نقف على أطلاله ونتأمل بقاياه المتناثرة أشلاءً، ونسمع صوته مستغيثا من الفضاء البعيد، ومن أجله وقف العالم على قدم وساق في محاولة للحاق به ولكن لا جدوى ولا فائدة، ونالت منه الأيادي ودمرته العمائم، فراح جثة هامدة.
«بوذا» أو «الرجل المستنير» الذي فجرته أصابع الديناميت، إليه ذهبنا في مدينة «الأصنام» هكذا يطلقون عليها، ذهبنا إلى باميان الأفغانية.
رحلة :أمل سرور - تصوير: محمد مسعد
توقعاتنا الخاصة بصعوبة الحصول على موافقة وزارة الخارجية وسماحهم لنا بالسفر إلي مدينة باميان لم تأت في محلها، بل على العكس، لقد كانت زيارة تماثيل «بوذا» التي دمرتها حركة طالبان، من أحد أهم مقترحات المسئولين التي تضمنها برنامج عملنا في أفغانستان، بل أني أحسست أن هناك نوعاً من الإصرار والرغبة الجارفة لديهم في القيام بتلك الزيارة.
إصرار دفعني لسؤال المتحدث الرسمي الناطق باسم وزارة الإعلام والخارجية: هل تعرف أني توقعت أن ينال طلبي بالسفر إلى مدينة باميان رفضا محققا من قبلكم، خاصة بعد أن اهتز العالم بأجمعه واعتبر تدميركم لتماثيل بوذا جريمة في حق التاريخ والإنسانية؟
رد الرجل واثقاً: لا يهمنا العالم، وليس لدينا ما نخفيه أو نخجل منه، بالعكس نحن فعلنا فعلة نفخر ونتفاخر بها، ولأنك أول صحفية عربية تقطع هذا المشوار وتدخل إمارة أفغاستان الإسلامية، لتنقل وجهة نظرنا إلى المسلمين العرب، فنحن حريصون لهذا السبب على زيارتك لمدينة باميان لكي تنقلي للعالم رسالتنا وتقولي لهم: «لقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا».
لم أناقش الرجل في منطقه، ولم يكن مطلوباً منی أن أدخل معه أو مع رجال طالبان، مناظرة أو مجادلة سوفسطائية لا داعى ولا نهاية لها.
التزمت الصمت تماما بل حاولت أن أرسم على ملامح وجهي الرضا والارتياح عما يقوله، فقد كان همي الأوحد هو السفر والذهاب والوقوف على أطلال تماثيل بوذا.
المسافة من مدينة «كابول» العاصمة الأفغانية إلى باميان، مدينة التماثيل «الأصنام» ٤٨ ساعة بالسيارة، والحقيقة أن المشكلة لم تكن في المسافة أو طول الطريق، فقد كنا على استعداد تام لخوض هذه الرحلة لولا تحذيرات المسؤولين بوزارة الخارجية التي تلخصت في أن الطريق في منتهى الخطورة، فبعيداً عن أنها طرق جبلية وعرة ليست ممهدة أو مرصوفة، تشبه تماماً الطرق التي تربط بين مدينة جلال أباد وكابول بعيداً عن كل هذا فالطريق إلى "باميان" محفوف بمخاطر أنصار أحمد شاه مسعود، فقد تتعرض سيارتنا للتفجير أو الاختطاف.
إذن ما الحل كيف نسافر؟ سؤال وجهناه لکثیرین، فكانت الإجابة حاسمة قاطعة واحدة: لا حل سوى أن تستأجروا طائرة، فالطيران الداخلي مسموح به، وفي نصف ساعة لا أكثر ستجدون أنفسكم في قلب مدينة باميان.
وكم ندفع لكي نستأجر الطائرة؟
جاءت الإجابة هادئة على لسان المسؤولين في وزارة الخارجية: 2500 دولار للفرد الواحد.
يا لها من فجيعة، فالمبلغ ثقيل وليس بمقدرونا أن ندفع كل هذه الدولارات، فهل نغلق الستار معلنين النهاية، هل ستقف النقود حائلا بيننا وبين حلم السفر إلى أنقاض تماثيل بوذا؟
ليلة كاملة حاولنا فيها أن ندبر الأمر، وقضينا ما يقرب من 3 ساعات مع مسؤولي حركة طالبان، في مفاوضات لتخفيض هذا المبلغ، إلى أن أرسله لنا سبحانه وتعالى الذي لم يتخل عنا طوال رحلتنا.
الصحفي الياباني الذي اقتحم جلستنا مع مدير مكتب وزير الإعلام، وأعلن رغبته السفر إلى بامیان، وتصوير تماثيل بوذا.
تلاقت رغباتنا فقررنا أن نقوم بالرحلة سويا في صباح اليوم التالي.
لم أنشغل بالاتفاقات والمفاوضات التي كان يجريها زميلي المصور مع الصحفي الياباني والخاصة بموعد السفر والدولارات التي سندفعها.
