رضا سُليمان

ذكرياتي مع الملك دبشليم

الملك دبشليم أو الفنان القدير محمود مرسي، هو الأستاذ الذى درس الفلسفة وعمل مدرسًا لها قبل أن يستقيل ويسافر إلى فرنسا ليدرس فن الإخراج ثم ينتقل إلى بريطانيا ليعمل مذيعًا فى إذاعة الـ BBC قبل أن يستقيل اعتراضًا على مشاركتها فى العدوان الثلاثي على مصر.

محمود مرسيمحمود مرسي

هو الأستاذ الذى عاد ليعمل مخرجًا بالإذاعة المصرية وبالتحديد فى "إذاعة البرنامج الثقافي" حيث أخرج العديد من السهرات والمسرحيات الإذاعية قبل أن يترك الإخراج ليعمل مذيعًا بالتلفزيون ثم يحترف "التمثيل" وأعتقد أنه الفن الوحيد الذى خُلِقَ له هذا "العملاق" فقد وجد فيه متنفسًا لكل طاقاته الإبداعية ولن أتحدث عن مسيرته فى السينما أو التليفزيون إنما أخصص هذه المساحة لإبداعه الإذاعي الذى عاصرتُ الجزء الأخير منه. فقدم الكثير من و إلى الدراما الإذاعية نذكر منها فى عجالة تمثيلية "رحلة قطار" ومن المسلسلات "زعبوط الخديوى. العملاق فى بلاد الأقزام. رجل من كوكبنا. الإمام أبو حامد الغزالي. الضيف الغريب. وكان سرابًا. قمر على بوابة المتولى. لا تلوموا الخريف. قاهر الظلام. قاتل يبحث عن نفسه. عصافير الجبل. أوراق خاصة لطالبة جامعية. شعاع الحرية. وتمضى الأيام. المال والحب والشيطان. صباح الخير يا جارى. سارة. أنا وأنت وسنوات العمر. رعد السماء. أحببت فيك عذابى. جايزة لأهالى الحى الكرام. عمر بن عبدالعزيز. عشاق لا يعرفون الحب. رحلة فى الزمن القديم. أحب أن أتحدث إليك. كليلة ودمنة.

محمود مرسيمحمود مرسي

فارسة الأدب العربى" وما عايشته فى معية الفنان الكبير بدأ فى عام 2002 وفى مرحلة التجهيز لمسلسلى الإذاعى "كليلة ودمنة" وهو الكتاب الشهير الذى أعده للإذاعة الكاتب عبدالمنعم خلف الله وقفتُ أمام شخصية الملك "دبشليم" فى حيرة فمَن يمتلك القدرات الفنية العظيمة لتقديم هذه الشخصية المركبة المعقدة فى ذاتها فهو ملك صارم للغاية شغوف بالمعرفة ينصت لحكايا الفيلسوف "بيدبا" الذى يحكى فى إسقاط ماكر رهيب حكايا حيوانات الغابة؟، ومما زاد من حيرتى أن يكون صوت هذا الفنان فى حالة انسجام فنى مع أصوات ومؤثرات الحكايات داخل الغابة، وكان الأستاذ محمود مرسى الذى رحب ضاحكًا حينما عرضتُ عليه "الدور" ولم يناقش فى أجر ولا أى تفاصيل خاصة بالعمل فقد قال "دور حلو يا رضا .. معاك" وبدأنا البروفات والتسجيل وانطلق الأستاذ يُبدع فى تجسيد شخصية الملك "دبشليم" وهذا طبيعي من فنان بحجم الأستاذ وهو فى قمة مجده، لكن هنا مهم جدًا أن أذكر أن مسلسل "كليلة ودمنة" كان هو أول مسلسل طويل أقوم بإخراجه فى الإذاعة المصرية فقد أخرجت سهرات وبرامج درامية من قبل لكن هذا أول مسلسل لى وأنا فى بداية الطريق ويكون البطل أمامي بحجم هذا العملاق..!!

وكانت المفاجأة مع بداية العمل فقد وجدتُ الأستاذ العملاق متجهم الوجه صاحب الأدوار الرهيبة فى السينما والتلفزيون أمامي لين طيع سهل التعامل معه كطفل بريء لا يحدثنى أمام فريق العمل بغير "حاضر يا أستاذ " يتلقى الملحوظات فى يسر ويؤدى فى بساطة ويقف يستمع ويشاهد الزملاء وهم يقومون بأدوار الحيوانات فى الغابة ويضحك من قلبه على الأداء الفنى والمعنى الفلسفى خلف دراما "كليلة ودمنة" ويعلق "شطار يا ولاد".

