محمود عبدالمنعم القيسـوني

قصص من أعماق الأمازون (2)

في الحلقة الأولى توقفنا عند الإجراءات الصارمة التي اتبعتها البرازيل لتأمين رحلة الرئيس الـ 26 للولايات المتحدة الأمريكية ثيودور روزفلت، التي قرر الخروج فيها في مغامرة خطيرة من أجل اكتشاف فرع نهر من الأمازون مجهول للعالم، لكن الجميع يذكره باعتباره لغزاً وأسطورة تتناقلها الألسن دون معرفة مكانه بالتحديد.

غادر روزفلت ومرافقوه الباخرة النهرية المزودة بإمكانات ترفيهية كبيرة من أجل بدء مغامرة محفوفة بالمخاطر والتعب، حيث السير على الأقدام وسط أحراش متشابكه تتخللها أشعه الشمس بصعوبة، لكن عظمة مهمة اكتشاف ما يسمى بنهر الشك، تستحق برأيهم هذه المخاطرة.

انطلق روزفلت ومعه خرائط نهر الأمازون لأول مره في الـ 17 من يناير من عام 1914، برفقة قافلة مكونة من نجله كيرمت وعالم أحياء تابع لمتحف التاريخ الطبيعي ومصور محترف من الجانب الأمريكي، ومعهم من الجانب البرازيلي العقيد كارلو و165 عاملاً يدعمهم 250 بغلاً تحمل 5 أطنان من المواد الغذائية بحسب تقديرات العقيد كارلو المسؤول الإداري عن الرحلة، حيث كان مقدراً لها أن تستغرق 5 أشهر هذا، بالإضافة لـ10 زوارق خشبية طويلة.

وقد سجل رزوفلت في مذكراته التي واظب على كتابتها بصورة يومية، أنه اهتم بجمع عينات من كل شيء يراه من حشرات ونباتات وكائنات بمعاونة عالم الأحياء المرافق لهم، مشيراً إلى أن الأيام الأولى من الرحلة كانت مرفهة ومريحة له بكل المقاييس، حيث كانت تضم مائدة الطعام، أطعمة فاخرة ومستلزمات ترفيهية مثل الخردل وخمسة أنواع من الشاي وأنواع من المخبوزات.

حرص رزوفلت أثناء السير على التقاط بعض الصور واصطياد بعض الحيوانات، حيث شكلت هذه الرحلة والمغامرة منعطفاً مهماً في حياته، نظراً لخوضه أرضاً مجهولة تماماً للعالم أجمع.

كما كان واضحاً في المذكرات اهتمام روزفلت الخاص بثعبان الأناكوندا العملاق المعروف بضخامته وقوته وقدرته على ابتلاع إنسان بعد تحطيم عظامه، لكنه اكتشف أن سادة هذه الأحراش والغابات المجهولة هي الحشرات والزواحف الصغيرة جداً، والتي تشكل الخطر الأكبر وخصوصاً النمل الذي أثبت قدرة على التهام إنسان كامل في مدة وجيزة لو شاء حظه العسر أن يقطع خطوط سير جحافلها.

ورغم كل هذه المخاطر إلا أن عزيمة روزفلت لم تهبط، فقد كان رجلاً عنيداً وجسوراً ذا شخصية قوية صمم على استمرار الرحلة.

توثق الصور التي التقطت لروزفلت ارتداءه شبك مضاد للناموس والحشرات يغطي رأسه وعنقه تماماً كما أن جسمه بالكامل كان مغطى تماماً بملابس وقفازات، وقد حرص على ارتداء كل هذه الملابس أثناء كامل اليوم حتى أثناء جلوسه أمام منضدة ليكتب مذكراته، حيث تظهر في الصور الكم الكبير من الحشرات المحيطة به والملتصقة بملابسه.

لكن بدأت متاعب الرحلة مع موت عدد من البغال، واضطرارهم إلى التخلص من أحمال ومستلزمات مهمة، الأمر الذي أثر بالسلب على خدمات الرحلة، وما زاد الطين بلة هو انسحاب عدد من العمال من الرحلة، الأمر الذي دفع العقيد كارلو إلى العمل على إقناع من تبقوا بأن المواد الغذائية كافية لاستكمال الرحلة.

لكن ولأن المخاطر لا تأتي فرادة، فقد اكتشفوا أثناء السير أن هناك عيوناً تراقبهم عن كثب وتتتبعهم كالأشباح وهو ما أثار خوف الجميع، خصوصاً بعد مشاهدتهم آثاراً لأقدام آدمية حافية مطبوعة على تربة الأحراش على مسافات قريبة جداً منهم. وعلموا أن هنود هذه الغابات والمعروفين بكراهيتهم الشديدة للدخلاء، كراهية تدفعهم إلى القتل باستخدام سهام صغيرة مغطاة بسم فتاك يطلقونها من سيقان نوع مجوف من الخيزران بصمت.

كما شاهدوا نقوشاً غريبة وغامضة على الصخور التي كانت في طريقهم، لكن أكثر ما بث الرعب فيهم وأكد لهم الخطر الداهم الذي ينتظرهم، هو عثورهم على ثلاث جماجم بشرية حديثة عليها بقايا شعر ولحم، الأمر الذي يؤكد أن أصحاب هذه الجماجم تعرضوا لأقصى درجات العذاب والمعاناة، حيث اكتشفوا أنها لثلاثة رجال أجسامهم مدفونة بالكامل في الأرض حتى مستوى العنق وهو أسلوب بشع يتبعه الهنود لقتل الأغراب، حيث يتركون الحشرات تلتهم وجوههم ورؤوسهم من الخارج والداخل ببطيء شديد من أجل تعذيبهم بشدة حتى الموت وهو ما دب الرعب في قلب روزفلت الذي تأكد أن هذه الجثث كانت تمثل رسالة تهديد لهم واضحة من هنود الأمازون.