فراس الطرابلسي

المقاربة الفقهيّة لتاريخ الموسيقى العربية

يقول الفيلسوف التونسي فتحي التريكي إنّ «تاريخ الإسلام كثيرا ما اعتبر لدى العرب والمسلمين مكوّنا جوهريّا لحاضرهم، هذا التاريخ الذي مازال حيّا ويوجّه التفكير الأيديولوجي والسّياسي»، (التريكي، 1991، ص65).

وإذا ما اعتبرنا هذا الرأي حاملا لجانب كبيرٍ من الصحّة، فإنّه لن ينفي تأثير الدين الإسلامي عبر التاريخ (وهو مكوّن رئيسي وثابت ومؤثّر في الفكر والمجتمع العربيّين) على مختلف أنشطة حياة العربي المسلم. فالفكر الإسلامي بُني في جانب كبير منه على تعظيمه وتباهيه المستمرّ بعراقة التاريخ والحضارة في جوانب متعدّدة. وفي هذا المعنى قيل:

«الذاكرة التي كانت جزءًا حميما من التراث، يتباهى العرب بصفائها واتساع مداها، حفظت من دون شك الكثير من تاريخهم»، (بيضون، 1995، ص.7).

وبناء على ذلك، شكّل دين الإسلام تواصلا لهذه العراقة والتباهي بما أنّه حمل معه خاتم الأنبياء والرسل، كما أنّه يفترض أن يكون دين البشرية جمعاء، فنشأ تاريخ العرب المسلمين على أساس الفكر الدّيني. 

ولا يمكن أن ينكر أحد حقيقة أنّ التاريخ الإسلامي اعتمد هجرة الرسول كمنطلق للتأريخ، بعد أن كان يؤرخ بالأيّام والأحداث.

وقد كان القرآن العظيم أوّل ملهم للتّأريخ الإسلامي بما فيه من قصص مليئة بالحكم والعبر، وكذلك سيرة الرسول الكريم بما جاء به من أحاديث تروي عن الماضي وتفيد الحاضر والمستقبل. وعلى ذلك وجدنا أنّ أولى المؤلفات التّأريخية العربية الإسلاميّة اهتمّت بالسيرة: ونذكر هنا أشهر هذه المؤلفات على سبيل المثال لا الحصر «سيرة ابن هشام».

ومن ثم بدأت حركة التّأريخ تتخذ أشكالا تفرّعت في مرحلة لاحقة إلى كتب التراجم والجغرافيين وكذلك كتب الحسبة والبدع والفقه عموما، كمؤلفات تنظر إلى مسألة التّأريخ من زوايا مختلفة، ولكنها في الحقيقة مصطبغة بالطابع الديني من جهة، كما طغت على كثير منها الإسرائيليات والخرافات.

ولن نطيل الحديث في هذه المسألة لأنّ النقاش حولها يتطلّب مؤتمراتا وكتبا، بل ما يهمّنا فيها هي موقع الظاهرة الموسيقية وسط كلّ هذه المناحي والتوجهات الفكرية، إذ يبدو أنّ الموسيقى في بداية حركة التّأريخ الإسلامي كانت من المسائل التي تتناولها كتب الحسبة والفقه، فيُنظر إليها من زاوية مشروعيتها أو عدمها، إذا استثنينا بعض المؤلفات وأشهرها «كتاب الأغاني» لأبي فرج الأصفهاني وكتاب «مروج الذهب» لأبي الحسن بن علي المسعودي التي يمكن تنزيلها كمؤلفات تناولت جملة من الطروحات التاريخية الحضارية والثقافية، ومن بينها الغناء والموسيقى.

ونورد في هذا الإطار فصل «آداب السماع والوجد» للإمام أبو حامد الغزالي (1058م-1111م)، نظرا لأهمّيته التاريخية على المستوى الفقهي، إذ يكفي أن نستحضر أنّ صاحبه لُقّب بحجة الإسلام. 

ويُتّفق اليوم على أنّ ما كتبه الغزالي عن السماع والموسيقى من زاوية الفقه يُعدّ من أهمّ ما وصل إلينا ككتابة في هذا الشأن الموسيقي. 

