بعد أن أصابت صدمات التضخم مختلف دول العالم، أصبحت هناك مخاوف كبيرة على مستقبل الاقتصاد العالمي ومعه اقتصاديات الدول النامية والشعوب الفقيرة التي باتت في مهب الريح باعتبارها الفئة الأكثر تضررا من توابع هذا التضخم، والذي أربك بدوره السوق العالمية وتسبب في تراجع الأسهم بالأسواق الأوروبية والأسيوية.
لقد سجلت المؤشرات الرقمية معدلات غير مسبوقة من التضخم في بعض المناطق من العالم منذ عقود طويلة، حيث بلغ معدل التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية 8.6% وفي دول الاتحاد الأوروبي 8.1%.
كما ارتفع معدل التضخم فى بريطانيا إلى 10٪ تقريبًا، وهو معدل لم تصل إليه منذ 1982.
وعلى الصعيد العربي سجلت مؤشرات التضخم في المملكة العربية السعودية2.1%. وفي مصر أعلن مؤخرا الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع معدل التضخم السنوي في مايو الماضي إلى 15.3% وذلك مقارنة بـ4.9% في شهر مايو 2021.
أسعار الخضراوات والفاكهة في سوق مصرية
كما أوضحت المؤشرات إلى ارتفاع معدل التضخم على أساس شهري خلال مايو 2022 بنسبة 0.9%، مقارنة بشهر إبريل 2022.
وحلت مصر في الترتيب التاسع بقائمة صندوق النقد الصادرة في شهر إبريل بشأن توقعات التضخم بمنطقة الشرق الأوسط، وذلك خلال العام المالى الجارى، بينما جاءت فى المركز الثاني عشر في قائمة البنك الدولى.
كما سجلت تقديرات الصندوق عن دول عربية أخرى أوضاعا أشد خطورة من حيث معدلات التضخم منها تونس والجزائر، حيث رجح صندوق النقد أن يرتفع مؤشر التضخم في تونس إلى %7.7 هذا العام 2022 مقابل %5.7 عام 2021.
واحتلت الجزائر المركز الحادي عشر بنفس القائمة بمعدل تضخم متوقع نسبته %8.7 فى عام 2022 مقابل %7.2 العام الماضى.
ويبدو الوضع الاقتصادي في دولة الإمارات هو الأفضل من حيث مستويات التضخم حيث سجلت المؤشرات فيها نسبة تضخم بلغت 3.35%، وارتفع الرقم القياسي لأسعار المستهلك إلى 102.7 نقطة في الربع الأول من العام الجاري، مقارنة بـ99.37 نقطة في الربع نفسه من العام الماضي وهو ما يعني أن التضخم في الدولة لايزال بمنأى عن الارتفاعات الكبيرة التي تجتاح معظم الاقتصادات حول العالم خلال الفترة الأخيرة.
وأفاد المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء بأن معدل التضخم في الإمارات ضمن أقل المعدلات عالمياً، في الربع الأول من العام الجاري.
منعطف اقتصادي خطير
ويمر العالم بمنعطف اقتصادي خطير يثير حالة من القلق بسبب المخاوف المحتملة من توابع ضربات التضخم في مختلف الأنحاء بينما يعلق بالأذهان الذكريات المخيفة للكساد الكبير الذي شهده الاقتصاد العالمي في ثلاثينيات القرن الماضي، لاسيما في ظل التصريحات المخيفة من المؤسسات الاقتصادية الكبرى في العالم.
وكان منها على سبيل المثال تصريحات كريستين لاجارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي، والتي تتوقع موجة عالمية من التضخم.
وفي بريطانيا أبدى محافظ البنك المركزي قلقا كبيرا في كلمته أمام مجلس العموم من التضخم الذي ضرب البلاد والارتفاع الجنوني فى أسعار السلع الغذائية وقال إنه يشعر بالعجز أمام هذا الوضع.
