تختزن الذاكرة الجماعية في الوطن العربي مجموعة كبيرة من الأرصدة الموسيقية الغنائيّة التي تنتقل من جيل إلى آخر فيضيع منها ما يضيع ويبقى منها ما يبقى ليصبح منطلقاً لأرصدة جديدة تنهل من الذاكرة الأولى وتبني ذاكرة ثانية جديدة بديناميكية اصطلاحية متنوّعة تفرضها تطوّرات الحياة واختلاف نمط العيش.
وتعتبر الأرصدة الغنائية التي تمرّ من جيل إلى آخر عبر المشافهة، أرصدة يسهل تصنيفها ضمن التراث الشفوي الجماعي رغم أنّها متجدّدة في عدّة جوانب منها. لأنّها متطابقة في الحقيقة مع أنساق الذاكرة الجماعية الأولى وطرق اشتغالها وتوليدها للمصطلحات ضمن حركات لحنية وإيقاعية تفرضها اللّهجات المحلّيّة. فالتجدّد فيها لا يكاد يكون محسوساً بالنسبة لغالبية المستمعين نظراً لتطابق أنساق اشتغال الذاكرة في توليد المصطلح واللحن بين الماضي والحاضر.
هنا نتحدث على ما يمكن أن ننعته بـ"أغاني الحياة"، ونقصد بالطبع الأرصدة الغنائية المتعلقة بالإنسان منذ ولادته وتلازم عدة مراحل من حياته في الذاكرة الجماعية. بناء عليه لا يمكن أن نذهب إلى تقسيم هذه الأرصدة إلى تصنيفات متشعّبة كحضرية وريفية أو تقليدية وشعبية وما إلى ذلك من التصنيفات التي لا تحصل من ورائها الاستفادة للقارئ بل حتّى للدّارس أيضاً.
وبالطبع لكلّ مجتمع ذاكرته العميقة الخاصّة التي تنهل من الماضي وتتأثر بالحاضر، لذلك قد يتلاشى منها الشيء الكثير وقد لا يبقى منها إلاّ نتافات من بعض الكلمات أو الأمثلة، ولكن قد يرسخ في المقابل لدى البعض الشيء الكثير من مكوّنات هذه الذاكرة في مدن أو أرياف وبوادي أخرى من نفس الفضاء الجغرافي (بلادًا كانت أو تجمّعاً قبليّاً أو غيره من التجمّعات البشرية التي تنتظم وفق معايير اجتماعية وثقافية معقدة).
وبما أنّ أغاني الحياة متشعّبة ومتنوّعة بتنوّع حضور الإنسان في الفضاء الجغرافي الذي ينتمي إليه، فإنّنا اخترنا في هذا المقال التركيز على المرحلة الأولى من حياة الإنسان بعد ولادته، فترة بقائه في المهد.
هذه الفترة التي ارتبطت في الوطن العربي وفي كل مجتمعات العالم تقريباً بأرصدة غنائية ذات جرس مخصوص كلمةً ولحنًا ترتجلها الأمّ أو تستحضرها من الذاكرة العميقة لرضيعها حتّى ينام أو حتّى تعوّده على النطق أو للتغنّي بصفاته وحتّى من أجل إبعاد الحسد والسّوء عنه، ويُقال لها أغاني المهد أو أغاني الهدهدة. ولها تسميات مختلفة من بينها "المهاواة" في الإمارات العربية المتحدة أو أغاني "المهوادة" في البحرين أو كذلك أغاني "التّرْبيج" في تونس.
سنسعى في هذا المقال إلى التركيز على رصيد الذاكرة النسائيّة الخليجية من أغاني الهدهدة بالوقوف عند نصوص بعض الأغاني التي تردّدها الأمهات، حتّى نمكّن القارئ من فرصة لاستقراء معاني الأشعار ورمزيّتها في التفكير الجمعي:
تقول إحدى الأغاني الإماراتية التي تردّدها الأمّ لتنويم ابنها:
عيني (وليدي) هميلة
وْيَا الأيْواد داووها
وْلـِي ڤَلْ عنها الدَّوْا (وليدي)
عبروا وخلّوهـــــــــــــــــــا
وارڤُدْ رڤدَةً هنيّة(وليدي)
رقدة الغزلان في البرّيّة
كما تتغنّى الأم الإماراتيّة بنصّ مغنّى آخر للهدهدة يقول:
يوم المحبّة
وْرِيڤة يَاسْ غَطَّتْنِي (وعلى وليدي هووَا)
يوم البغاضا (وليدي)
دروب عْمَان ضكّتنا (هووا)
وركبت على الجبل (وليدي)
وريت حافر خيل
مْسَبْسَبات (مْلَمْلَمَاتْ) الشَّعَرْ
وملوّحات الذيل (أووا/ وعلى وليدي يووَا)
وركبت على الجبل
وريت خاشوڤة (هووا)
ثرها بنت البدو بيضاء ومعشوڤة (هواهوا)
أو في سياق آخر:
هُوَا هُـــــوَا هُـو
هوا على وليدي هوا هو
في النوم أراكم وفي الدنيا أتمناكم
خزتوا على العين ولا حاشا الڤلب ينساكم (وليدي).