كانت أذني تستمع جيدا لتعليقات مجموعة رجال طالبان، الجالسين معنا في الغرفة، وكانت عيناي تتأملان ملامح وجوهم الكارهة للصحفي الياباني الذي يؤمن بعقيدته البوذية، ولأن الرجل لا يفهم اللغة العربية فلم يدرك أنه كان مثارا للسخرية والضحك، لم يعلم أنه قد أصبح كما يقولون في مصر مثل «الأطرش في الزفة».
ولأني أتذكر جيدا تلك التعليقات الطالبانية، التي شعرت بانهم يتحدثون بالعربية وكأنهم يريدون لي أن أفهمها جيداً، فسوف أنقلها على الورق لعلها تقرب المسافات بين عقلك كقارئ، وبين ما تحمله تلك العمائم.
عناصر طالبان أمام تمثال بوذا
أحدهم الذي تصل لحيته لنصف الصدر نظر للياباني نظرة دموية لا تخلو من العنف وبقرف، شديد همس للجالس بجانبه قائلا: «كافر وزنديق يريد أن يسافر إلى باميان لبیکي على أصنامه».
رد الآخر: «أتعلم أنه يشبه هذا الذي يطلقون عليه بوذا، من الممكن أن يكون ابنا له أو أخا أو حتى من أولاد أعمامه».
«الكفرة رائحتهم دائما ما تكون كالقبر الغريب، يا أخي إن رائحته كريهة».
«لا يتوضؤون ولا يغتسلون، بالإضافة إلى المنكر، الذي يكوى أمعاءهم».
«تأمل وجهه جيدا ستجد منخاره يشبه حيوان الكنغر تماماً، وفمه مثل الفأر».
اكتفي الأخر بابتسامة ساخرة، ونظرة مستفزة، أحسست أنني جالسة كما يقولون على جمر النار، وحالة من الغليان وفوران الدم، تسربت إلى عروقي، كدت أن أرفع صوتي عاليا، وكدت أن أنفعل، ولا أعرف لماذا رأيت عناكب ذات أذرع متشابكة تشبه تلك التي يحملها الأخطبوط، رأيتها بلا مبالغة تخرج من عمائمهم السوداء التي يرتدونها فوق الرؤوس.
أخرجني زميلي المصور من حالات التأمل والاستفهام التي طالت كثيرا وقال لي المفيد بأننا سندفع 1000 دولار، ونغادر کابول إلى باميان، عبر الطائرة في صباح الغد.
مطار كابول أبعد ما يكون عن كلمة مطار، شيء تقشعر له الأبدان وتدمي له القلوب، تستقبلك وجوه طحنها الفقر والجوع، فانطلقت خالية الوفاض تمد أيديها لبعض السائرين الذين ليسوا بالطبع أحسن حالا.
جانب من الرحلة
تدخل بقدميك إلى أرض المطار، فينتابك -لا محالة- إحساس بانقباض في عضلة القلب، الطائرات وقد كتب علها باللغة العربية و«البشتو»: «الخطوط الجوية الأفغانية» تقف مكتوفة لا حول لها ولا قوة ساكنة بلا حراك.
طائرة صغيرة من طائرات الجيش، ما إن تدخلها بقدميك إلا وتشعر بالبؤس يرتسم على كل ملمح من ملامحها بدءا من الكراسي والشبابيك، حتی قائد الطائرة الأفغاني.
كنت أظن أننا سنكون خمسة أنا والزميل المصور والصحفي الياباني ومرافقونا، فجأة وجدت بلا مبالغة ما يقرب من عشرين رجلا طالبانيا معنا في الطائرة.
وما الطائرة إلا محرك كبير، هذا هو أول انطباع يتسرب إليك ما أن تبدأ في الإقلاع، الصوت يصم الآذان ويجعلك على هاوية الانتحار.
أتذكر أننا كدنا أن نفقد حياتنا جميعا نحن ورجال طالبان، عندما كادت الطائرة أن تسقط بنا أربع مرات على التوالي، لتلقي بنا أشلاء وسط جبال صخرية عتيقة، يا لها من موتة مفجعة ومفاجئة في بلد مثل أفغانستان.
توقعت أن أجد مدينة تشبه كابول العاصمة، فوجدت باميان تشبه تماماً القرى الصغيرة في الريف المصري.
نائية ومنسية يعمل أهلها بالزراعة، واللافت للنظر أن السيدات لا يرتدين «الشادوري» وما أن وقعت أنظارهن علينا سائرين وسط الحقول، محاطين بالطبع برجال طالبان، كن جرين بعيدا أو اختفين بين الأعواد الخضراء المزروعة.
أعتقد أنهن اعتقدن أن هؤلاء هم رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ما يقرب من 10 كيلو مترا سيراً على الأقدام وسط حقول ومزارع وطرق غير ممهدة ومناطق جبلية، رأينا في هذا المشوار الذي تميز بسخونة جو لا مثيل لها تضاريس الدنيا في آن واحد ولا حل سوى السير، لأنه ببساطة لا وجود للسيارات أو المواصلات.