كما كشفت تقارير المؤسسات الاقتصادية الدولية عن مخاوف من تفاقم مخاطر الركود خاصة في ظل تعطل الأنشطة والاستثمار بسبب الأزمة الأوكرانية، وما يصاحبها من تباطؤ في معدلات النمو وارتفاع نسبة البطالة.
حول الأسباب الكامنة وراء استفحال ظاهرة الضخم في العالم، قالت الدكتورة ضحى عبدالحميد الخبيرة الدولية في متابعة وتقييم التنمية وأستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة - في تصريحات إلى «سفن إي نيوز» - إن التضخم يأتي نتيجة عدم الوصول لنقطة تعادل ما بين العرض والطلب في السلع والخدمات مما يؤدي إلى رفع الأسعار.
دكتورة ضحى عبد الحميد
وأضافت: «بدأت موجات التضخم في العالم مع انتشار كوفيد واستمرار التداعيات الناتجة عنه وما أعقبها من ظهور أوبئة من نوع آخر مثل جدري القرود وتحورات أوميكرون 4 و5 ولا نعرف ما الذي يأتي بعد ذلك، وأحداث ساخنة كالحرب الأوكرانية».
وتابعت: «ومن ثم فإن التضخم هذه المرة ليس ارتفاعا في الأسعار فقط، وإنما تصاحبه حالة ركود تضخمي لأن هناك ضعفا في سلاسل الإمداد وفي التجارة والإنتاج والاقتصاد العالمي بوجه عام وطبقا للأرقام الموجودة منذ ظهور كوفيد وحتى الآن، وضعف التجارة، هناك توقع مستقبلي بعدم بلوغ أهداف التنمية المستدامة الدولية الأممية في 2030، بمعنى تأجيل الوصول إليها نتيجة لزيادة الفقر والجوع والتأثير على الموارد الطبيعية من نقص مياه وما تحتويه من ثروات ومن ثم نتوقع أننا مقبلون على الدخول في مرحلة ركود تضخمي».
وأوردت أن هناك موجات مقبلة متوقعة من التضخم وهو أمر لاحظناه مع كل موجة من موجات كوفيد وفي أعقاب أحداث معينة، وكلما اقترب الاقتصاد العالمي من التعافي يصطدم بموجة تضخمية جديدة بمساعدة عوامل متتابعة منها الحرب الأوكرانية وصدمات الدولار والروبل والنقد الأجنبي، حتى بالنسبة لمصر فيما يتعلق بالنقد الأجنبي من نقص للموارد الدولارية وأثر ذلك على السياحة وقناة السويس وغيرها من الأنشطة الاقتصادية وكلها موجات متتابعة.
ولفتت إلى أن هناك سوابق تاريخية لهذا التضخم كانت تحدث في أعقاب الحروب وتتحول إلى ركود تضخمي فلا يستطيع المنحنى الاقتصادي بالدوران لأعلى للعودة. وأشهر حدث من هذا النوع، يعلق دائما في أذهان الاقتصاديين هو أحداث الركود الكبير في ثلاثينات القرن الماضي، عندما حدث انهيار للاقتصاد العالمي، وجلس قادة العالم على الطاولة في محاولة للوصول إلى كيفية الخروج من ذلك النفق المظلم، الذي أنشئ في أعقابه مؤسسات اقتصادية دولية منها، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها من المؤسسات المتخصصة التي يتبع بعضها الأمم المتحدة.
ونوه بأنه عادة يحدث بعد انهيارات اقتصادية عالمية أن يعاد تشكيل وجه الاقتصاد العالمي من خلال نظام عالمي جديد، وعلى ما يبدو أننا نسير الآن نحو نفس النقطة التاريخية وهي أننا على أعتاب نظام عالمي جديد بما يعني انهيار النظام السابق عليه بمؤسساته ليعاد تكوينه بمنظمات جديدة مرة أخرى.
