نقل الصورة على حقيقتها، نريد توضيح كذب وافتراء وسائل الإعلام الغربية التي تتهم حركة "طالبان" بالتخلف وتهاجمهم على طول الخط، ونريد أيضا إقناع الشعوب العربية والحكومات بالاعتراف بالحركة.
أما أنا فدوري هو التابع المطيع الأمين، الذي لا يخرج صوته ولا يتفوه بكلمة، إلا إذا طلب منه.
حملنا أثقالنا وأفكارنا وفي لمح البصر، كنا أمام السفارة الأفغانية، محمد يتقدم وأسير وراءه بخطوات بعيدة وجهي في الأرض.
لم يعترض أحد طريقنا، ولم يسألنا إلى أين نحن ذاهبان؟
ممر طويل هادئ منعطف يمينا لتظهر بعض الشبابيك ذات القضبان الحديدية، تطل من ورائها ذقون سوداء وعمامات، ظهر رجال حركة "طالبان"، وقعت عيناي عليهم أخيرا، استطعت أن ألمح في عيونهم بعض النظرات الخبيثة.
بعض الملصقات على جدران السفارة، تحمل صورا لدبابات ومدافع، يعلوها اسم «حركة طالبان» وقد ُكتبت بالبنط العريض باللغة الأوردية، التي تشبه كثيرا العربية.
وقفنا مثل غيرنا، لفت نظري مجموعة من السيدات يجلسن في ركن منزوٍ بعيد بعضهن يخفي وجه، والمفاجأة أن كثيرات كن يلبس مثلي ووجوهن ظاهرة.
أحسست بنوع من الاطمئنان وعلى الفور كنت معهن أشاركهن الانزواء انتظارا للمجهول.
حركة غريبة في السفارة، ناس تروح وأخرى تجيء، ورجل غليظ الوجه واللحية يشير إلى ركن النساء بإصبعه.
ينتفض الجميع، أسير وراءهن إلى غرفة مغلقة يبدو أنها خٌصصت للنساء.
انقطعت الاتصالات بيني وبين محمد ساعة متواصلة، لا أدري عنه شيئا.
الأفغانيات فاتنات الجمال، هذا هو أول انطباع تسرب إلىّ، ما أن أزاحت كل واحدة الغطاء عن وجهها.
حاولت الحديث معهن ولكنهن لا يتكلمن سوى "البشتو" ولا يعرفن حرفا إنجليزيا واحدا، ما عدا فتاة صغيرة عمرها 18 عاما تتكلم الإنجليزية قليلا.
"سلمی" أول لسان أفغاني يتكلم معى، لم أستطع فهم سر وجودها في السفارة الأفغانية ولكنها جاءت إلى باكستان منذ 3 سنوات، بعد أن ترك أهلها المزارعون أرضهم وفروا من الدم المنساب.
سلمي سعيدة بأنها ليست في وطنها وقالت لي بصوت سمعته بصعوبة "أنا أكره أفغانستان! I hate AFGan".
-لماذا؟. هكذا سألتها -فأجابت يريدون وضعنا في القبور. وأنا أفكر جديا في السفر إلى أمستردام للحاق بأختي التي تدرس هناك.
- سألتها إحداهن عنى وعما يدور بينا، فترجمت لي أنهن مشفقات عليّ، من الدخول إلى أفغانستان ويدعين لي بالعودة سالمة إلى وطني.
لحظات وكنا نغادر السفارة، بعد أن دق باب غرفة النساء، لينادى على اسمي أحد رجال "طالبان"، أخرج مسرعة فإذا بزميلي يشير لي بان أتبعه إلى الخارج.
لم أطق صبرا، الفضول يقتلنى ماذا حدث، هل وافقوا أم أنه يصحبني للفندق ومنه إلى متن الطائرة المتجهة للقاهرة، لا نملك سوى أن نجر ذيول الخيبة وراءنا.
لم يتكلم «محمد» إلا بعد وصولنا إلى الفندق: "وقفت في طابور طويل عريض ويبدو أن مظهرى المختلف أنقذني من حالة انتظار طويلة، إذ وجدت شخصا يقترب مني وسألنی عن جنسيتی فأجبته: مسلم وصحفي. تركني الرجل ثم عاد إليّ مسرعا وأمرني بالدخول إلى غرفة ظللت فيها وحيدا ربع ساعة ودخل شخص يدعی "عبد الظاهر" شرحت له أننا نريد زيارة أفغانستان لنرى الصورة على حقيقتها، وتكلمت معه كثيرا بهذا الصدد وأننا نريد الحصول على تأشيرة الدخول، ظل الرجل ينظر إلىّ ويستمع ثم أجاب اكتبوا طلبا وسوف نقوم بارساله إلى وزارة الخارجية في «كابول» وننتظر الرد.
سألته: ومتى يجيء الرد، فأجابني بثقة: بعد 20 يوما.
لم أستطع أن أمنع نفسي من الانهيار
ننتظر 20 يوما في هذه الحالة وفي النهاية يوافقون أو لا؟
أراح قلبي محمد، عندما قال لي، إن أحد المنتظرين في السفارة ويعمل طبيبا للأطفال، اقترب منه وعرف حكايتنا وهدفنا وقرر أن يساعدنا، بل سيأتي إلينا في الفندق بعد ساعة.
ترى من هذا الرجل وكيف يساعدنا وما المقابل الذى يريده منا؟ وهل هو ذاك المجهول الذي نبحث عنه فيقوم بتهريبنا عبر الحدود؟
لا شيء نملكه سوى الانتظار.
أما عن التفاصيل فانتظرونا الحلقة المقبلة.