من بعيد ظهرت كتلة جبلية منحوتة، لم أستطع أن أميز من بعيد هل عوامل التعرية التي جعلت من الجبل تلك التحفة الفنية، أم أن هنالك أيدى بشرية قد شكلتها.

موقع تمثال بوذا
«هذا هو مكان الأصنام».. عبارة قالها مولاي محمد حنفي، المرافق الذي كان يتبعنا ليعلن بها قرب وصولنا إلى المكان ودون أي مقدمات، وما إن وصلنا إلى مكان التماثيل، هتف رجال طالبان، الذين يبلغون 20 بالتمام والكمال، في مظاهرة حاشدة: «الله أكبر .. الله أكبر.. لا إله إلا الله، وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا».
لم أسأل نفسي كثيرا، فقط انتابتني حالة من الضحك الهستيري، حاولت أن أخفيه بالإيشارب الذي أحكمته تماما على رأسي، وسرعان ما نسيت الضحك لتتوقف أذني عن السمع قد أكون فقدت حواسي کلها أمام ما رأته عیني.
تحفة فنية نادرة، شيء لا يستطيع القلم وصفه ولكن تخيل أنك بالضبط أمام معبد أبو سمبل الذي بناه رمسيس الثاني في محافظة أسوان.
كان صوت القرآن الكريم عاليا، فسألت زميلي المصور : من أين يأتي هذا الصوت؟
- أجابني: الرجال صحبوا معهم جهاز تسجيل كبيراً في الطائرة، ومنذ اللحظة الأولى التي وصلوا فيها وضعوا شرائط للقرآن الكريم مصحوبة بترجمة للغة «البشتو».
تلفت حولي فإذ بآية «وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا» وقد كتبت على كل أرجاء الجبل، أنقب بعيني على أثر ولو حتى صغير لجسد بوذا قد يكون ملقي على الأرض ولكن لا جدوي، لا مكان إلا لعدد لا يحصي ولا يعد من الأحجار الجبلية الثقيلة.
وسط كل هذا التقطت عيناي دموع الصحفي الياباني التي حاول مرارا أن يخفيها وراء عدساته التي ارتعشت بين یدیه، كان يقف منكسراً منزوياً يحاول التقاط بعض الصور لعلها تهدئ من روعه.
أحد رجال طالبان ومعه الصحفي الياباني
تلفت حولي فوجدت رجال طالبان، وقد انشغلوا في التكبير والتهليل ثم الضحك والسخرية من دموع الياباني التي بدت واضحة، أخذتني قدماي إليه في محاولة للحديث معه ووجدتني أسأله سؤالاً تقليدياً:
صمت كثيرا وحاول أن يمسح دموعة قائلا: نفس الشعور الذي ينتابك عندما
يهدم أحدهم مكانك المقدس، بأي ديانة تؤمنين؟
-الإسلام.
إذن اسمحي لي أن أسالك نفس السؤال: ماذا سيكون شعورك عندما يهدم أحد المسجد الأقصى أو الكعبة؟
لم أجبه، آثرت الصمت، والحق أشفقت عليه وشعرت بمدى أسفه وحزنه على ما حدث.
صحيح أنني لست بوذية وأنتمي إلا إلى الدين الإسلامي، ولكن الإسلام لم يكن يوما ما دين تعنت وتخلف، بل احترم الأديان الأخرى.
وأيا كان مع الديانة البوذية أو حتى أية ديانة أخرى، اختلافنا هذا لا يتعارض أبداً مع احترام مشاعر الآخرين ومعتقداتهم وأماكنهم المقدسة، عملا بالآية الكريمة «لكم دينكم ولي دين».
تركني الرجل فرحت أجر قدمي وأنظر إلى وجوه رجال طالبان، شغلتني كثيرا فكرة الدخول إلى عقولهم لأعرف ما الذي يدور بالضبط، فتماثيل بوذا موجودة منذ 1500 عام في أفغانستان وطالبان لم تأت للحكم إلا منذ سنوات، فلماذا لم تكتشفها قبل ذلك الوقت؟ ولماذا الآن بالذات؟
عناصر طالبان في موقع تمثال بوذا
المضحك أن رجال طالبان ذبحوا 100 رأس ماشية تكفيراً عن تأخرهم في نسف التماثيل كل هذا الوقت.
وتمر الأيام ويمضي عشرون عاماً، في لمح البصر، تسقط طالبان وتحتل أمريكا أفغانستان، ثم يرحل الأمريكان في صفقة محاطة بعلامات الاستفهام وتأتي طالبان مرة أخرى للحكم في 2021.
عناصر طالبان في موقع تمثال بوذا
وتعود الحركة بنفس الوجوه والملامح والذقون تكذب وتتجمل في آن واحد، ولا زالت وستظل تتفاخر بجريمتها الإنسانية في حق التاريخ والحضارة، ليتحول موقع بوذا الأثري كمزار سياحي مقابل خمسة دولارات للفرد «يا سلام على المفهومية ويا سلام على الإنسانية ويا الله على النظرة التنويرية للسياحة».