وتمنت أن يكون للأفضل لأنه في النظام القديم عندما وضعته الدول حاولت الهيمنة على صنع القرار من خلال حق الفيتو وهو ما أوصلنا لهذا الوضع خاصة في الحرب الروسية الأوكرانية والتي شهدت تناطحا بين دول مثل روسيا وأمريكا والصين بينما نجد دول العالم الأخرى تائهة بينهم تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه وإنقاذ شعوبها والتغلب على مشكلاتها.
وعن أثر حالة التضخم العالمي على المنطقة العربية أشارت إلى أن الآثار التي سببها كوفيد، قد أدت إلى إنهاك وحدوث تجمد في الاقتصادات وصارت الأزمة عنيفة وممتدة وغير معلومة النهاية بعد اندلاع الحرب الأوكرانية.
وأردفت أن منطقتنا العربية تعرضت لبعض التداعيات خاصة وأنها منطقة كلاسيكية للثروات والنفوذ والاستغلال والاستعمار منذ القدم، باعتبارها من أغنى مناطق العالم في كل شئ من موارد بشرية وطبيعية ونقد وطاقة، ولكن مع إدراك الشعوب والخبراء الذي قدموا نصحهم بأمانة للقيادات وتشاركوا معا في محاولة للخروج من الأزمة، وقد أدركت مصر والدول العربية التحدي وأهمية الحاجة للحفاظ على الأمن القومي مبكرا منذ بدايات كوفيد.
وجددت الإشارة إلى ضرورة الحذر من التداعيات الصحية التي انعكست بالسلب على القوى البشرية المنتجة والتي تسهم بدورها في زيادة العرض مقابل الطلب بما يساعد في ضبط الأسعار، ونحن في مصر لم نتوقف عن الإنتاج على عكس الكثيرين في العالم، ونجحت القيادة في وضع باقات تحفيزية والدخول في تحالفات منها تحالفات بين مصر والسعودية والإمارات وكذلك ما بين مصر والأردن والعراق ولبنان كما تحاول مصر تفعيل اتفاقية أغادير وكذلك اتفاقية الاتحاد الإفريقي.
وعن مؤشرات التضخم حول العالم، قال الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور حسني الخولي - في تصريحات إلى «سفن إي نيوز»، إن أرقام ومؤشرات التضخم تختلف بين مناطق ودول العالم ويتحكم في ذلك ظروف عديدة منها مدى تأثر الدولة والمنطقة بالحرب الدائرة ومدى الاستفادة والضرر، فمثلاً بلغ معدل التضخم في تركيا 73.5% بعد الحرب الأوكرانية في حين بلغ 2.1% في السعودية، بينما وصل معدل التضخم في أمريكا إلى 8.6% وفي دول الاتحاد الأوروبي بلغ 8.1%, وتلك الأرقام غير مسبوقة منذ ما يزيد على 4 عقود من الزمن.
دكتور حسني الخولي
وعن مدى تأثير الحرب الروسية الأوكرانية في موجات التضخم العالمية الحالية، قال الخولي: لقد وضعت هذه الحرب الاقتصاد العالمي على صفيح ساخن، ويرى البنك الدولي في تقريره الأخير في يونيو 2022 عن الآفاق الاقتصادية العالمية أن هناك احتمالات كبيرة لارتفاع مخاطر الركود التضخمي و التباطؤ الحاد في وتيرة النمو العالمي نتيجة الحرب في أوكرانيا والتي تسببت في ارتفاع معدلات التضخم وتشديد الأوضاع المالية، وصار من المتوقع أن يتراجع النمو العالمي من 5.7% في عام 2021 إلى 2.9% في عام 2022.
وأشار الخولي، إلى عوامل أخرى تسهم في حدوث التضخم منها ارتفاع المعروض من النقد وزيادة الضرائب وارتفاع تكاليف المواد / الأجور وتخفيض قيمة العملة المحلية بالإضافة إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة الأرباح على المنتجات.
