قبل 20 عاما من الآن، كانت مراسلتنا أمل سرور في رحلة إلى أفغانستان تستكشف خبايا تلك البلاد، حيث أسامة بن لادن أخطر رجل على وجه الأرض في ذلك الوقت مع مجموعة من أعضاء تنظيم القاعدة وحركة طالبان.
وقبل أن تقرأ، تذكر أن تلك الحكاية الحقيقية، حدثت قبل تفجيرات 11 سبتمبر بأربعة أشهر.
الزميلة أمل سرور تطلعنا على الزيارة وتفاصيلها:
أسامة بن لادن
منذ اللحظة الأولى التي قررت فيها السفر إلى أفغانستان وحلم الجلوس مع تلك الشخصية يداعبنی بل يحاصرني، أكذب لو قلت إنها المرة الأولى التي فكرت فيها في هذا الأمر، أو قلت لنفسي بما أنني حصلت على موافقة السفر إلى أفغانستان إذن على محاولة لقاء أسامة بن لادن.
وهذا ليس صحيحا بالمرة لقد حاصرني هذا الرجل الذي يعيش حياة الأساطير منذ سنوات طويلة، أهتم بكل تفصيلة من تفاصيل حياته التي قد تنشر عبر قصاصة من الورق، أو أحتفظ بصورة من صوره القليلة التي قد تنشر في إحدى المجلات الأجنبية أو الجرائد العربية وكان بالتأكيد أحد الأسباب المباشرة التي جعلتني أفكر أساسا في خوض مغامرة الدخول إلى أفغانستان، وكان حلما مني أن أقابله وأجلس معه وسط الجبال، تحاصرنا عيونه التي تحمل أسلحة من كل نوع ولون، والحق لم يكن حلما لتحقيق شهرة أو نجومية أو خبطة صحفية لا مثيل لها بقدر ما كان فضولا ورغبة جارفة في الاقتراب من تلك التركيبة التي تركت كل ما لذ وطاب من الحياة واختارت العيش مطاردة مهددة من قبل العالم كله وعلى رأسه القوة العظمي أمريکا.
لذلك كنت طوال الرحلة أتحسس رائحته وأشم أخباره من بعيد إلى أن كانت جلستنا مع وزير الخارجية وكيل أحمد متوكل الذى يعد صديق أسامة بن لادن الصدوق وجاء طلبي مباشرًا دون أي "لف أو دوران":
أريد مقابلة الشيخ أسامة بن لادن؟
ابتسم الرجل وأجابني:
لو كنت في أفغانستان منذ 3 شهور كنت استطعت مقابلته لكننا الآن قد سحبنا منه حق الأحاديث مع أى إعلام عربي أو أجنبی.
حاولت أن أفهم السبب ولكني استنتجت أنهم قد فعلوا هذا الأمر رغبة منهم في تهدئة الجو مع دول العالم، ويبدو أن "الشيخ أسامة" عندما ينوى الكلام يتحول على لسانه إلى قذائف صاروخية، وهم الآن، وأقصد رجال حركة "طالبان" وقتها - ليسوا على استعداد لمواجهة هجوم وانتقاد خصوصا بعد تذمر العالم على إثر تدمير تماثيل بوذا.
أسامة بن لادن
وهذا يعنى أن حلم مقابلة هذا الرجل يعد من المستحيلات، فما كان مني إلا أن فتحت حقيبة يدي وأخرجت مجموعة من الأوراق كنت قد سهرت الليلة السابقة في إعدادها وقدمتها لوزير الخارجية الذي تساءل بعينيه عما تحويه، فقلت: "رسالة مكتوبة للشيخ أسامة وتتضمن العديد من الأسئلة".
وفي نهايتها رقم تليفوني والفاكس، أعتقد أنه أضعف الإيمان أن تصل إليه رسالة من صحفية مصرية عربية، قد يكون أمرا ليس مستحيلًا وليس صعبًا.
أعدك بأن تصل إليه رسالتك في أقرب وقت ممكن، رد وزير الخارجية "وكيل متوكل" أثلج صدری وأحسست معه بنوع لا بأس به من التفاؤل.
إذن علىَّ طوال إقامتي في أفغانستان أن أتحسس أخباره من بعيد انتظارًا لأمل مجهول يتمثل في أی نوع من أنواع الرد على رسالتي.
