لو كانت حنجرته ما زالت تصدح بحنان حتى الآن، لبلغ عبدالحليم حافظ اليوم عامه الثالث والتسعين، فقد ولد أشهر مطرب مصري وعربي في القرن العشرين في مثل هذا اليوم 21 يونيو من سنة 1929.
وبامتداد عمره القصير نسبيًا، شغل حليم الناس وأسعدهم بأغنياته التي تبلغ نحو 250 أغنية، تنوعت بين العاطفي والوطني والوصفي، كما ضمت هذه الأغنيات أكثر من 30 قصيدة باللغة الفصحى.
اقتحم حليم عالم السينما مثل المطربين الذين سبقوه، وعلى رأسهم أستاذه ومثله الأعلى الموسيقار الأعظم محمد عبدالوهاب، لكنه تعامل مع السينما بسخاء أكثر من أستاذه، فإذا كان عبدالوهاب قد قام ببطولة سبعة أفلام في غضون 13 سنة، حيث قدم أول فيلم (الوردة البضاء) عام 1933، بينما شهد عام 1946 عرض آخر أفلامه (لست ملاكا)، فإن عبدالحليم قام ببطولة 15 فيلمًا وثلث الفيلم في 14 سنة فقط. وسأشرح حكاية ثلث الفيلم هذه بعد قليل.
(لحن الوفاء) هو أول أفلام عبدالحليم، فقد عرض في الثالث من مارس 1955، وبعد أيام قليلة، وبالتحديد في 7 مارس عرض فيلمه الثاني (لحن الوفاء)، وفي 5 ديسمبر من ذلك العام أيضًا عرض فيلمه (أيام وليالي)، وأظنك لاحظت أنه في هذه الأفلام الثلاثة تقمص شخصية طالب جامعة، وهنا مربط الفرس! لماذا؟
لأن مصر في ذلك الزمن، الخمسينيات والستينيات، فتحت الأبواب للتعليم المجاني الجيد لجميع المراحل، الأمر الذي دفع ملايين الطلاب للالتحاق بالمدارس والجامعات، والطلاب كما تعرف هم أكثر رواد السينما من حيث العدد، وبالتالي كانوا هم عشاق العندليب ومريديه، لأنهم يشاهدون على الشاشة مثلهم (بلغ تعداد مصر عام 1960 نحو 26 مليون نسمة كما ذكر جمال حمدان في موسوعته المذهلة شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان).
لاحظ أن المطربين الذين سبقوا عبدالحليم كانوا يتقمصون شخصيات تعمل في مهن مختلفة، بعضها بسيط، مثل عبدالعزيز محمود فكان سائق تاكسي أو بائع روبابيكيا، وكارم محمود، الذي عمل صبي بقال، ومحمد فوزي قام بدور عجلاتي، وهكذا، ولم يقترب أي من هؤلاء المطربين، على الأغلب، من أبواب الجامعة.
أبرز ما يميز طلاب الجامعة هو استغراقهم في أجواء رومانسية، يسهرون الليل، يناجون الحبيب، يتأملون ملامحه بحب عذري شفيف، فكان عبدالحليم هو أفضل من عبّر عن هذه المشاعر الفياضة، فهو يغني للشعر الحرير، وباحلم بيك، وبتلوموني ليه، وأبو عيون جريئة، وحبك نار، واسبقني يا قلبي اسبقني، وأهواك، وأنا لك على طول، وعشانك يا قمر، وظلموه، وتخونوه، ويا خلي القلب، وهكذا عشرات الأغنيات التي تخاطب الحبيبة الطالبة التي يتحرق شوقا إلى همسة أو كلمة أو إشارة رضا من عينيها.
تخيل معي، هل كان من الممكن أن يشدو عبدالحليم بكلمات تقول: (يا شبشب الهنا يا ريتني كنت أنا)، أو (يا نجف بنور يا حليوة يا نجف) كما فعل عبدالعزيز محمود؟ أو هل يليق صوت حليم وإحساسه مع كلمات: (يا رايحين الغورية هاتوا لحبيبي هدية)، و(يا حلو صبح يا حلو طل يا حلو صبح نهارنا فل) كما ردد محمد قنديل؟ أو هل كان سيلقى نجاحًا إذا شدا بعبارات من نوع (ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين) التي يغينها محمد عبدالمطلب، أو (تحت الشجر يا وهيبة ياما كلنا برتقان)، و(قولوا لمأذون البلد يجي يتمم فرحتي) كما تمنى محمد رشدي؟.
