بعد هدوء استمر لقرابة أكثر من 7 أشهر، عقب اشتباكات متقطعة منذ العام 2020 بين الجانب السوداني والجانب الإثيوبي في منطقة الفشقة شرقي السودان على الحدود السودانية الإثيوبية، عادت الأوضاع للتوتر مجدداً، مع تطور نوعي هذه المرة، ينذر بأن الأوضاع لن تعود كما كانت عليه.
بعد ساعات من كشف السودان عن إقدام الجيش الإثيوبي على إعدام ثمانية سودانيين سبعة منهم جنود في القوات المسلحة بالإضافة إلى مواطن مدني، حطت طائرة القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، في الفشقة شرقي السودان، برفقة عدد من القيادات العسكرية الرفيعة، وما هي إلا ساعات قلائل أخرى من وصول القائد العام للقوات المسلحة السودانية حتى توالت الأنباء عن قصف القوات المسلحة لمواقع للجيش الإثيوبي في منطقة الفشقة، في عملية عسكرية يبدو أن لها بعدها.
ببيان مقتضب بث عبر منصات التواصل الاجتماعي على الصفحات الرسمية للسودان في وقت متأخر من مساء أمس الأول السبت، كان الجانب السوداني قد أعلن عن مقتل جنوده وعرض جثامينهم على المواطنين الإثيوبيين.
وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية عميد ركن نبيل عبدالله: "في تصرف يتنافي مع كل قوانين وأعراف الحرب والقانون الدولي الإنساني، قام الجيش الإثيوبي بإعدام سبعة جنود سودانيين ومواطن كانوا أسرى لديهم، ومن ثم عرضهم على مواطنيهم بكل خسة ودناءة".
عبدالفتاح البرهان
وتوعدت القوات المسلحة السودانية عبر بيانها أن الموقف الغادر لن يمر "بلا رد" مؤكدة أن الجانب السوداني سيرد على التصرف "بما يناسبه"، مضيفة "فالدم السوداني غالٍدونه المهج والأرواح".
وفي الوقت الذي لم تكشف فيه القوات المسلحة السودانية عن أسماء وعناوين القتلى من الجانب السوداني، بدأت بعض الأصوات الداخلية في التشكيك في الرواية السودانية، معتبرة أن الأمر يجيء في وقت تشهد فيه البلاد دعوات للتظاهر، ما عده متابعون محاولة لخلق معركة لصرف النظر عما يدور في الداخل.
لكن لم تمر ساعات، حتى بدأت شخصيات معروفة وذات مصداقية على منصات التواصل الاجتماعي، بنشر بيانات أقرباء لها لقوا حتفهم في الحادثة المؤسفة، ما أكد على مصداقية الحادثة، هذا إضافة إلى بيانات يعود تاريخها إلى الحادي والعشرين من الشهر منسوبة لكيان يدعى "لجنة متضرري الفشقة" يتحدث عن كمين نصبته القوات الإثيوبية، واختفى معه عدد من الجنود السودانيين.
ساعات عدّة مرّت حتى علقت إثيوبيا على الأمر عبر بيان من وزارة خارجيتها، رغم أن وكالة الأنباء الدولية "رويترز" حاولت منذ وقت مبكر من صباح الأحد الحصول على تعليق من الجانب الإثيوبي، إلا أن الجانب الإثيوبي لم يقدم رداً "فورياً" على استفساراتها كما ذكرت الوكالة العالمية صباح اليوم.
الرواية الإثيوبية جاءت لتبرئ السلطات الإثيوبية كما هو متوقع حيث قالت في بيان صحفي نشرته عبر منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي: "علمت الحكومة الإثيوبية بالحادثة المأساوية التي وقعت على الحدود الإثيوبية السودانية المشتركة يوم 22 يونيو 2022".
وأضافت الخارجية الإثيوبية موضحة أن الحادثة وقعت داخل الأراضي الإثيوبية بعد توغل وحدة من الجيش السوداني تدعمها عناصر إرهابية من جبهة تيغراي، في إشارة إلى الجبهة الإثيوبية التي تقود عليها سلطات آبي أحمد عملية عسكرية واسعة منذ نوفمبر 2020.