وبناء على ذلك تختلف أنواع التضخم فمنها التضخم الناتج عن زيادة التكاليف أو المخالفات الاقتصادية أو الحصار الاقتصادي وزيادة الطلب مع قلة المعروض.
أسعار الخضراوات في مصر
ولفت إلى أن أغلب القطاعات إن لم تكن كلها قد تأثرت بموجة التضخم الأخيرة، وعلى رأسها المواد الغذائية والأساسية وأسعار المحروقات والتي شهدت ارتفاعا كبيرا في الآونة الأخيرة.
وواصل أن هذا العام فقط، شهد ارتفاعا في أسعار الزيوت بنسبة 45% والحبوب 41% والخضروات 33% والأسماك 30% ومن ثم فإن اتباع السياسات الاقتصادية بالدفع نحو مزيد من الإنتاج يكون الحل الأفضل لمعالجة التضخم لأن السياسات النقدية وحدها لا تكفي.
واستطرد الخولي، أن الدولة تهتم بالنمو الاقتصادي من خلال مجموعة من السياسات التي تحقق أهداف الخطط الاقتصادية، وبالتالي تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر كمنظم للتأثير على الإنتاج والاستثمار والاستهلاك والأجور والأسعار والواردات وغيرها، وذلك عن طريق السياسة النقدية أو المالية، وعادة ما تتداخل السياستان في إدارة الاقتصاد ومواجهة مثل هذه الأزمات.
واسترسل أن السياسة النقدية تتخذ غالبا من قبل البنوك المركزية وترتبط بالتأثير على حجم المعروض من الأموال المتداولة من خلال بعض سياسات التوسع أو التشديد النقدي ومنها مثلاً زيادة معدلات الفائدة لتقليل المعروض من النقد أو العكس لزيادته، وهناك أيضا زيادة الاحتياطي الإلزامي المفروض على البنوك لتقليل المعروض من النقد والعكس لزيادته.
التضخم في مصر
ونوه بأن السياسة المالية هي في الغالب تتخذ من قبل الحكومة وتعتمد على تغيير معدلات الضرائب والجمارك والرسوم من أجل التأثير على الطلب ومنها على سبيل المثال فرض وزيادة ضرائب القيمة المضافة وتخفيضها، وتختلف في حالات الرواج عن حالات الركود الاقتصادي، وزيادة وتخفيض الإنفاق الحكومي.
وحول أولوية التطبيق لمواجهة التضخم لفت الخولي إلى أن السياسات النقدية تعتبر الأسرع في التنفيذ فمن الممكن أن يتم تغيير سعر الفائدة مثلاً كل شهر وهذا ما يصعب أدائه بالنسبة للسياسات المالية التي تتطلب الاستقرار وتناسب الفترات طويلة الأجل.
من ناحيته، قال الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي المصري، إن ما يحدث في العالم من قرارات اقتصادية ينعكس بشكل ملحوظ ومؤثر على اقتصاديات وأوضاع الدول الأخرى خاصة الدول المستوردة.
وأشار إلى إن قرار البنك المركزي الأمريكي، رفع سعر الفائدة القياسي بمقدار 75 نقطة، سيؤثر تأثيرًا سلبيًا على كل الدول المستهلكة للبترول بسبب عدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك ومع استمرار الفجوة بينهما نتوقع ارتفاعا جديدا في أسعار السلع والمنتجات في السوق المصرية خلال الفترة المقبلة.
التضخم في مصر
ونوه بالتأثير الكبير للحرب الأوكرانية الروسية على تردي الأوضاع الاقتصادية في العالم وخاصة في الدول النامية والمناطق الفقيرة.
وشدد على أهمية تشجيع الإنتاج لتحقيق زيادة فيه تحدث توازنا بين العرض والطلب بما يسهم في خفض الأسعار وبالتالي تراجع معدلات التضخم.