إن مشاعر الغرام هذه التي أسعدنا بها مطربون كبار بحق كانت موجهة إلى فتاة من وسط شعبي أو ريفي، فتاة لم تحظ بتعليم جامعي، فتاة تقنع بعاشق من طبقتها الاجتماعية المتواضعة، بينما الفتاة التي ترافق حليم في خياله ويتغنى برقتها، هي نموذج للبنت المتعلمة التي تقرأ الشعر والأدب، وتنفعل بالروايات والقصص، وتسرح في فارس أحلام يبثها أحلى الكلام.
15 فيلمًا لعب في معظمها حليم دور الطالب، أو الذي تخرج توًا في الجامعة، باستثناء فيلم (دليلة)، إذ انحشر في شخصية كهربائي، ففشل الفيلم! ولما شرحت ذلك للنجم سمير صبري في برنامج تليفزيوني، انتبه وأضاف مؤكدًا: (حتى الكثير من أغاني هذا الفيلم ليست جيدة)!
أما أفلام (ليالي الحب 1955)، فقام بشخصية موظف مخترع، وفي (موعد غرام 1956) لعب شخصية الشاب الفنان المستهتر، وفي فيلم (بنات اليوم 1957) مهندس شاب، و(الوسادة الخالية 1957) عاد إلى شخصية الطالب، و(فتى أحلامي 1957) شاب ثري مستهتر، وفي (شارع الحب 1958) طالب في معهد الموسيقى ثم أستاذ وفنان، وفي (يوم من عمري 1961) كان صحفيًا، وفي (الخطايا 1962) استرد دور الطالب بقوة: يذهب إلى الكلية، يداوم على حضور المحاضرات، يستذكر دروسه بجدية، ينظم رحلات لزملائه، بل نافس في انتخابات اتحاد الطلبة وفاز على منافسته نادية لطفي، وفي (معبودة الجماهير 1967) تقمص شخصية كومبارس مسكين تمكن من إثبات موهبته فظفر بالنجاح والمجد.
وحين بلغ عبدالحليم حافظ عامه الأربعين، لم يستطع التحرر من الشخصية الأثيرة لديه، وهي شخصية طالب الجامعة، فعاد إليها بكل حيوية، ناسيًا أنه تجاوز سن الطلبة بعشرين عامًا، وهكذا رأيناه يعشق ويمرح ويلعب مع زملائه الطلاب في آخر أفلامه (أبي فوق الشجرة)، الذي عرض في 17 فبراير 1969!
تبقى حكاية (ثلث الفيلم) التي حدثتك عنها في البداية، وأعني فيلم (البنات والصيف) الذي عرض عام 1960، وهو مكون من ثلاث قصص مختلفة، لكن وقائعها تدور كلها في الإسكندرية في أثناء شهور الصيف.
كتب القصص إحسان عبدالقدوس، وكل قصة لها مخرج مختلف وطاقم تمثيل خاص، والقصة الثالثة من هذا الفيلم هي التي لعب بطولتها عبدالحليم حافظ وزيزي البداروي وسعاد حسني، التي أدت دور شقيقته، بينما ارتدى حليم ثياب مهندس خانته حبيبته.
في الختام، يجب الإشارة إلى أن غناء عبدالحليم باللهجة القاهرية اللينة، كان له الفضل الأكبر في شيوع أغنياته وأفلامه، فهذه اللهجة فرضت نفسها على كل اللهجات المحلية والعربية في مجالات الفنون المختلفة، فكل الناس تفهم مفرداتها، وكل الناس تنفعل بها حين يترنم بها حليم أو عبدالوهاب أو أم كلثوم أو فريد الأطرش أو صباح أو وردة أو فايزة أحمد، كما أن الحنان الذي يشع من صوته، فضلا عن نبراته الواضحة الحروف، كل ذلك جعله يتبوأ مكانة لم يصل إليها أحد بعده.
المدهش أن عبدالحليم هو الفنان المصري، وربما العربي الوحيد، الذي أقدمت فتاة على الانتحار فور سماعها نبأ رحيله في 30 مارس 1977، وكان اسمها أميمة عبدالوهاب محمد، وهي الوحيدة التي انتحرت حزنا على رحيل حليم، ولم يفعل ذلك سوى هذه العاشقة المسكينة.
باختصار... عبدالحليم حافظ أيقونة ذهبية في تاريخنا الغنائي يستحق الحفاوة والإشادة كلما هلّت ذكراه.