ورغم زعم إثيوبيا أن الحادثة وقعت داخل الأراضي الإثيوبية، إلا أنها قالت إنها "تأسف للخسائر في الأرواح التي وقعت نتيجة لمناوشات الجيش السوداني والمليشيا المحلية"، في إشارة إلى أن عمليات الإعدام لم يقم بها الجيش النظامي، بل قامت بها مليشيا محلية غير نظامية.
قصدت إثيوبيا في -بيانها الذي قالت فيه أن المناوشات حدثت بين الجيش السوداني ومليشيا محلية- عصابات الشفتة الإثيوبية المسلحة، وهي عصابات تنشط منذ أعوام طوال في منطقة الفشقة وعانى السودانيون منها مراراً وتكراراُ.
وظلّت إثيوبيا تنفي صلتها المباشرة بما تقترفه تلك المليشيات التي تصفها أحياناً بالمتمردة، لكن الجانب السوداني ظل يؤكد مشاركة النظام الإثيوبي بشكل مباشر في الاشتباكات التي ظلت تحدث بين الجانبين، مستدلاً على ذلك بنيران المدفعيات الثقيلة التي كانت تأتي من الجانب الإثيوبي، مؤكداً أن مثل تلك الأسلحة لا تتوفر لـ "عصابات متفلتة".
الجيش السوداني
وفي ديسمبر 2020 وعلى خلفية اشتباكات عسكرية في حدود المنطقة ذاتها قال وزير الثقافة والإعلام آنذاك، فيصل محمد صالح، في تصريحات صحفية "تقارير" المخابرات العسكرية السودانية حددت نوع الأسلحة التي استخدمت، وهي أسلحة لا يمكن أن تكون لميليشيات فردية أو قبلية.
ونشطت هذه العصابات في أعمال السلب والاختطاف على مدى سنين طوال، حيث لا يمر أسبوع حتى يقوم السودانيون في منطقة الفشقة بدفع ملايين الجنيهات السودانية، لقاء فك أسر أحد الرهائن السودانيين الذين تختطفهم عصابات الشفتة.
وتعمل العصابات كغطاء أمني للوجود الإثيوبي في منطقة الفشقة، حيث يستوطن في الفشقة السودانية –التي تعد أخصب المناطق الزراعية في أفريقيا بحسب جهات مختصة عديدة- آلاف المزارعين الإثيوبيين، الذين بدأوا بالتوافد إلى الفشقة في الخمسينيات من القرن الماضي، لكن تواجدهم اتخذ طابعاً آخر من خلال تطاول الأعوام.
ومعظم المزارعين الإثيوبيين المتواجدين في الفشقة هم من قومية الأمهرا الإثيوبية، التي تعتبر أحد أهم حلفاء آبي أحمد السياسيين في المنطقة، بعد فقدانه لشعبيته وسط قوميته الأورومو، إضافة إلى حربه المعلنة ضد قومية تغراي، ما يفسر غض الطرف عن ما تقترفه العصابات بحق السودانيين في الفشقة، بل ترجح شواهد أن المليشيا تعمل تحت إمرة النظام الإثيوبي الرسمي، وتكامل وتعاون تام.
ورغم هذه الصلة البائنة بين المليشيات والنظام الإثيوبي، إلا أن النظام لطالما استخدمها كفزاعة يعلق عليها ما يحرجه أمام العالم والأنظمة الرسمية.
أقدم الجانب الإثيوبي على خطوته في ظل حالة التوتر في العلاقات بين البلدين نسبة لعدد من القضايا الخلافية، أهمها الخلاف على منطقة الفشقة الحدودية، والتي أدت في نهايات العام 2020 إلى اندلاع اشتباكات بين الطرفين إثر إقدام السودان على الانتشار العسكري في منطقة الفشقة التي يؤكد السودان تبعيتها له.
وفي ديسمبر 2020 بدأت القوات المسلحة انتشاراً واسعاً في منطقة الفشقة شرقي السودان على الحدود الإثيوبية السودانية، بعد أن ظلت المنطقة مستباحة من الجانب الإثيوبي لأكثر من 25 عاماً في ظل نظام البشير، الذي كان قد تورط في محاولة اغتيال فاشلة لرئيس دولة عربية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في العام 1995.
استخدمت أديس أبابا تورط نظام البشير في محاولة الاغتيال الفاشة على أراضيها ككرت ضغط على النظام السوداني آنذاك، والذي غض الطرف على تمدد الإثيوبيين في منطقة الفشقة الخصبة، فانسحب الجيش السوداني من المنطقة منذ 1995، مما ساهم في تعزيز وجود الإثيوبيين واستوطانهم.
