لا أظن أنني تأخرت كثيرًا، عشرون عامًا فقط، وكأن الرحلة كانت بالأمس القريب.
ورقة وقلم ورؤية ما، وحنين إلى المجهول، غموض واستفهام، إبهام وتعجب، أصوات متداخلة من بعيد، همهمات مشجعة ونبرات عالية محذرة حلم يهدهدنی فأجد قدميّ وقد حطتا على سطح القمر! وكابوس يدفعني دفعا إلى أحضان "زحل".وجوه تداری خوفها بابتسامة هادئة مصطنعة، وعيون تشير إليّ بأصابع الجنون، نظرة الوداع الأخيرة من شباك الطائرة الصغير، ودمعة متسائلة على الخد: ماذا يخفي هذا المجهول؟ وإلى أين يأخذني وهل هناك طريق للعودة أم أنها المرة الأخيرة؟هكذا حلقت بي الطائرة وزميلي المصور الفنان محمد مسعد فوق القاهرة نودعها ونعرف أن أهوالاً لا محالة في انتظارنا."على كف الرحمن" شعار رفعناه منذ اللحظة الأولى التي أخذنا فيها قرارنا بخوض معركة الدخول إلى إمارة افغانستان الإسلامية عام 2001.
قد يتبادر إلى ذهنك قارئ سطوري سؤال بديهي لماذا أفغانستان الآن؟ ولماذا تستعيدين رحلاتك إليها بعد أن مر عليها عشرون عاما بالتمام والكمال؟
أمل سرور أثناء الرحلة - تصوير محمد مسعد
الإجابة سهلة وبسيطة وربما تصيبك بالدهشة عندما تعرف بأنني كنت في حالة انتظار وتأهب ويقين بأن "طالبان" ستعود لا محالة إلى حكم تلك البلاد، رغم أنني كنت شاهد عيان على سقوطها المذري والسريع على أيدي قوات التحالف الشمالي، بل إنني رحلت إليها أيضًا مرة أخرى لأكون المراسلة الحربية في حرب أمريكا العسكرية عليها.لذا لم يقع علي خبر تسليم البلاد الأفغانية قبل شهور إلى الحركة الطالبانية كالصاعقة كما حدث مع الكثيرين، بل ضحكت من قلبي بعد أن كنت قد ظننت أنني نسيت الضحك، ولم أملك سوى أن أفتح أوراقي وأستعيد ملفاتي لأضع بين أيديكم ثمرة رحلاتي إلى بلاد "الدبابات والمخدرات" ليزداد يقيني بالمقولات الشهيرة "ما أشبة الليلة بالبارحة"، "والتاريخ يعيد نفسه"، "والمصالح بتتصالح" "طالبان وامريكا وجهان لعملة واحدة.
أمل سرور في رحلتها إلى أفغانستان - تصوير محمد مسعد
والأهم والأخطر أني أجعلك تقترب من الفهم وهو أمر شديد الأهمية، ولن يحدث إلا إذا توصلنا سويا للحقيقة التي ربما تكون غائبة عن الكثيرين وهي أن الوجوه الطالبانية قد تغيرت شكلاً وملامحاً لكن العقول لازالت تحتفظ بصبغتها وتفكيرها الطالباني الأصيل، وهو ما أحاول أن أجيب عليه من خلال سؤالين في غابة الأهمية. الأول: ماذا فعلوا؟ والثاني كيف يفكرون؟
أفغانستان - تصوير: محمد مسعد
أسئلة كثيرة حملتها معي في رحلتي إلى أفغانستان تلك البلاد المركبة التي أصفها بالسهل الممتنع، المعلومات المتداولة عنها بسيطة وتشدك مثل "أفغان" حفيد بنيامين بن يعقوب عليه السلام، الذي رحل مع أبنائه لأربعين عندما حلت الكارثة على بني إسرائيل، أو ما يقال إنها بلاد منحوتة في الصخر اعتلت هضابا وجبالا شماء، والتي يطلق عليها بعض الجغرافيين سقف العالم، وبلاد الإسلام المعلقة.
