قبل خمسة وعشرون سنة، قال لي المفكر المصري الراحل الدكتور سمير أمين إن الشعوب المتخلفة هي التي تفكر في الدين بطريقة متخلفة، ولعلي أزيد عليها «وعندما تصبح غارقة حتى النخاع في ثرثرة لا تنتهي حوله، يصبغون عليه من القصص والحكايات التي لا يقبلها عقل أو منطق».
فمع الانتكاسات وما أكثرها، وما تلاها من ارتدادات، لم يعد هناك في ظرفنا الراهن تفصيلة بحياتنا اليومية ــولا يهم إن كانت تافهة لا تستحق مجرد التفكير فيهاــ إلا وحشرت حشرا في المعتقد، وها هي آلاف الأسئلة التي تنهال ليس فقط على من يدعون أنهم أهل فقه وتفسير بل أهل الذكر الحقيقيين بالمؤسسات الرسمية الذين ينصتون لها باهتمام ثم يبحثون عن الإجابات في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وجميعها يبدأ بالاستفهام هل يا علماؤنا الأجلاء هذا حرام أم حلال أفيدونا أفادكم رب العرش.
إنها الفوبيا إذن، التي تتلبس السواد الأعظم في مجتمعاتنا، خشية ارتكابهم المعصية وهم لا يدرون ويكون مصيرهم والعياذ بالله جهنم وبئس المصير، ولعل هذا ما يفسر إصرار قاطني النجوع والقرى والعشوائيات الكائنة بأطراف المدن ودواخلها الفقيرة والمعدمة على ختان الإناث، وهذا لم يأت من فراغ، فمع التعليم المتردي ومتونه الصماء المتشحة بالغيبيات والمتمسكة بالرديء من السلف، تُركوا منذ زمن ليس بقريب، فريسة سهلة لمن يعتلون مئات المنابر بطول البلاد وعرضها ومن المغرب وحتى العشاء، يزرعون الخوف المريع في نفوس الأهالي الذين لا حول ولا قوة، فماذا عساهم أن يفعلوا؟ فلا بد من بتر هذا الشيطان الرجيم من أجساد بناتهم حتى لا يسألهم العلي القدير يوم القيامة لماذا تركتم فلذات أكبادكم يسقطون في الفاحشة!
في السياق ذاته انتشرت ــ ولا زالت ــ دعوات التحريم كالنار في الهشيم تلتهم أي نزوع نحو إعمال العقل حتى لو كان في حده الأدني، أنظروا ها هم أصحابها يشهرون السيوف في وجوه الملاعين الملاحدة من يمسون ــوهذا على سبيل المثال لا الحصر ــ البخاري أو صحيح مسلم، لا أحد يقترب من قدس الأقداس إلا إذا كان بغرض التمجيد والتبجيل، ولا يهم إن كان ما بهما من تناقضات وعيوب وأباطيل، تسيء للشرع الحنيف نفسه.
أما سيول العيب التي راحت تجرم أبسط سلوكيات البشر اليومية، فحدث ولا حرج، «كيف لك أن تفعل هذا الشيء البعيد عن الكتاب والسنة»؟ وتارة أخرى «هذا ليس من قيمنا الدينية الرصينة إياكم والكبائر»! وبطبيعة الحال تتصدر نون النسوة قائمة المحرمات وبالتوازي تتجذر النعرات الذكورية، فالرجل لابد وأن يكون هو السيد، ويالها من مفارقة أن يتباهى رجال من هذا الزمان الرديء بأنهم وكما هو دارج على لسان العامة «مقطعين السمكة وديلها» أي أنهم يرتكبون الفحش في نصف المجتمع الثاني الذي منه ستكون أخواتهم وبناتهم وأمهاتهم.. يا له من عالم مريض!
وهكذا تتواصل الصرخات الداعية للفضيلة ومكارم الأخلاق بلا توقف، تزعق «يبيحون العري ويبغضون الحشمة والوقار»! ورغم معرفتهم بوجود منشآت سياحية وضعت شروطا لارتياد أحواض السباحة، إلا أنهم يخترقونها بما يسمونه البوركيني لا لشيء سوى إحراج القائمين عليها، هل نسيتم يا سادة أنكم في دولة إسلامية ودستورها ينص صراحة على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع.. فكيف تعصون ما أقره الحق تبارك وتعالي؟
ومن الخطأ الفادح تصور أن هؤلاء قلة، حتى وإن كانوا كذلك ــوهذا ليس صحيحاــ لكنهم يتمتعون بحاضنة واسعة لا تقتصر على العوام فحسب، بل لهم مؤيدين في أركان النخب ودور العلم من معاهد وجامعات فضلا عن قلاع أكاديمية ولنا أن نتذكر فتاة الفستان في مدينة طنطا بمحافظة الغربية في مصر، وكم من حوادث مشابهة تتسع ولا تنكمش.
ومن العجب العجاب أن في شعوبنا من لديهم ولع بأداء فريضة العمرة ليس مرة واحدة أو مرتين بل عشرة مرات وأكثر، وحينما تبدي استغراب يأتيك بالتبرير «ما دام ربنا أعطاني المال لماذا أبخل به على زيارة الحبيب المصطفى».
غير أن هذا الإفراط في التقوى، ليس بالضرورة أن تكون له ترجمة على أرض الواقع، فبالتوازي زاد التحرش وبات آفة تنخر في جسده، وغزت الألفاظ المعيبة والمخجلة لغة الكلام، فضلا على الإقبال النهم نحو الفيديوهات الإباحية والرذيلة!
ولماذا لا نعود إلى الوراء إلى نصف قرن مضى؟ وأفلامنا الأبيض والأسود خير شاهد «النساء يرتدين السراويل القصيرة ومع هذا لا تحرش ولا اغتصاب والناس أيضا مؤمنة تؤدي ما عليها من فرائض ولم يكفرها أحد»، إذن العبرة ليست بالمظاهر والغيرة المفتعلة على الدين.
وقبل أن يدركنا الطوفان فقد حان الوقت للتخلص من الثرثرة الجوفاء التي أفرزت كل ما هو مُشين!