أسامة بن لادن
لاشك أن ابن لادن، اختلفنا معه أو اتفقنا، لقبناه بالإرهابي أو المجاهد شخصية جديرة بالتأمل، وحتمًا تلفت النظر وتستدعى الوقوف عندها طويلا وإذا حاولنا أن نستعرض محطات حياته أعتقد أنك ستتفق معى.
أسامة بن محمد بن لادن ولد عام 1907 في مدينة الرياض، والده كان مقاولاً صغيرًا، وكان أسامة واحدًا من الأبناء الخمسين الذين أنجبهم والده من عدد لا بأس به من الزوجات.
اغتني الوالد وأصبح ذا ثروة ثقيلة مع طفرة الإنشاءات في السعودية وسرعان ما امتدت صِلاته الوثيقة إلى العديد من الشخصيات المهمة بالمملكة إلى أن حقق مكانة متميزة، خصوصا عندما أسند إليه القيام بتنفيذ التوسعات الهائلة في المسجد الحرام بمكة المكرمة ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة.
وفي ذلك الوقت التحق أسامة بالمدرسة القانونية في جدة ثم درس بعدها الإدارة والاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز في جدة وأشرف على إمبراطورية الوالد التي تتوسع كالإخطبوط يوما بعد یوم.
أسامة بن لادن
وهنا ننتقل لمحطة أخرى مفصلية في حياة الشيخ أسامة وقد لا يعرف الكثيرون أن بن لادن كان يتردد لفترات طويلة في حياته على بيروت لقضاء أيام مرحة بعيدة عن التقاليد الصارمة في المملكة، بل كان من رواد البارات وكازينوهات القمار.
وكان للحرب الأهلية في لبنان عام 1970 دور كبير في عدم تردد أسامة على بيروت واقتنع تماما بما يتردد على لسان الإسلاميين وقتها بأن الحرب وكوارثها بمثابة عقاب أنزله الله سبحانه وتعالى بلبنان وأهله بسبب "الآثام المدمرة" التي جروا إليها شباب المسلمين.
وفي يناير عام 1980 استقل أسامة بن لادن الطائرة راحلًا تاركا ماضيه الليلي متوجها إلى باكستان بعد قيام القوات السوفيتية بغزو أفغانستان، وجاءت زيارته تلبية لنداء دولي لمساعدة الشعب الأفغاني وتلك هي المحطة التي قلبت حياته رأسا على عقب وبدا وكأنه بطل العالم الإسلامي المنتظر وقد أدارت أمريكا ظهرها إزاء التصرفات التي يقوم بها بن لادن لعدم إدراكها الكامل أن هذا الوهج الثورى المتأجج الذى فجره سوف يوجه يوما ما نحو واشنطن وهنا أسمح لنفسي بالتفكير بصوت عال وعلى الورق.
تركت أمريكا أسامة بن لادن يفعل ما يشاء ويمول من أية جهة بل إنها كانت تقدم له يد العون والمساعدة، وإذا كانت «حركة طالبان» التي تحكم أفغانستان مهددة من قبل أمريكا فإن طالبان وأسامة بن لادن من صنع الولايات المتحدة التي استخدمتهما لضرب الغزو السوفيتي لأفغانستان.
أسامة بن لادن
والموقف انقلب تماما بعد أن حققت أمريكا غرضها وطردت القوات الروسية بمساعدة أسامة بن لادن والمجاهدين الأفغان الذين أصبحوا من زعماء حركة "طالبان"، وتحولت أمريكا من المؤيد إلى المعارض ومن الممول إلى المحاصر، وأصبح أسامة بن لادن على رأس قائمة الإرهابيين المطلوبين بل ورصدت واشنطن مكافأة تبلغ 5 ملايين دولار لمن يدل على مكانه.
لا أعرف لماذا أثارت "دوخة" أمريكا على بن لادن لاحقاً حيرتي وضحكی بل وسخريتي في أحيان كثيرة فهل صحيح أن أمريكا بكامل أجهزة مخابراتها التي تستطيع أن تعرف تفاصيل الملابس الداخلية لأى شخصية، هل صحيح أن هذا الجبروت لا يستطيع تحديد مكان أسامة بن لادن، في أفغانستان؟ هل فشلت حقا المخابرات الأمريكية في القبض على «بن لادن» أم أن مصالحها لم تنته بعد؟
كثيرًا ما دخلت في مناقشات مع العديد من الناس حول ظاهرة «أسامة بن لادن وكثيرًا ما يأتيني الرد مباشرًا : «أمريكا لو عاوزة تقبض على أسامة بن لادن هتقبض عليه»، كله تمثيليات في تمثيليات.. والمسألة مسألة مصالح مش أكثر؟
"غريب" هذا الرجل، يعيش، كما يقولون في آخر بلاد المسلمين ويدير أكبر العمليات الإرهابية في العالم، ولديه علاقات وطيدة مع الإسلاميين الأصوليين البارزين مثل الشيخ عمر عبد الرحمن والشيخ عبد الله عزام، الذي لقي مصرعه في باکستان.