ونحن في هذا المقال نعتمد على طبعة «دار الشعب» لـ«كتابه إحياء علوم الدين»، من ص 1120 إلى ص 1183.

ويعتمد أبو حامد الغزالي منهجا واضحا يعرب عنه منذ البداية، فيقول: «فلنبدأ بحكم السماع وهو الأوّل، ننقل فيه الأقاويل المعربة عن المذاهب فيه، ثمّ نذكر الدليل على إباحته، ثمّ نردفه بالجواب عما تمسك به القائلون بتحريمه»، (الغزالي، ص1121).

وفي ما يلي أفكار نوردها في شكل نقاط، عمّا جاء في الفصل الذي خصصه الغزالي لآداب السماع والوجد:

* حالة الوجد ملازمة للسّماع

* يعرّف الغزالي الغناء فيقول: هو: «سماع صوت طيب موزون مفهوم المعنى، محرّك للقلب(...) ثمّ الطيّب ينقسم إلى الموزون وغيره، والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار وإلى غير المفهوم كأصوات الجمادات وسائر الحيوانات».

وهو تعريف -إذا جاز الحكم عليه- سليم، إذ يربط بين الغناء والموزون من الأصوات والكلام، وهو تعريف مستوحى من مؤلفات العلماء والمنظرين، يقول الفارابي في هذا المعنى: «(...) وكذلك النغم الملذة لما كانت إذا قُرنت بالأقاويل أصغى لها السامع إصغاءً أجود ودام على استماعها أكثر من غير ملال ولا ضجر»، (الفارابي، ص73).

والأهمّ من ذلك أنّه رغم موقعه الفقهي والمحيط الفقهي الذي يدور حوله بمواقف تستنقص من شرعيّة الممارسة الموسيقية، فهو لا يربط الغناء بالفسق أو بالباطل والسفاهة -كما جاء عند المذهب الشافعي الذي استشهد بموقفه- بل يصنّف الغناء حسب صفة الصوت، فإن كان طيبا، وبيّن في ذلك شروط الطيبة، فإنّه ليس بمحرّم. وهو يستدلّ على ذلك بنصوص صريحة وبالقياس كذلك. وبالتالي فإن الغزالي يفتح مجالا لتكامل الفقه والموسيقى كعلم وممارسة.

إذ يرى أنّه «مهما كان للسماع من تأثير في القلب فإنّنا لا نستطيع أن نحكم بإباحته أو تحريمه بشكل مطلق، لأنّ السّماع يختلف حسب الأحوال التي يُقال فيها ويختلف أيضا بحسب الأشخاص الذين يسمعون، كما يختلف أيضا باختلاف النغمات، فحكمه حكم ما في قلب السامع»، (فؤاد، فاطمة، ص 73).

نأتي في ختام هذا الطرح على تأثيرات هذا النهج الفكري (الفقهي) على طريقة الكتابة التاريخية للموسيقى العربية، فلا يجب أن يخفى أنّ رؤية الموسيقى من الزاوية الفقهيّة أثّرت في كتابات المؤرّخين المسلمين والعرب على مرّ القرون، وأبرز هؤلاء المتأثّرين: العلاّمة عبد الرحمان ابن خلدون. هذا الذي دوّن مقدّمته فنالت شهرة تجاوزت الحدود الفكرية المحلية ليصبح عملا عالميّا.

فلئن عدّ ابن خلدون الموسيقى هامّة لاستكمال صورة العمران البشري، وذلك بإدراجها ضمن الصّناعات، إلاّ أنّه لا يبعدها عن أحكام الآراء الفقهيّة السّائدة التي لا تعتبر الممارسة الموسيقية إلاّ نمطا من اللهو وملئ الفراغ ووسيلة من وسائل المساعدة على المجون والسكر. 

