ناصر عراق

الجسد والشهرة والمال.. العلاقة الوثيقة جدًا

يتعجب بعض الناس، وقد يتذمرون، من أن اللاعب (فلان) بلغ سعره 100 مليون يورو، أو أن النجم السينمائي (علان) يتقاضى 10 ملايين جنيه عن قيامه بدور البطولة في فيلم واحد، أو أن المذيع (الترتاني) يتحصل على راتب شهري مقداره 20 مليون جنيه، بينما الطبيب أو المهندس أو المحاسب أو المدرس لو عاش مائة عام فلن يحصل على خمس ما يتقاضاه هؤلاء المحظوظون في شهر أو في فيلم!

الحق أن العلاقة بين الجسد والشهرة والمال بالغة التعقيد بقدر ما هي مثيرة للتأمل والتفكير، فنجم الكرة الذي يستحوذ على مئات الآلاف من الدولارات شهريًا يعمل في (وظيفة) تحتم عليه أن يرى ملايين الناس (جسده) وهو (يعمل)، أي وهو يلعب الكرة. الأمر الذي يجعل ملايين الأعين تتابع هذا (الجسد) بشغف وهو يجري ويقفز ويراوغ ويمرر ويفرح ويحزن، ومن المؤكد أنهم سيرون ذلك (الجسد) أيضًا وهو يتحسر ويغضب ويحتد ويتألم ويسقط مصابًا على أرض الملعب، وقد يشاهدون (جسد) اللاعب وهو يضحك ويهلل ويرقص إذا أصاب وأحرز هدفًا، أو يحتج ويغضب ويبكي إذا أخفق أو خسر المباراة. أي أن (جسد) صاحبنا اللاعب بات مستباحًا أمام ملايين الناس، في الملعب أو على شاشة التليفزيون. وفي كل الأحوال، فهذا (الجسد) هو الذي يهب الحشود المتعة التي ينتظرونها من هذه اللعبة، وهذا (الجسد) كذلك هو الذي يرضي جوع الناس إلى الفرح والنشوة بالانتصار في المنافسة، والمنافسة أمر شديد الأهمية في الحياة، فتاريخ الكائنات الحية كلها يتلخص في المنافسة وكيفية الفوز فيها.. المنافسة على الطعام أو المكان أو حق التزاوج، الكل يلهث، بشر وحيوانات وطيور، من أجل الانتصار في المنافسة.. أي في معركة البقاء!

أما النجم السينمائي، فيخضع للمنطق نفسه الذي يحكم حظوظ لاعب الكرة، فالناس ترتاد دور السينما كي يسعدوا بمشاهدة الممثل وهو يعمل (بجسده) كاملا، فيتفحصون ملامح وجهه وهو يتكلم أو ينصت، وهو يلعن أو يشكر، وهو يضحك أو يمرض أو يتألم أو يبكي. في كل الحالات، (فجسد) الممثل متاح كاملا أمام ملايين المشاهدين، وفي الأخير، هذا (الجسد) هو الذي يمنح الناس المتعة المتوقعة من التفاعل مع كل فن جميل.

لكن الأمر يختلف قليلا مع المذيع التليفزيوني، إذ إن أجره غالبًا ما يكون أقل من أجر لاعب الكرة أو نجم السينما، لماذا؟ لأن (جسد) المذيع لا يظهر منه للناس إلا نصفه الأعلى فقط، كما أن عمل المذيع لا يهب الملايين الذين يحرصون على متابعته المتعة التي تحققها الكرة أو الفن، وعليه، فنصيبه من المال والشهر أقل نسبيًا من الممثل واللاعب.

قد نستثني من هذه الفكرة رجل الأعمال الناجح أو التاجر الكبير، إذ إن كلا منهما يربح أموالا طائلة، رغم أن عدد الذين يترصدون (جسده) وهو يعمل محدود جدًا، ومع ذلك فهو لا يصيب الشهرة المدوية التي ينعم بها لاعب الكرة أو نجم السينما.

حسنًا.. تعال نتجه وجهة أخرى.. تعال نتأمل الطبيب، فهل هناك أحد يرى (جسد) الطبيب وهو يعمل سوى المريض والممرضة المعاونة؟ صحيح أن الطبيب يبذل كل جهده من أجل شفاء المريض وتخفيف آلامه، لكنه لا يمنحه المتعة النفسية التي يحققها الفن ومشاهدة المباريات. الأمر نفسه يتكرر مع المهندس، فكم عدد الذين يرمقون (جسد) المهندس وهو يخطط ويتابع ويحل معادلاته ويضبطها؟ وهل عمل المهندس يوفر (المتعة) للملايين؟ صحيح إنه يحقق الفائدة العظمى، سواء كان مهندس كهرباء أو إلكترونيات أو ميكانيكا أو غيره، وصحيح أيضًا أن كل هؤلاء المهندسين العظام، يوفرون الفائدة الكبرى للناس، لكنهم لا يمنحونهم المتعة التي تحتاجها النفس وينشدها الوجدان!

لا يختلف الأمر كثيرًا مع المدرس الذي يحظى بعدد أكبر من الذين يرون (جسده) وهو يعمل، ومع ذلك، فحظه من أعين التلاميذ لن يزيد عن ألف عين تتابعه بكثير من الملل والضجر، وقليل من الاهتمام والفرح!

أما أنا الذي أكتب لك هذا المقال في الفجر، فلا يرى أحد (جسدي) وأنا عاكف على الكتابة، أي وأنا أعمل، وهكذا يفعل كل الذين أدركتهم حرفة الأدب، تحترق أعصابهم وهم يسكبون أفكارهم ورؤاهم على الورق قديمًا أو شاشة الكومبيوتر حديثًا، دون أن يرى تلك (الحرائق) أحد، ورغم أن المتعة التي يوفرها الأدب ليست بالقليلة أو الهينة، إلا أنها تحتاج إلى عقول متعلمة نالت نصيبًا لا بأس به من المعارف المتنوعة، ونحن في بلادنا العربية لا نعرف الكثير بعد عن متعة الأدب الرفيع، لذا فحظوظ الكاتب من المال والشهرة شحيح بشكل محزن.

باختصار.. كلما رأى (جسدك) وهو يعمل عدد ضخم من الناس، كلما كان نصيبك من المال والشهرة كبيرًا ومدهشًا، أما إذا كنت تعمل، ولا يرى (جسدك) أحد، أو مجرد حفنة قليلة من البشر، فأنت من الذين أنهكتهم الحياة، فلا يطلبون منها سوى الستر!