يجلس مختبئا خلف صخور الجبال ويحرك يديه التي تمتد كالإخطبوط في كل مكان، ومن ضمن الأعمال التى اتهم بها الشيخ أسامة، تفجير أبراج الخبر بمدية الظهران بالسعودية عام 1997، وتفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، والهجوم على الجنود الأمريكيين في اليمن والصومال خلال مشاركتهم في قوات حفظ السلام الدولية عام 1993.
أسامة بن لادن
مع بعض المثابرة التقيت برجل لن أفصح عن اسمه، ورغم مرور سنوات إلا أنني لازلت أحترم رغبته فهو حي يرزق وعلى قيد الحياة، ذلك الرجل كان قد رأى أسامة بن لادن وجلس معه ثلاثة أيام والأهم لديه جهاز تليفزيون و"ستاليت"، بلا فيديو طبعًا في السر.
تحدث معى قليلا عن تركيبة بن لادن وبعض صفاته الشخصية، مبدئيا أسامة بن لادن يدخل القلب منذ أول لحظة تقع عيناك عليه - هكذا بدأ المجهول حديثه قائلًا: كان من المفترض أن أجلس معه ثلاث ساعات وجدت نفسی أخرج من عنده بعد 3 أيام لم أشعر بأى ملل أو زهق، الشيخ أسامة لديه القدرة على الحديث والكلام لأيام متواصلة دون أى تعب بالإضافة إلى أنه في منتهى الكرم ولديه استعداد لتقديم أى مساعدة لأي أحد يطلب منه أی شيء يخطر ببالك.
غير صحيح على الإطلاق الرجل عاني فعلا من التهاب شديد في الكلى نتيجة جلساته التي تطول بالأيام ولأنه دائمًا ما يؤجل ذهابه للمرحاض فترة طويلة فحدث له شبه احتباس في البول، نتيجة لالتهاب في الكلى، وأيضا كان يعاني من مشاكل في الكبد ولكن أطباءه المتخصصين استطاعوا أن يخففوا آلامه.
هل صحيح أن هناك علاقة مصاهرة قد تمت بينه وبين «الملا عمر» أمير المؤمنين في إمارة أفغانستان؟
لقد سألته في هذا الأمر حيث كانت هناك شائعات كثيرة تقول إن الشيخ أسامة قد زوج ابنته الكبرى إلى الملا عمر، أمير الإمارة الأفغانية، وعندما واجهته بهذا الأمر قال: لم يحدث على الإطلاق، تلك شائعة، ومن المستحيل أن أوافق على هذه الزيجة لأنهم ببساطة سيقولون إن أسامة بن لادن قد باع ابنته لأمير المؤمنين في مقابل حمایته ولجوئه إلى أفغانستان.
فاجأنی الرجل عندما قال لی إنه سیجعلنی أری أسامة بن لادن أمام عينی، هب واقفًا ثم غاب لمدة ٣ دقائق عشت فيها على حلم أنه سيدخل ویده في يد الشيخ أسامة، إلا أنه قد دخل وفي يديه شريط فيديو أدرجه في الجهاز فإذا بأسامة بن لادن يتوسط الشاشة وسط مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم ما بين 10 و9 سنوات.
أسامة بن لادن
"قال الرجل: "هذا الشريط قد صورته له منذ شهر واحد"، لم أسمع كلام هذا المجهول ولا أعرف ماذا كان يقول، وكان تركيزي كله في ملامح أسامة بن لادن التي ظهر عليها الإعياء الشديد، فقد الرجل كثيرا من وزنه ويغلب على ذقنه اللون الأبيض، والسواد تحت عينيه حفائر، صوته هادي جدًا، ويتكلم بالطبع اللغة العربية الفصحي بطلاقة شديدة، أخذ يتكلم ويشرح للأطفال مسار القضية الفلسطينية منذ وعد بلفور وحتي الآن، كم البساطة والتلقائية جعل كل طفل مشدودًا لكل كلمة يقولها رغم أنني لم أسمعه يوماً يتكلم ولم أعرف "نبرة" صوته فإنني أحسست بان الرجل أصبح مهدوداً.
