يعد مفهوم الخطأ مفهوماً ممتداً من حقل التربية والتعليم إلى حقول الطب والقضاء وغيرهما، ويختلف النظر إلى الخطأ باختلاف حجمه، وإرادة مرتكبه، وظروف حدوثه، بحيث يتم في نطاق العقود وبعض المعاملات العفو عن الخطأ اليسير لأنه غير مؤثر، بينما تتم المؤاخذة على الخطأ الجسيم وترتيب ما يناسبه من عقوبة تبعا لما ترتب عنه من فوات نفس أو حق، أو ضياع مال.. أما في حقل التربية والتعليم، فإن الخطأ يعد شرطاً للتعلم، ومن تدارك الأخطاء يتعلم الناس كما يقال.
للإجابة عن هذا السؤال، أقترح أن نتأمل بشيء من التبصر قول عبدالفتاح كيليطو في كتابه "في جو من الندم الفكري":
"حين كنا تلاميذ كان معلمونا ينصحوننا، بخصوص تمرين الإنشاء، أن نراجع ما كتبنا بهدف استدراك ما قد يكون فيه من أخطاء لغوية، قبل أن نسلمه لهم للتصحيح. كنا نعتبر الخطأ شيئاً عرضياً، مرده إلى الإهمال ويكفي قدر من التركيز لتلافيه. مراجعة سريعة وتنتهي مهمتنا، هكذا كنا نرى الأمر. أما اليوم فإنني أعيد النظر فما كتبت عشرات المرات، ولا أتوقف إلا وفي ذهني أنني إن أعدت القراءة سأكتشف هفوات جديدة. خلافاً لما كنت أعتقد في صغري، اتضح لي أن الخطأ ليس شيئاً يحدث أو لا يحدث، إنه على العكس المكون الأساس للكتابة، معدنها وطبعها. أن تكتب معناه أن تخطئ. تساءل رولان بارت عن السكرتيرة المثالية التي لا ترتكب أخطاء حين تقوم برقن نص من النصوص، وأجاب: ليس لها لاوعي".
يتلخص من هذا النص أن الخطأ ملازم للطبيعة الإنسانية، وقد يكون من آليات تفسيره اللاشعور أو اللاوعي كما ألمح إلى ذلك رولان بارث في مثال السكرتيرة المثالية. لكن، الإقرار بإمكانية حدوث الخطأ، لا ينهي مشكلة التعامل معه من قبل المعلم الذي يفترض فيه مساعدة المتعلم على تجاوز الخطأ على المستويين النفسي ثم المادي، ذلك، أن ارتكاب الخطأ قد يعرض المتعلم إلى النقد، بل للسخرية أحيانا من قبل زملائه، وقد يحمله ذلك على العناد وعدم الاعتراف والقبول بالخطأ.
توطئة للكلام عن مبادئ بيداغوجيا الخطأ التي لا تقل أهمية عن بيداغوجيا اللعب، وبيداغوجيا المشروع، والبيداغوجيا الفارقية، أقترح أن نستأنس بما كتبه فيليب ميريو في تقديمه لكتاب: Enseigner avec les erreurs des élèves للكاتب جان زاخاتشوك Jean Zakhatchouk :"التحدي التربوي الرئيسي لكل بيداغوجيا حقيقية للخطأ هو الانتقال من الخطأ باعتباره انزياحاً عن معيار خارجي مفروض إلى الخطأ باعتباره مواجهة مع مطلب داخلي، لأنه في الحالة الأولى، وعلى نحو لا يقبل الشك، سيعيش التلميذ تجربة تصحيح الخطأ من قبل المعلم كقرار تعسفي أو حتى، في أسوأ الحالات، كصراع بين معتقدات أو قناعات لا يمكن التوفيق بينها؛ في تلك اللحظة، ووفقا لمصالحه الاستراتيجية، قد يذعن لرأي المعلم، وبدرجات امتنان متفاوتة".
تتمثل الطريقة البيداغوجية المثلى في التعامل مع الخطأ في تسهيل وتذليل الصعاب أمام المتعلم من أجل أن يكتشف خطأه بنفسه، الأمر الذي يسهم في تحقيق تعلمه الذاتي من جهة، ويسعف، من جهة أخرى، في استعادة وتقوية ثقته بنفسه كي يتخذ القرار دون تردد أو خجل.
وتقوم بيداغوجيا الخطأ على مبادئ من أهمها:
- "الخطأ البيداغوجي لا يعني عدم المعرفة ولكنه يعكس معرفة مهلهلة يجب الانطلاق منها لبناء المعرفة الصحيحة.
- الخطأ ملازم للطبيعة البشرية.
- الخطأ شرط للتعلم
- الخطأ ذو قيمة تشخيصية".
تعتمد بيداغوجيا الخطأ على التعامل مع الخطأ كاستراتيجية للتعليم والتعلم، وليس كمبرر للعقوبة، فالخطأ ليس أمراً سلبياً بقدر ما هو إيجابي، إذ يمكن المتعلم من تصحيح التمثلات الخاطئة، وتدارك التعثرات.