ويرفض السودان وصف منطقة الفشقة بأنها "منطقة متنازع عليها" حيث يقول السودان أن الفشقة أرض سودانية خالصة، مستنداً على اتفاقية وقعت في العام 1902 ما بين السودان الذي كان تحت رعاية التاج البريطاني وأثيوبيا التي كانت تحت حكم الامبراطور الإثيوبي ميلك الثاني.
البرهان
ويؤكد الخبير القانوني نبيل أديب تبعية الفشقة للسودان، ويقول في حديث لـ "سفن إي نيوز" أنها في الأساس ليست موضع خلافي حدودي، حيث وقع على الاتفاقية زعيم وطني لإثيوبيا، فلذلك لا توجد أي حجة لدى الجانب الإثيوبي.
وتقول أستاذة العلاقات الدولية بجامعة الخرطوم، تماضر الطيب في حديث لـ "سفن إي نيوز" أن الوجود الإثيوبي أخذ طابعاً وديا في الفشقة في بداياته عبر الاتفاقيات الودية التي عقدت بين الجانبيين، للدرجة التي أضحى فيها التمييز بين السودانيين وغير السودانيين في تلك المنطقة صعباً على الغرباء عنها، وأن المناوشات كانت أشبه للمناوشات الأهلية، نافية أن يكون النزاع في أساسه نزاع مسلحاً.
ربما ظلت قضية الفشقة لوقت طويل قضية "باردة" بين الطرفين، هذا قبل التطورات الأخيرة والتي أقدم السودان على إثرها اليوم بالتقدم شكوى رسمية لمجلس الأمن، لتدخل القضية منعطفاً آخر بحسب ما يرى مختصون.
وقال الخبير القانوني نبيل أديب، أن السودان له الحق الكامل في هذا الادعاء، خاصةً أنه مدعم بمقاطع فيديو واصفاً ما حدث بـ "الجرائم الدولية".
وأضاف أن إعدام الأسرى هو جريمة خطيرة ومن الجرائم الأساسية في قانون الحرب والحياد، موضحاً أن الأسرى بحسب القوانين الدولية يجب أن لا يحاكموا على أعمال القتال، ناهيك أن يعدموا وتصور جثامينهم وتعرض للعامة، كما قال.
وعن صمت المجتمع الدولي طوال هذه الأعوام على مسألة الفشقة، يقول أديب أنه في العادة فإن المجتمع الدولي لا يتدخل في الحالات التي لا يمثل فيها الخلاف بين طرفين خطورة دولية، وأضاف "اعتقد أن الأمر الآن ارتقى لكونه شأن دولي، ولا بد أن يتدخل مجلس الأمن الدولي لأنها من مسؤولياته الأساسية".
المتحدث باسم الجيش السوداني
وفي ذات المنحى تقول الدكتورة تماضر الطيب، أستاذة العلاقات الدولية،أن مثل الشكاوى الخاصة بالنزاعات الحدودية في مجلس الأمن دائما توضع على جانب ثم تناقش في اجتماع خاص بالإقليم، كما أن مجلس الأمن يتجه نحو حل هذه القضايا وديا وثنائياً في حال عدم تطورها لحرب ومهدد للأمن الدولي.
وتستبعد أستاذة العلاقات الدولية تدخل أي أطراف دولية حالياً، مع الأوضاع الحالية، رغم تأكيدها أن الأوضاع لن تعود على ما كانت عليه قبل حتى قبل أيام، قبل مقتل السودانيين.
العملية العسكرية التي انطلقت في شرق السودان نهار اليوم ضد الجيش الإثيوبي، يبدو أنها لن تنتهي قريبا، فمنذ العام 2020 أظهر السودان تمسكا قويا ببسط سيطرته على الفشقة، خصوصاً مع تأزم العلاقات السودانية الإثيوبية على خلفية أزمة سد النهضة واتخاذ السودان موقفاً مناوئاً للجانب الإثيوبي، كما أن فرصة بسط السودان يديه على أخصب منطقة زراعية في أفريقيا ليس من المحتمل أن يفرط فيها السودان.
فهل نشهد تدخلاً دوليا بعد الشكوى التي تقدم بها السودان رسمياً إلى مجلس الأمن من أجل وقف نزاع ربما يتحول لحرب شاملة؟