وهذا طبيعي رحلة حافلة بالهروب وسط جبال وجو قاس وعيشة بسيطة متقشفة، وسهر ليل نهار وأعتقد أنه ينام نوم القط "نصف تغميضة"، طبيعي جدًا أن تخور قواه.
قطع تأملى صوت المجهول مشيرًا بإصبعه إلى طفلين جالسين بجانب الشيخ أسامة: هذا حمزة وهذا بن لادن، آخر عنقود أسامة من بين 13 طفلا، انتهى الشريط بسرعة وأغلقنا الجهاز وغادرنا المكان، فقد كان الوقت اقترب من موعد حظر التجوال وعلينا الذهاب سريعا إلى الفندق.
في الصباح الباكر فوجئت باستدعاء خاص من وزارة الخارجية لمقابلة الوزير وكيل أحمد متوكل، کاد قلبی أن ينخلع فقد کان لدی إحساس ما بأن هذا الاستدعاء يخص أسامة بن لادن، إذ ما الذي يدفع وزير الخارجية إلى لقائنا مرة ثانية بعد أن انتهينا من لقائه وعمل حوار معه.
"معقولة" هيبلغني بموافقة أسامة بن لادن على المقابلة وتحديد الموعد، أم أنه سيصحبنى مباشرة إلى هناك، الأحلام كثيرة والأفكار تكاد أن تلتهمني طوال الطريق إلى مكتب السيد وكيل متوكل.
المقابلة لم تستمر سوى عشر دقائق تحدث فيها الوزير قائلًا: "لقد وصلت رسالتك إلى الشيخ أسامة بن لادن وقد تعجب كثيرًا عندما عرف أن صحفية عربية قد حضرت إلى أفغانستان فی ظل کل ما تنشره وسائل الإعلام الغربية من افتراءات حول القتل والخطف والاغتصاب، ويعدك بأنه إذا أعطاه مسئولو حركة طالبان حق الحديث مع الصحافة ستكونين أول صحفية يجری معها جلسة مطولة خاصة وأن أسئلتك تحتاج إلى أيام كثيرة وليس لساعات للإجابة عليها".
وفي النهاية أبلغني أن يحملك رسالة تنقل حبه وتقديره لشعب مصر والشعوب العربية كاملة.
لقد كتبت له في الرسالة أرقام تليفوناتك ثم إن الشيخ أسامة له الطرق الخاصة للاتصال بالذين يریدهم.
انتهت المقابلة وتجدد الحلم مرة أخرى، وإن كان لم يعد حلما بل نصف حلم، مازلت أنظر في شاشة تليفوني المحمول يوميا بشغف، ومازلت أنتظر رنينه، أعيش في حالة من حالات انتظار مقابلة هذا الرجل فهل يرن الهاتف يومًا؟ أم أظنه حلمًا من أحلامي المستحيلة؟
بات كل ما حولي مستحيلاً فلقد أتت الرياح بما لا تشتهي سفني، أنهار الحلم بلقاء الرجل ما إن استقبلت خبر هجمات 11 سبتمبر التي وقعت في أمريكا، لم انتظر كثيراً من أجل سماع ما توقعته والخاص باتهام أمريكا لتنظيم القاعدة الذي يرأسه أسامة بن لادن بالمسؤولية عن التفجير، وفي لمح البصر كانت الطائرات الأمريكية تقصف بل تدك العاصمة الأفغانية كابول بهدف القضاء على الإرهاب والقبض على بن لادن وإسقاط حركة طالبان.
انتهي الحلم ولن يرن هاتفي حاملاً لي موعداً مع الرجل، ولكن عليّ نيل إذن بتكرار المغامرة التي أصبحت معروفة لي تماماً، لقد نجحت في فك طلاسم "طالبان" في رحلتي الأولى، وقد كان وارتحلت مع زميلي المصور محمد مسعد مرة أخرى إلى بلاد الدبابات والمخدرات، ولكن هذه المرة لتغطية معركة العدالة المطلقة لأمريكا على أرض "أفغانستان".