جلال برجس

حكايتي مع (البوط) الصيني

بقيت لشهر أجرب كل الوسائل مع أبي، حتى حظيتُ بملابس وحذاء جديدين لأول مرة في حياتي. 

إذ أن الملابس التي زَمّلت جسدي من قبل، كانت مستعملة من متجر (البالة)، الذي لم نقو على دخول غيره آنذاك. 

ولم يكن ذلك التحول الكبير في إلحاحي، إلا بسبب ابن القاضي (عادل) الذي انضم لفصلنا الدراسي وأنا في الصف الثاني الابتدائي، فصل جل طلابه من أهل قريتي، التي تُخاط فيها البناطيل لمرات إلى أن تهترئ. التي يمشي جل أولادُها حفاة تتكسر رؤوس أشواك (المرار) الحولية على صلابة أقدامهم. 

لكن عادل بملابسه الجديدة، وعطره الجميل، وتسريحة شعره المسيرة بفعل زيت الشعر، ونظرات الفتيات له، خلق حالة نزوع نحو مرحلة جديدة في ذلك الوقت. 

مرحلة لم ينجح بالنزوع نحوها، إلاي، وأنا أصل الليل بالنهار ملحاً وباكياً لأجل ملابس من (النوفيتيه) وفي البال مشاهد متتابعة للفتيات وهن يراقبنني بهيئتي الجديدة، أمشي جنباً إلى جنب مع عادل.

في تلك الليلة وضعت ما اشتراه لي أبي قرب رأسي، ورحت أحاول النوم الذي تمنع عني. إذ بقيت أستجدي شمس الصباح أن تأتي ليذوب الليل قبالتها، فأنطلق، إلى أن نمت.

حينما صحوت، بعجالة رشقت وجهي بحفنة ماء من فم (الحنفية)، ورحت أرتدي ملابسي الجديدة؛ القميص الكرنفالي الموشى بخطوط من مختلف الألوان، البنطال الأحمر الذي استعضت عن الحزام فيه بخيط كتاني، الحذاء البلاستيكي الذي لا يشبه الأحذية إلا بشكله. سرحت شعري مستعيناً بسمن الطبخ، بديلاً عن زيت الشعر وحملت حقيبتي وانطلقت فرحاً.

في طريقي نحو المدرسة أسرعت خطاي لألتحق بعادل، الذي ما إن رآني حتى امتدح ملابسي بسخرية لا يفهمها أهل القرى. 

ثمة فرح رشق قلبي فجأة والفتيات يصوبن النظرات نحوي، وأنا أمشي بقرب عادل، الذي توقف فجأة، وراح يشرح مزايا (بوط الصيني) يرتديه، إذ أقسم أنه يجعل صاحبه يطير بعد عدة قفزات قصيرة. 

عبرنا إلى غرفة الصف وأنا أنصت باهتمام لحديث عادل حول الحذاء.

في تلك السنة أمضيت أيامي منعزلاً أفكر بالحذاء وبالطيران. 

وأتخيل نفسي أتقافز ثم أطير في السماء، بينما الفتيات يراقبنني ممتدحات ما أقوم به. 

آنذاك لاحظت أمي شحوباً يتلبس وجهي، ووهناً يدب بي، حينها قرأت عليَّ كثيراً من آيات القرآن، والمعوذات، وبخرتني، ثم أخبرت أبي الذي أنفق كثيراً من الوقت لمعرفة السبب، لكنه صمت عاجزاً عن فهم ما يجري. 

ذات ليلة أفاقتني أمي من النوم وأنا أحاول القفز في فراشي مردداً عبارات تشير إلى حلمي بالطيران، ناولتني كوب ماء بعد أن شربته، نطقتُ مذهولاً: «اشترولي البوط الصيني بدي أطير».

بعد أن أدرك والدي فحوى الحكاية، تدبر أمره واشترى لي الحذاء، فرحت أمضي النهارات والليالي محاولاً الطيران، كما صوّره لي عادل، لكن دون جدوى إلى أن تمزق الحذاء، وتهشمت ركبتاي.

بعد أن انتهى زمن المدرسة، واختفى عادل، وانتشر رفاق الصف كل إلى جهة، وانضممت لكلية تدرس هندسة الطيران، وتخرجت فيها؛ رحتُ أكتب على جناح كل طائرة أجهزها للانطلاق مصاباً بالشِّعر، وبشهوة الطيران: «أريد امرأة مثلك ما وراء التحليق».