حين طالعتُ تصاوير الفراعنة المرسومة على جدران المعابد لأول مَرَّة، أصابني الذهول، وقلتُ لنفسي، هاهنا قصة مصوَّرة، فها هي أمامي لحظة ما قبل الدفن، حيث تقف المومياء أمام المقبرة، أمامها كاهن، في ذات اللحظة يُلْقِي أقارب المتوفي آخر نظرة عليه، وفور نزول المومياء للقبر تبدأ رحلته إلى العالم الآخر، وأتابع الريشة على ميزان العدالة، في انتظار لحظة القرار الأخير، ورُجحان الريشة أو ضياع المتوفى في حفرة العذاب، أقف أمام التصاوير المتوالية وأنا أجمع أطراف القصة، ولم أكن أدري ساعتها أن هذا كومكس.
رسومات صامته رسمها الفراعنة، وصوَّروها قصصا تحكي كومكس صامت بدون بالونات الحوار، هل هذا هو الكومكس الأول في العالم؟ ربما، فما الكومكس إلا رسومات تُعَبِّر في تتابع الصور عن قصة وحكاية.
في الكومكس، لابد أن يشتبك الكاتب والرسام، في تعاون مثمر، فعلى الكاتب أن يكتب مشاهد، كادرات، مُرَقَّمة حتى يستطيع الفنان الرسام أن يتعامل معها، وأن يحوِّلها إلى صور على الورق، فالكاتب دوره أن يوضِّح المشهد المراد رسمه تاركاً مساحة ما لخيال الرسام كي يُبْدِع، يحدِّد الكاتب الخطوط الرئيسية العريضة للكادر، إلا في حالة قصده لمشهد معيَّن لا يريد للرسام أن يحيد عنه؛ فيذكُره بكل تفصيلاته التي لها هدف ما في الكتابة، ومن ثَمّ ينبغي أن يكون كاتب ورسام الكومكس فريق عمل متناسق، أحدهما، الرسام، يترجم خيال الآخر، الكاتب، واتفاقهما المبدع يعني خروج كومكس مميز ورائع. وفي حالات خاصة يكون الرسام هو نفسه صاحب خيال الكومكس فيرسمه ويكتبه.
ولأن الكتابة سابقة على الرسم، فواجب الكاتب أن يضع كل تصوراته داخل كادر الوصف، حتى يستطيع الرسام أن يتفاعل معه وأن يرسم كومكس جيد، فخلط وتشويش المشهد من الكاتب سيفسد فكرة الكومس لدى الرسام، لأن الرسام هو المخرج الأخير وهو من يُمَكِّن القارئ المُشَاهد من الاستمتاع بالكومكس، فالرسام بإضافة بعض اللمسات والتفاصيل والمنمنمان الرقيقة للمشهد، ربما لم يذكرها الكاتب ويراها الرسام ضرورية، بالتأكيد سيعطي بُعْداً آخر للكومكس.
رائد فن الكومكس
يكاد يكون فن الكومكس قد بدأ مع فنان كبير بحجم بيكار، فهو يُعَدُّ رائداً لفن الكومكس، يكاد يكون الرسام الوحيد لمجلة سندباد من الغلاف إلى الغلاف، تلك المجلة التي كانت تصدر كل خميس منذ مطلع عام 1952، وكان مؤسسها ورئيس تحريرها محمد سعيد العريان، وانتهت المجلة في عام 1960 بصدور العدد الأخير منها في 7 يوليو، والمعروف أن المجلة كان يقرأها الوطن العربي كله، واسمها سندباد مأخوذ عن بطل ألف ليلة الشهير، ودائماً ما كان يرافق السندباد في الصور عصاه، ومنظاره الصغير، وكلبه نمرود، مرافقه في رحالات بحثه عن أبيه المفقود وكانت الشخصيات المرسومة لها طابعها الخاص وتكوينها المميز: سندباد، الكلب نمرود، قمر الزمان.
نلاحظ أن فن الكومكس يتماس مع فن السينما في جريان زمن الحكي، فأنت تستطيع في السينما أن تقفز قفزات زمنيه كبيرة للأمام أو للخلف، وفق ما تدور حوله الأحداث، كذلك يفعل الكومكس، فعن طريق كادر يمكن أن ينقلك الفنان إلى زمن فائت أو آت، كما يشتبك فن الكومكس مع السينما في إمكانية تقطيع الكادرات، وتَدَاخُل الصور، بحيث يظهر لقارئ الكومكس ما يمكن أن يشاهده المشاهد على الشاشة من مشهدين متجاورين.
هذا إلى جانب أن الكومكس يمكنه أن ينقلك من مكان لآخر بسهوله ويسر، ويجعلك تصعد للقمر، أو تسافر لمكان آخر في كادر وحيد مكتوب بعناية ومرسومة بمهارة فائقة، فقط ينبغي أن يكون الحكي الدرامي في الكومكس مُحْكَماً كما هو الحال في السينما؛ وإلا بَدَتْ النقلات عبر الزمان والمكان في كادرات الكومكس بلا معني وبدون مبرر، مما يجعلها سيئة لا يمكن متابعتها.