كان حريصًا على الحضور فى الموعد بالتمام ويجلس ليقرأ فى البروفة وسط "الكاست" كله فى هدوء شديد وأذكر ذات يوم أن هناك مَن يخبرنى بأن الفنان الكبير محمود مرسى يجلس فى صالة الانتظار باستديوهات الرابع فى الإذاعة ويسأل عنى، ذهبتُ مسرعًا للأستاذ وأنا قلق وصافحتُه فى هدوء وترقب وجلستُ أنتظر فإذا به يلحظ على وجهى القلق فيسألنى "فين الناس؟!" وأجبته "أى ناس؟!" فقال فى تردد "الكاست .. إنت لغيت التسجيل النهارده؟!" أخبرته وقد فهمتُ أن هناك خطأ ما بأن التسجيل غدًا الأربعاء أما اليوم فهو الثلاثاء فيشهق الأستاذ ويملأ المكان بضحكته الرائعة وهو يعتذر ويخبرنى بأنه يتعامل على أن اليوم هو الأربعاء ثم وقف ليرحل على موعد فى اللقاء فى الغد وبالطبع لم أسمع منه أثناء أيام التسجيل ولو لمرة واحدة أن "سجل لى مسامعى أو أنا مستعجل وأرغب فى الرحيل مبكرًا" أو غيرها من الأمور التى قد تربك العمل الفنى فهو لديه جدول يرتبط به ويتعامل معه بمنتهى الدقة. وينتهى العمل ويذاع ويحقق النجاح المنتظر.

وتمر الأيام ونقوم فى عام 2004 بالتجهيز لمسلسل "فارسة الأدب العربى" عن الأديبة سهير القلماوى ومعنا شخصية عميد الأدب العربى طه حسين و بالطبع شخصية البطولة دكتورة سهير القلماوى، وأرشح الفنان الكبير محمود مرسى لدور طه حسين وسيدة المسرح العربى سميحة أيوب فى دور سهير القلماوى وإذا بالقيادات الإذاعية متخوفة من اللقاء بين العملاقين نظرًا لما هو مشاع عن خلافات زوجية قديمة انتهت بالطلاق وأننى ألعب بالنار إذا جمعتهما معا فى عمل واحد ولكنى أعرف مع مَن أتعامل فاتصلتُ تليفونيًا بالفنانة الكبيرة سميحة أيوب واتفقتُ معها وبين السطور أخبرتها عن فريق العمل وبالطبع ذكرتُ الفنان محمود مرسى فلم تعترض ثم اتصلتُ تليفونيًا بالعملاق ورحب بى بشدة فقد أوحشته كثيرًا وفريق كليلة ودمنه كله وضحكنا ثم أخبرته عن تفاصيل العمل الجديد وذكرت له فريق العمل وبينهم الفنانة سميحة أيوب فوافق مرحبًا وقبيل اليوم الأول للتسجيل كتبت الصحافة عن لقاء السحاب ولقاء العمالقة فى الإذاعة وعودة بعد قطيعة سنوات وغيرها من العناوين الكبيرة مما جعلنى أرتبك وأنا أنتظر لحظة اللقاء الأولى وكانت فى صالة بروفات الدور الرابع فى الإذاعة وكنا نلتف حول "ترابيزة البروفات".

ولم يصل الأستاذ بعد بينما تقرأ الفنانة سميحة أيوب فى الورق بين يديها حتى يكتمل الكاست ونبدأ البروفة ثم وصل الأستاذ وهو بطبعه ينظر أمامه ولا يتأمل فألقى التحية ثم توجه ليجلس فى هدوء فإذا بالفنانة القديرة تبادره "إزيك يا حوده" ويفاجئ هو بها ويبتسم فى سعادة وعمق ويجيب بأداء درامي خفيف يناسب تحيتها "ازيك يا سميحه .. عامله أيه" ويتدفق بينهما الحديث أما أنا فأتنفس الصعداء. وينتهى العمل كاملًا فى هدوء وتعامل الكبار ويتم تحديد موعد لتكريم فريق العمل فى نادى الزمالك فى يوم 13 إبريل من عام 2004 ويعتذر الأستاذ لأنه كان مشغولًا فى تصوير مسلسل "وهج الصيف" وفى اليوم الحادى عشر لهذا التكريم وبالتحديد يوم 24 إبريل من عام 2004 يُعلن خبر وفاة العملاق محمود مرسى بعد رحلة طويلة من العطاء الفني والإبداعي. 

محمود مرسي وسميحة ايوبمحمود مرسي وسميحة ايوب