ومن هذا المنطلق لن تكون مكانة الموسيقي اجتماعيّا ذات بالٍ باعتبارها منقوصة من الجانب الديني، فما الممارسة الموسيقية بهذا المعنى إلاّ حلقة من سلسلة عناصر اللهو والمجون المحرّم:

صناعة الغناء «لا يطلبها إلاّ الفارغون عن سائر أحوالهم تفنّنا في مذاهب الملذوذات»، (ابن خلدون، 2004، ص514)، هنا يُطرح تساؤل جِدِّيّ: لماذا غلّب ابن خلدون الزاوية الفقهية لرؤيته المسألة الموسيقية؟ أهي تأثيرات تكوينه الديني الذي ينشأ عليه-عادة- جلّ مفكّري الإسلام؟ أم لموقف خاصّ من الموسيقى يندرج ضمن نظرية العمران البشري، باعتبارها (أي الموسيقى) لا تطلب إلاّ بعد الفراغ من الضروري والحاجي؟

في الحقيقة، السّببان هنا متكاملان، إذ لا مجال لخلق نظرية اجتماعية ينتفي فيها العامل الديني الذي ينظم الجماعات في أخلاقهم وتعاملاتهم. 

وما يمكن استخلاصه، هو أنّ ابن خلدون بقدر ما كان ينهل من موضوعية الغزالي بتوظيف العقل والمنطق في مختلف المسائل التي طرحها في المقدّمة، مثل العصبية والتربية والسياسة، وجدناه في نفس الوقت يبعد الموسيقى عن العمق النظريّ للعمران البشري برجوعه إلى الفكر الفقهي الذي اجتاح زمانه. 

فلا يخفى أنّ القرن الرابع والخامس عشر الميلاديّين عرفا اضطرابات في المستوى الفقهي خاصّة مع توطّد علاقة الصوفية مع الشعب.

مثلا في المغرب: «كان تأثير صوفيّة إقليم الريف على سكان البلاد البدو من القوة بحيث اضطرّ ثاني ملوك بني مرين في فاس، يوسف بن يعقوب(تولى الملك من سنة 1276م إلى سنة 1307م) إلى اتخاذ إجراءات لتجنّب إمكان قيام ثورة شعبية ضد سلطانه»، (بِلْ، ألفريد، 1987، ص390).

وفي تونس: «كان على السلطان الحفصي سنة 1313م أن يخمد فتنة صوفيّة قامت في الجنوب أثارها صوفيّ كان تلميذا لعبد الرحمان التسولي. وبعد ذلك بقرنين قام صوفيّ آخر كان رئيس الطريقة الشابيّة فاستولى على الحكم في القيروان ضد شارلكان سنة 1535م وضد الحسن الحفصي في سنة 1540م»، (بِلْ، ألفريد، 1987، ص391).

ولا بدّ أن يكون ابن خلدون قد انخرط في المنظومة الفكرية الدينية السائدة في عصره بما فيها من اضطرابات، وإلاّ ما وجدنا عالما مثل الحسن الكاتب يقول-وهو سابق لابن خلدون (من الثاني عشر ميلادي) أنّ: «من الناس من يجهل قدر الانتفاع بالألحان ويظنّ أنّ ذلك هو ما حرّك النفس وأساغ الشراب ولذة السمع»، (الكاتب، 1975، ص.22).

في نفس هذا الإطار، أكّد الباحث علي أومليل، أنّ ابن خلدون كان أكبر المتأثّرين بعلم الأصول (وهو الذي كان يدرّسه بمصر على طريقة قال عنها تلميذه السخاوي، أنّها تخالف ما كان شائعا لدى معاصريه)، (أومليل، 2005، ص80)، حتّى أنّه كان يستعمل مصطلحات هذا العلم الشرعي عندما كان ينقد «التّقليد» والنّقل الأعمى عن أئمّة التّاريخ العربي والإسلامي. وهو ما يؤكّد أنّ «نموذج التعليم الدّيني كان مهيمنا على مجموع نماذج الثقافة»، (أومليل، 2005، ص79).

تدفعنا هذه الورقة في نهاية الأمر إلى الاستمرار في طرح السؤال التالي: ما مدى استجابة المنظرين الموسيقيين القُدامى للنهج الفقهي؟ وهل أثّر هذا النّهج في المادّة التّأريخية للموسيقى العربيّة؟ تلك هي الأسئلة المهمّة التي يتعيّن الوقوف عليها وتجديد البحث فيها من وجهة نظر العلوم الموسيقية المعاصرة بتقفّي منهج الكتابة التاريخية عموما.