أمّا الأم الكويتيّة فهي كذلك لها رصيدها من الأغاني التي تردّدها من أجل هدهدة طفلها أو التغنّي به، ونذكر على سبيل المثال النّصوص التالية التي هي إمّا تردّد في الصّباح عند إفاقة الرضيع أو الطفل الصغير أو كذلك من أجل ترقيصه:
صْباحك صْباحين لا مغبّر ولا شين
صباح يطرد الهمّ وصباح يوفى الدين
صباحك صباحين صباح الكحل بالعين
وصباح الناس مرّة وصباحك ألف واثنين
صباحك صباحك لولو البحر مسباحك
والبين ما يندل لك ولا يسمع صياحك
وعندما تريد الأمّ أن تداعب ابنها ليلعب ويرقص تردّد:
ارقصي رقاصة أبوك راح الغاصة يجيب لأمك لولو ومرت أبوك رصاصة
ويبدو من خلال هذه الأهازيج أنّ عديد الرسائل تمرّ ليتلقّفها المؤرّخ حتّى يثبت مسائل تتعلّق بالمجتمع وعاداته وأعرافه من جهة، كما تتوفّر في الشعر معلومات ذات أهمّيّة جغرافيّة واقتصادية تثبته الذاكرة الجماعية من خلال نصوص تبدو بسيطة حول الطّفل (ونقصد هنا مسألة البحر وجمع اللؤلؤ في الكويت).
ونختم في هذا المدخل بالأهازيج التي تردّدها الأم في البحرين، ويمكن للقارئ أن يطّلع على بحث مهمّ جدّا نُشر في مجلّة "الثقافة الشعبية" (العدد التاسع-2010/ص.ص.147-195)، وهو عبارة عن حصاد جولة استطلاعية قامت بها الباحثة الكويتية "بزة الباطني" في البحرين بتكليف من هيئة المجلة من اجل جمع أكثر ما يمكن من أغاني الهدهدة في المنطقة.
وسنكتفي هنا بذكر أنموذجين:
هود عليك بالله
والله يحرسك
والقلم واللوح
والقرآن هو مدرسك
أو كذلك:
هوا هوا يا لهادي محمد ساكن الوادي
هوا هوا يا سنادي المايي والزادي
محمد شفيع العبادي هوا هوا
والطريف في الـمر أن هناك تقاطعاً إماراتياً- بحرينياً من خلال هذا الأنموذج الذي يُعتبر هدهدة من نوع "المهاواة" وهي التسمية نفسها في دولة الإمارات للدلالة على أغاني الهدهدة في العموم، علما وأنّها مشتقة من هووا : wa-Who تعني أيضاً النوم في لغة الطفل ومنها الفعل تهوي عليه.
عموما، تحاكي الألحان المحلّيّة المرتبطة بالذاكرة الجماعية في دول الخليج العربي الحياة بنبضها وأطوارها المختلفة ومحطّاتها المتنوّعة، كما أنّها تُساير الأنشطة والأعمال وتعكس المعتقد والعادات والتقاليد، غير أنّ المشهد الإعلامي المعاصر لا يركّز على هذا التنوّع الموسيقي إلاّ بشكل "فلكلوري" ضمن برامج توثيقية أو مهرجانات ذات بعد ترويجي للثقافة المحلّيّة ممّا يجعل الاستفادة من عمقها الموسيقي والشعري والإيقاعي ذا حظ قليل في المشهد الموسيقي المعاصر، بل أثّر ذلك كثيراً على توجّهات البحث في العلوم الموسيقية العربيّة المعاصرة التي بقيت تتعامل بسطحيّة ملفتة مع هذه الأرصدة والحال أنّها منبع للتفكير الموسيقي-الأنثروبولوجي.
لم يبقَ اليوم في دول الخليج أو غيرها من دول الوطن العربي إلاّ القليل النادر من نصوص أغاني الهدهدة في الذاكرة الجماعية، إذ كلّما فقدنا كبار السّنّ فقدنا معهم ما كانت تحمله ذاكرتهم من أغانٍ ونصوص شعرية فيها معتقدات شعبية وحكم وخرافات يُفترض أن تكون وثائق شفوية يمكن من خلالها دراسة تاريخ المجتمع بمنهج يخالف ما يفرضه منهج التّأريخ العلمي الذي يعتمد الوثائق المكتوبة والرّسميّة والأحداث والكبرى وسقوط السياسات والدول كمعيار للتّأريخ.