كما أنه يمكنك في الكومكس أن تعرف أن هنا يصدر صوت موسيقى، أو أن هنا صوت صراخ، يمكنك أن تشعر أيضاً أن الفرن مُوقَد وأن الحرارة المنبعثة من براد الشاي قد ارتفعت، فقط عن طريق الرسم في الكومكس يمكنك أن ترى كادرات ومشاهد تتحرَّك داخل عقلك ومخيلتك، بل تترك لك مساحة من براح الخيال كي تسبح أنت فيه وتتخيَّل أحداثاً ربما هي مضمرة في كادر لم يتم رسمه حتى تتخيله.
إذا اعتبرنا أن بعض رسومات الكاريكاتير المتسلسلة التي يعبر فيها الفنان عن حالة معينة بأكثر من كادر، كومكس فربما يكون صاروخان هو الشرارة الأولى التي فجَّرت هذا الفن، خصوصاً شخصية المصري أفندي، وكانت بداية انطلاق شخصية المصري أفندي عندما اقترحت روز اليوسف اقتباس صورة للرسام «استروب»، كانت الصورة لرجل قصير على رأسه قبعة، وبيده مظلَّة فتم تغير المظلَّة لمسبحة في يد المصري أفندي، ووضِعَ فوق رأسه طربوشاً بدل القبعة.
ومن تلك اللحظة وُلِدَت شخصية المصري أفندي نابعة من رسوم صاروخان، و نحسب أنها أول شخصية حقيقية كومكس.
وتتبع المصري أفندي، الأحوال المصرية ونَقَدَها بسخرية، مما جعل شخصية المصري أفندي تصبح من الشخصيات الشهيرة لفترة طويلة.
توالى الرواد بعد ذلك فجاء حجازي، ومحي الدين اللباد، وبهجت عثمان، أما حجازي فقد اخترع شخصية تنابلة الصبيان متكئاً على تنابلة السلطان الشهيرة، إلا أنه جعل لهذا الكومكس من تنابلة الصبيان طابعاً خاصاً في مجلة سمير التي كان يرسم فيها، التي استمرت من عام 1968 حتى عام1969، وحكى من خلالها مغامرات وحكايات شيقة، أفادت فن الكومكس المصري ودفعته خطوة.
وإذا ذكرنا محيي الدين اللباد، فيذكره جيل فناني الكومكس بفضله عليهم، فهو بمثابة الأب، وهو من أبدع شخصية زغلول أفندي لما يقرب من ست سنوات في مجلة سمير في الستينات, ولا ينكر محيي الدين اللباد أبداً فضل بيكار، الذي سبقه في رسم الكومكس، بل يعترف بفضله، على الرغم من أن «اللباد» كان مغايراً، متفرداً، فقد ظل يشكر بيكار لأنه حاول أن يصنع مدرسة، فجاء اللباد وأسس دعائمها بقوة خياله الخصب.
أما بهجت عثمان فقد أبدع شخصية بهجاتوس، وأصدر كتاباً عنها هو: الديكتاتورية للمبتدئين: «بهجاتوس رئيس بهجتياً العظمى»، وراح يتابع الحاكم بهجاتوس في كل أحواله، في صحوه ونومه، كونه مثقفاً، أو جاهلاً، جالساً أو واقفا، راح يحكي عن بهجاتوس في كل أحواله.
ونلاحظ أن مجلة «سمير» تنحى نحو الطابع المصري الخالص، من جهة تناول العادات والتقاليد، والمناسبات، إلى جانب مصريَّة الشخصيات داخلها، فهي مجلة كومكس مصرية أسبوعية للأطفال، صدر العدد الأول منها في أبريل 1956 قَدَّمَت شخصيات شهيرة ومحبوبة: سمير، سميرة، السلطان بهلول، عصام، دندش، تنابلة الصبيان.
أيضا هناك مجلات برزت في الخليج مثل مجلة «ماجد» الإماراتية، و«العربي الصغير الكويتية»، و«باسم» السعودية، و«أشبال الشبيبة» العمانية، و«المزمار» العراقية، و«جاسم» القطرية، و«وطني» البحرينية، أيضاً ظهرت مجلات: علاء الدين، وفَارس، وقطر الندي، وغيرها من المجلات المصرية التي تعتمد بالأساس على فن الكومكس.
وعلى سبيل إحقاق الحق، فلابد أن نذكر الفنان المصري علي رضا، بأنه كان من أوائل فناني الكومكس في مصر في أوائل الأربعينيات، حسب ما صَرَّح به الفنان محمد عبلة/ خلال افتتاح مهرجان «أسبوع الكومكس في مصر».
وهذا ما تم كشفه في السنوات القلية من أعماله مما اعتبروه رائداً للكومكس في مصر. وأنه تم التعتيم عليه لأسباب مجهولة، وأن «عبلة» يعتبره رائد الكومكس المجهول.