وربما تقترب من الحقائق الجوهرية في أفغانستان إذا علمت أن الجبال الصخرية والوحشية تركت بصماتها على الناس، الذين تربوا على قسوة الطبيعة وجبروتها، تلك البلاد التي قهرت أكبر واشهر الغزاة منهم الإسكندر الأكبر وجنكيز خان وتيمورنتك ونابليون بونابرت الذي أرسل مبعوثاً إلى كابول ليمهد لفتح الهند، ولم ينجح في مسعاه، وجيوش قياصرة الروس والإمبراطورية البريطائية، جميعهم مرت جحافلهم فوق صخور أفغانستان.أما عن الديانات فحدث ولا حرج، فقد تتابعت عليها البوذية والزرادشتية والمسيحية النسطورية، وحتى عبادة النجوم والأوثان، وقد دافع أهل هذه البلاد عن دياناتهم تلك بشراسة، إلى أن وصل إليهم الإسلام في عهد الخليفة عمربن الخطاب، ومن بعده عثمان بن عفان، إلى أن استقرعلى أرضها في منتصف القرن الثاني الهجري، ليصبح الأفغان هم رافعي لواء الإسلام في آسيا.أفغانستان يتعايش فيها ما يقرب من 21عرقا وملة، إذ سمحت الطبيعة الجغرافية لتلك الكيانات أن تحتفظ باستمرارها وتماسكها، فاحتمت بها مختلف الأعراق، أهمها على الاطلاق البشتون التي ينتمي إليها أغلب عناصر حركة "طالبان" ليأتي بعدهم الطاجيك الذين ينتمي اليهم قوات التحالف الشمالي التي كان يرأسها أحمد شاه مسعود العدو اللدود للطالبانيين.
أفغانستان - تصوير: محمد مسعد
ولا تخلو أفغانستان من بعض الأعراق الصغيرة الأخرى مثل الشيعة والفارسوان والأوزيك والإياق وهم الأقرب للعنصر التركي والبلوسش والمغول والتركمان والكوجار والسيخ.ويظل الإسلام هو القاسم المشترك بين الجميع على الأرض الأفغانية، وهو ما يجعلنا على يقين بأنه ليس دينا فحسب بل هوية جامعة، يحتضن من خلالها مختلف الأعراق. ولذلك ظل التمسك به من قبل الأعراق كافة أمر شديد الأهمية والخصوصية.وهنا نتذكر جيدًا ما قاله جمال الدين الأفغاني، عن دور الدين ورجاله في حياة الأفغان "لديهم تعصب شديد للدين والمذهب وجميعم يدينون بمذهب أبي حنيفة لا يتساهلون رجالا ونساء، وحضريين وبدوين، في الصلاة والصوم وكل أفغاني يزعم أنه لا يوجد الإيمان الكامل والإسلام الخالص إلا في جنس الأفغان، يحكمون بتكفر بعض الأشخاص أو بفسقهم، إذا رأوا منه ما يخالف أهواءهم، بل قد يكفر بعضهم بعضا حبا للانفراد بالرئاسة".خلفية شديدة الأهمية لم تفارقني طوال رحلتي إلى البلاد الأفغانية في الحقبة الطالبانية منذ عشرين عامًا، والتي كما قلت من قبل لم ولن تختلف كثيرًا عن تلك الفترة التي عاد بها رجال "طالبان" للحكم برعاية أمريكية هذه المرة، تلك الخلفية المبسطة التي قد يتعامل معها الكثيرون ببساطة شديدة، ليتجاهلوا عمق دور الدين وعلمائه في أفغانستان، وذلك لا يتعارض مع حقيقة أن ذلك الدور يتم استثماره وتوظيفه بشكل خطير من قبل دول مختلفة وجهات أخرى لصالح سياساتها وأطماعها ليس في أفغانستان فحسب بل في المنطقة بأكملها.
أفغانستان - تصوير: محمد مسعد
ولا تخلو أفغانستان من بعض الأعراق الصغيرة الأخرى مثل الشيعة والفارسوان والأوزيك والإياق وهم الأقرب للعنصر التركي والبلوسش والمغول والتركمان والكوجار والسيخ.
ويظل الإسلام هو القاسم المشترك بين الجميع على الأرض الأفغانية، وهو مايجعلنا على يقين بأنه ليس دينا فحسب بل هوية جامعة، يحتضن من خلالها مختلف الأعراق. ولذلك ظل التمسك به من قبل الأعراق كافة أمر شديد الأهمية والخصوصية.
وهنا نتذكر جيدًا ما قاله جمال الدين الأفغاني، عن دور الدين ورجاله في حياة الأفغان "لديهم تعصب شديد للدين والمذهب وجميعم يدينون بمذهب أبي حنيفة لا يتساهلون رجالا ونساء، وحضريين وبدوين، في الصلاة والصوم وكل أفغاني يزعم أنه لا يوجد الإيمان الكامل والإسلام الخالص إلا في جنس الأفغان، يحكمون بتكفر بعض الأشخاص أو بفسقهم، إذا رأوا منه ما يخالف أهواءهم، بل قد يكفر بعضهم بعضا حبا للانفراد بالرئاسة".خلفية شديدة الأهمية لم تفارقني طوال رحلتي إلى البلاد الأفغانية في الحقبة الطالبانية منذ عشرين عامًا، والتي كما قلت من قبل لم ولن تختلف كثيرًا عن تلك الفترة التي عاد بها رجال "طالبان" للحكم برعاية أمريكية هذه المرة، تلك الخلفية المبسطة التي قد يتعامل معها الكثيرون ببساطة شديدة، ليتجاهلوا عمق دور الدين وعلمائه في أفغانستان، وذلك لا يتعارض مع حقيقة أن ذلك الدور يتم استثماره وتوظيفه بشكل خطير من قبل دول مختلفة وجهات أخرى لصالح سياساتها وأطماعها ليس في أفغانستان فحسب بل في المنطقة بأكملها.
