إلى متى سنظل في تلك الدائرة الجهنمية، يطاردنا أينما كنا هذا التوحش المسمى بـ«الأصولية السلفية» بوجهيها القبيحين ألا وهما ازدراء التفكير ومن له وجهة نظر مغايرة تتعلق بتفسيره للدين، يتوعده بأبشع صنوف العقاب برشق «السيخ المحمي» المتوهج نارا في صرصور أذنه حينما يواري صاحبها الثرى، حيث عذابات القبر التي لا نهاية لها.
أما الوجه الآخر من عملة الجهل المقيت فهو الذي ينتشي فرحا، يمجد صرخات التكفير ويباركها على غرار ما حدث ببرجي التجارة بنيويورك قبل عقدين.
كان البعض يحدوه آمال عريضة بانقشاع ذلك الكابوس المخيف ولكن هيهات، فلأنه مع الأسف تحتضنه كيانات رسمية بل ومؤسسات تُغذيه من أمهات السلف الذي لم يعد صالحا، فقد صار يتجذر، بيد أنه وجد له مرتعا في صفوف شرائح عريضة من المجتمع يصول فيها ويجول بعقولها الهشة والمهمشة مستغلا ضيق أفقها وقلة حيلتها أمام سطوة الترهيب المُريع من بطش السماء وما ينتظرهم من نار وقودها الناس والحجارة.
وأصبحت السيوشيال ميديا ضالته المنشودة، رغم أنها صلبية المنشأ، وبفضل تمويل عابر للقارات وغسيل أموال وتجارة مخدرات والضرورات تبيح المحظورات راح يوما بعد آخر يتكسب رواد جدد الذين تحولوا إلى ريبورتات ينفذون ولا يناقشون يتصيدون أي هفوة ـــ التي هي خروج عن الخطوط التي رسمها رب السموات والأرض لعباده المؤمنين وفقا لتفسيراتهم المتحجرة ــ يصدرها شخص ما عادي أو غير عادي، ويا حبذا لو كان فنانا أو فنانة وتلك بشكل خاص سيكون لها نصيب الأسد من اللعنات والمطالبات بحرقها كالساحرات. وعلي الفور تُنصب محاكم التفتيش ويصدر الحكم برجم الجميع أحياء. وقبل الموت الجسدي هناك المعنوي وسيول من الشتام والبذاءات. المذهل والكارثي في آن واحد، أنه بات له صدى ومريديين في صفوف نخب مثقفة ومشتغلون بالفن السابع أو الدراما عموما و كذا واضعوا الألحان والأنغام في الظاهر متحضر ولكن بداخله داعشي صغير.
المرعب أيضا هو هذا التيار التشاؤمي الذي يتنامى ويتضخم ويتمدد بحيث راح يصيب الملايين من الناطقين بلغة الضاد باليأس والإحباط ولديهم كل الحق في مخاوفهم وهواجسهم وها هم يصرخون ويطلقون نداءات الاستغاثة للنجاة يتساءلون هل بالفعل أنه لا فكاك من تلك الآفة ــالتي سيمت زورا وبهتانا بالظاهرة الإحيائية مطلع سبيعينات القرن الفائتــ خاصة وأن عمرها تجاوز الخمسين عاما وليس هناك في الأفق ما يشير إلى انحسارها بل العكس هو الصحيح فهي على إصرارها في المضي قدما إلى أن يصبح الوطن العربي من المحيط للخليج على النمط الطالباني.
ويالها من مفارقة.. فهل هي مصادفة أن يتزامن ميلادها المشئوم مع بدء إرهاصات نذير الموت الهابط من الفضاء تزفه للبشرية الانبعاثات الكربونية، كذلك ما تطفحه وتلفظه أمواج البحر من نفوق كائناته صريعة ذرات البلاستيك التي لن تمحي أبد الدهر ، وفي الوقت الذي تتضافر فيه جهود العالم لمواجهة تغير المناخ تواصل السلفية المعادية للعلم والعلماء والمعرفة بطشها وتسيدها ويعزز سوادها الأسطوري دفعها لمجتمعاتها دفعا إلى ما هو أسوأ من القرون الوسطي وما يدعو للأسي هو حسرة التواقين لحياة مدنية فيها مال الله لله ومال قيصر لقيصر عندما يعقدون مقارنة بين ما هم عليه الآن من اضمحلال وترهل وما كان عليه أسلافهم في ثلاثينيات وأربعينات القرن المنصرم.
ولم يكن لنا أن ننتظر اغتيال الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة حتى نتفاجأ بهذا السيجال الرخيص حول استتشهادها كونها مسيحية، لسبب بسيط هو أنه موجود لم يبرحنا قط فمن ليس على دين الإسلام لا يحق أن يطلق عليه شهيد، ياله من عار فالمرء لا يجد تفصيلة من تفاصيل حياتنا إلا وصنعها في المجمل هؤلاء الصلبيين.
ولعل كاتب تلك السطور يتذكر قول أحد الشيوخ الذين صاروا بمثابة قدس الأقداس لا يجوز الاقتراب منهم، وهو يصب جم غضبه علي النصارى، وهنا طرح عليه أحد مريديه «ولكن يا مولانا كيف تتداوى على أيديهم؟» فجاء رده «إنهم مُسخرون لي» ولما فالشيطان الأكبر ومعه إسرائيل هما أيضا مُسخران لعلاج مُفجر الثورة الإسلامية في إيران الراحل الإمام الخميني.
منذ زمنا ليس ببعيد ومن فوق المنابر خاطبو معشر المسلمين صارخين فيهم «عندما ابتعدتم عن كتاب الله وسنة نبيه توالت عليكم النكبات» ولكن ماذا عن أفغانستان التي كانت لؤلوة منطقتها في الخمسينيات والسيتيات وكيف أنطفأ نورها وخبت وهجها بعد أن أصبحت أسيرة الراية الطالبانية.
ونعود إلى السؤال المركزي هل ستُكتب لنا النجاة من الأصولية السلفية؟