هل كُتب علينا نحن الناطقين بلغة الضاد، أن نظل أسرى لتلك الحلقات الجهنمية ــ الموصومة بحالة اللا أفكار واللا منطق بل واللا حياة، في مفهموما الإنساني الآدمي البسيط الذي يليق بالحد الأدنى لعقول البشر ــ وأصحابها الذين يزعمون أنهم فقط وليس غيرهم أهل الفقه والشرع؟
وها هم يصولون ويجولون بأصواتهم الزاعقة وأسانيدهم التي عفا عليها الزمن، وطالما أنهم لا يتحدثون في السياسة وأهلها، فلهم مطلق الحرية باختراق كل الأركان والزوايا ومعها دواليب العمل بالمصالح عامة وخاصة، وفي وسائل النقل تحت وفوق الأرض ينشرون أبطاليهم وتعاليمهم التي أن لم تكون مسمومة متحجرة فهي على الأقل تجاوزها العصر، ومع العنوان العريض الذي هو «لا حرج في الدين»، يبيحون لأنفسهم التطفل علي دواخل وحيوات الناس دون أن يطلب منهم ذلك، والكارثة أن تجدهم وكأنهم نجوم على شاشات التلفاز المدعومة من الدولة التي يفترض وفقا للدستور أنها مدنية؟
وبما أننا أصابنا الضجر من هذا الغث الذي وصل بنا إلى منتهاه، فالسؤال متى نفك هذه الأغلال ونتحرر من هذا الحصار الهائل الذي يحيطوننا به، من كل صوب وحدب وعلي مدار الساعة لا يفارقنا ليلا نهار، بفضل تلك الفوبيا المسماة السوشيال ميديا ومنصاتها التي تضخ سيولا من التفاسير (المسندة وغير المسندة لا يهم) ظاهرها الإرشاد والتوعية والنصح للطريق المستقيم والرفق بالعباد حتى لا يقعون فرسية للمزالق والسقوط في الفواحش لا سمح الله؟
غير أنها في الحقيقية تعكس عوالم غامضة وضبابية من فرط ما يُسبغ عليها من أساطير الأولين، إذ لا يمكن للعقل أن يستسيغها وبالتالي يتقبلها، يعزز ذلك استغلالها لأفئدة البسطاء قليلي الحيلة والتعلم من العطشي في الوقت ذاته لمرفأ روحاني يعوضهم عن ما يلاقوه من مشقة في حياتهم اليومية على أمل بلوغ الجنة ونعيمها، لكنهم في المقابل -وخشية من القبر ونيرانه التي هي وقودها الناس والحجارة- يقدمون طواعية أدمغتهم لقمة سائغة في أفواه مدعي التقوى يشكلونها وفق ما يريدون!
وآخر هذه الافتكاسات القديمة الجديدة معا، تلك الفتاوى التي لا نهاية لها وأجوبتها هي نفسها المعادة والمكررة بإصرار بلا أي إضافة أو نقصان، ومنها هذه الفتوى العجيبة المريبة في آن، التي حرّمت دفن الرجل بجوار المرأة حتى لو كانت زوجته، انطلاقا من أنه حرام شرعا مواراة الذكر الثري بجوار أنثى، فالأصل أن يدفن كل ميت في قبر مستقل، أما دفن الرجال والنساء في مكان واحد، فلا ينبغي إلا في حالات الضرورة القصوى والمعتبرة شرعاً، شريطة أن يشيد بينهما حاجز من تراب.
يا لطيف اللطف ارحمنا برحمتك الواسعة، فمن يتحدثون باسمك يقولون «دفن الرجل بجوار المرأة أو العكس بلا ضرورة هو المكروه بعينه طبقا للراجح من أقوال أهل العلم»! وطالما الأمر بهذا السخف هل سينطبق على الصبي والصبية والرضيع والرضيعة!
اذن فهؤلاء الذين شيدوا المقابر الفخيمة لا غبار عليهم ولا يجب أن يلاموا، لأنهم التزموا بما استقر عليه أهل الفتوي، بحجرتين واحدة للحريم وأخرى للرجال ولا بأس إن كانت بينهم ردهة وممر، لمزيد من الاحتشام والورع ومراعاة الآداب في حين كان يكفي الواحد من أصحابها حفرة مساحتها 3 أمتار، ثم يسجى فيها حين يأتيه الأجل وبعدها ينهال عليه التراب ليبقى بين يدي المولى عز وجل!
والسؤال الآن بأي حجة علمية ونصية عليها ارتكنوا؟ وأين هي الأيات البيانات التي أخذوا منها نهجهم التحريمي القاطع الذي ذهب له الجنوح إلى ما هو أبعد من الخيال ليبلغ ذروة العبث؟
وإذا حدث ونزل ملاك الموت وسدت كل البدائل ولم يعد هناك مفر، فلا مناص من دفن الرجل بجوار المرأة في حفرة واحدة، ولأن الضرورات تبيح المحظورات فلا باس إذن من الرضوخ ودفنهما معا لكن بشرط لا يمكن تجاوزه وهو أن يتم وضع الرجل في الأمام علي أن تأتي السيدة المتوفاة خلفه ويجعل بينهما حاجز من تراب هكذا ذهب العمراني الشافعي، وعبدالله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، والعلامة الحطاب المالكي، وابن قدامة الحنبلي، والرملي الشافعي، والبهوتي الحنبلي والإمام الشافعي إلى آخره من الأئمة والمشايخ.
المرأة إذن يا سادة هي بيت القصيد، موطن الشرور، فحتى وهي في قبرها ستكون مصدر فتنة، وإلا بماذا نفسر الحاجز الرملي وأن تبقى في الخلف لا تتقدم الصفوف وتلك دلالالة أخري على المكانة التي يجب أن تظل فيها حية أو ميتة!