أفغانستان - تصوير: محمد مسعد
حقائق ومعلومات وأحداث تاريخية رافقتني ولم تفارقني لحظة طوال رحلتي إلي أرض إمارة أفغانستان الإسلامية، تلك البلاد التي تكره النساء، وتعتبر المرأة شيطاناً يمشى على قدمين بل فضيحة يجب تجنبها واخفاؤها.
مغامرة بكل المقاييس فكيف يمكن أن تقبل تلك العقول أن تأتي إلى أرضها صحفية ومصور ليتجولا في شوارعها ويحاورا قاداتها، مسألة تبدو بانها نهاية الدنيا أو علامة من علامات الساعة.ليس مهما على الإطلاق أن نقول دخلنا افغانستان، ولكن الأهم هو ماذا هناك على تلك الأرض التي تسيل عليها الدماء منذ زمن ؟ كيف يعيش الأفغان تحت حصار اقتصادی قاتل وحالة من الجوع والفقر والتشرد تنقلها لنا وكالات الأنباء يوما بعد يوم؟ ما حكاية حركة طالبان وما حقيقتها؟ كيف يفكر رجالها؟وماهو منطقهم في تدمير الآثار التاريخية عندما فجروا بالديناميت تماثيل بوذا التي حُفرت بين ثنايا صخور جبال مدينة "باميان" تلك التي اعتبروها أصناما يعبدها الكفار؟ وما مقياس الكفر والإيمان لديهم..؟وهل كل ماتناقلته وسائل الإعلام في تلك الفترة صحيح؟ هل كل ما وصل إلى مسامعنا من إغلاق مدارس الفتيات وتحريم خروج السيدات إلى الشوارع ، وقتل الأجانب، واغتصاب المرأة الأجنبية بمنطق أنها كافرة، وإباحة زراعة الأفيون والمخدرات بمنطق أنه يصل إلى الأمريكان ويقضي على عقولهم هل كل هذه المعلومات صحيحة؟
أفغانستان - تصوير: محمد مسعد
وماذا عن أخبار هذا الرجل الذي كان وقت رحلتي على قيد الحياة مختبئاً خلف الجبال الأفغانية ومحتمياً برجال "طالبان"، أسامة بن لادن الذي ترك ملايينه وأملاكه ليستقر على تلك الأرض؟ هل صحيح أن أسامة بن لادن باع ابنته وقام بتزويجها لأمير المؤمنين وقتها "الملا عمر" ثمنًا لحمايته وعدم تسليمه إلى أمريكا؟وما الذي جعل أمريكا تنقلب على رجالها من" حركة طالبان» بهذا الشكل فتتحول من المساند والممول والمؤيد إلى المحارب والمحاصر والمعارض؟ وهل زُرعت حركة طالبان لتكون قوى سنية مسلمة في مواجهة ساخنة لنظيرتها المسلمة الشيعية إیران؟ما شكل مدينة كابول وقندهار وما حكاية لقب الملا وأمير المؤمنين ، والفتاوى التي نسمعها يوما بعد يوم؟هل ننجح في أن نفتح قلب "رجل آسيا المريض" نخترق هذا المجهول ليصبح كتابا مفتوحا بين أیدیکم...؟هل يعطينا «رجال حركة طالبان» الفرصة لرؤيتهم وسماعهم عن قربهل يسمحون لى بصفتى فتاة الدخول إلى عالمهم بل والجلوس أمامهم والتحاور معهم ومع ،مسؤوليهم ووزرائهم؟وهل يمنحون "محمد مسعد" زميلي المصور، فتوى تحلل التصوير وإذا حدث وتحق الحلم هل سأستطيع أن أنقل مارأيته وماسمعته عن قرب ؟هل ينجح القلم أم يقف عاجزا؟هل سأفلح في محاولة نقلك من منزلك أو مكتبك، أو غرفة نومك لتسافر معى وتخوض التجربة.. تعيشها لحظة بلحظة، تحزن، ويعلو ضغطك، وتفرح، وتندهش، وتبکی بحرقة، وتشعر بقسوة الحر، وبرودة الأعصاب، ولا مانع أن تشعر بأنك مراقب من آخر مجهول حتى وأنت نائم مراقب في أحلامك..؟ وها انا لا أملك سوى عبارتي الأثيرة لأختم بها مقدمة سطوري لتكن محاولة إن نجحت فقد أضافت لى ولك وإن فشلت فالتمس لى عذرا وليبق لی شرف المحاولة.