يحتفي العالم اليوم بالذكرى الـ94 على ميلاد المناضل الثوري، أرنستو تشي جيفارا، الذي ولد في 14 يونيو عام 1928، فأصبح الرمز السياسي الأكثر شهرة وحضورا في أذهان العالم، أيقونة النضال الاشتراكي الذي انتشر في العديد من بلدان العالم في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو أيضا الطبيب والكاتب وزعيم حرب عصابات والقائد العسكري ورجل الدولة والشخصية الرئيسة فى الثورة الكوبية.
وُلد إرنستو تشي جيفارا دي لا سيرنا، في روساريو، الأرجنتين، في عائلةٍ من الطبقة المتوسطة وعانى الربو في شبابه، لكنه كان لا يزال قادرًا على اعتبار نفسه رياضيًّا.
كما تشرّب الرؤى السياسية اليسارية لأسرته وأصدقائه، وأصبح خلال فترة مراهقته ناشطًا سياسيًا، وانضم إلى جماعةٍ عارضت حكومة خوان بيرون.
جيفارا
بعد تخرجه في المدرسة الثانوية مع مرتبة الشرف، درس جيفارا الطب في جامعة بوينس آيرس، ولكن في عام 1951 غادر الكلية للتجوال في جميع أنحاء أمريكا الجنوبية مع صديقٍ له.
وكان لظروف المعيشة السيئة التي شهدها في رحلتهما التي استمرت 9 أشهر أثرٌ عميق على جيفارا، فعاد إلى كلية الطب في العام التالي، وكانت نيته توفير الرعاية للمحتاجين. حصل على الشهادة في عام 1953.
قرر تشي التخلي عن الطب مع ازدياد اهتمامه بالماركسية، معتقدًا أن الثورة فقط يمكن أن تحقق العدالة لشعب أمريكا الجنوبية.
في عام 1953 سافر إلى جواتيمالا، حيث شهد الإطاحة بحكومتها اليسارية بدعمٍ من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، الأمر الذي عمل على تعزيز قناعاته.
بحلول عام 1955، كان جيفارا متزوجًا ويعيش في المكسيك، حيث التقى الثوري الكوبي فيديل كاسترو وشقيقه راؤول، اللذان كانا يخططان للإطاحة بحكومة فولجينسيو باتيستا، عندما نزلت قواتهما المسلحة المعدودة في كوبا في 2 ديسمبر 1956، كان جيفارا معهم وبين القلة التي نجت من الهجوم الأول.
تشي جيفارا
على مدى السنوات القليلة التالية، أصبح تشي مستشارا رئيسيا لكاسترو وقائدًا لقوات العصابات المتنامية في هجماتها على نظام باتيستا المنهار.
وفي يناير 1959 سيطر فيدل كاسترو على كوبا وعيّن جيفارا مسؤولًا عن سجن لاكابانيا، حيث يقدر أن مئات الأشخاص أعدموا بأوامر جيفارا غير القضائية.
كما عيّن في وقتٍ لاحق رئيسًا للبنك الوطني ووزيرًا للصناعة، وقام بالكثير لتحويل البلاد إلى دولةٍ شيوعية.
وفي أوائل الستينيات، عمل غيفارا أيضًا سفيرًا لكوبا بعد حصوله على الجنسية في 9 فبراير، وجاب العالم بنية إقامة علاقاتٍ مع دول أخرى، وعلى الأخص الاتحاد السوفيتي.
كما أصدر كتيبًا حول حرب العصابات، وفي عام 1964 ألقى خطابًا أمام الأمم المتحدة أدان فيه السياسة الخارجية الأمريكية والفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
«علموا أولادكم أن الأنثى هي الرفيقة، هي الوطن، هي الحياة».
تزوج تشي جيفارا مرتين، الأولى من هيلدا جاديا أكوستا، ورُزقا بابنةٍ تُدعى هيلدا بياتريز جيفارا جاديا (هيلديتا) في 15 فبراير 1956، ولكن سرعان ما انهار زواجهما.
وتعرف على رفيقة كفاحه إليدا مارش، في أثناء النضال الكوبي عام 1955 واشتركا معا في الإعداد للثورة الكوبية وتزوجا، وأنجب منها أربعة أطفال وحملت بنته الكبرى اسم أمها وبعض صفاتها أيضاً.
وذكرت إليدا الأم بعض ملامح قصة حياتها مع جيفارا في عدد من الحوارات، وذكرت أن هدية زواجها لم تكن سوى زجاجة عطر أما باقي الهدايات التي قدمت قام جيفارا بإهدائها إلى بعض الفقراء الكوبيين، كما قالت إنه لم يحضر ولادة أي من أطفاله، وكان يزور البيت على أنه صديق للعائلة منعا للقبض عليه قبل أن يغادر إلى بوليفيا.
شعار تشي جيفارا
هي ابنته الكبيرة التي لم رأت أبيها لأخر مرة في عمر السابعة، ولكن اعتاد أبيها جيفارا، على إرسال الرسائل لها، فقد كتب لها ذات مرة: «أكتب لك اليوم، ولو أن الرسالة ستصلك متأخرة بما فيه الكفاية، أود أن تعلمي أني أفكر بك وآمل أن تمضي عيدا سعيدا، لقد كدت تصيرين امرأة، ولم أقدر أن أكتب لك كما يكتبون للأطفال إذ يسردون لهم الحماقات والقصص».
وذكرت في إحدى حواراتها أن أخر مرة رأت فيها أبيها في عمر السابعة، وبرغم سنها الصغير إلا أنها ما زالت تحمل في ذاكرتها بعض المشاهد والذكريات الجميلة، وكانت أخر صورة تحتفظ بها له في ذهنها تتجسد في رجل طويل يرتدي الملابس العسكرية ويعاملهم بحنان كبير، وكان ذلك قبل وفاته بأيام قليلة، وهو في طريقه إلى بوليفيا، مضيفة «كنت التقي به دون أن أعرف أن هذا الشخص هو أبي فقد كان يقدم نفسه إلينا على أنه صديق حميم لوالدي».
بحلول عام 1965، حينما كان الاقتصاد الكوبي في حالة يرثى لها، ترك جيفارا منصبه ليعمل على تصدير إيديولوجيته الثورية إلى أجزاءٍ أخرى من العالم.
سافر أولًا إلى الكونغو لتدريب القوات في حرب العصابات دعمًا لثورة هناك، لكنه غادرها في نفس العام عندما فشلت.
«الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات.. كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقا صغيرا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود».
في 9 أكتوبر 1967 رحل جيفارا مات المناضل الهمام وجاءت قصة رحيله كما ذكرها كتاب «جيفارا.. قديس الثورة.. وأمير الثوار» للكاتب عصام عبد الفتاح، بدأت في أبريل عام 1967، عندما ألقي القبض على المفكر الماركسي الفرنسي ريجيس دوبريه، وتم اتهامه بالتعاون مع جيفارا وأنصاره، وسجنه وتعذيبه لتنتزع المخابرات الأمريكية، منه اعترافا بمكان جيفارا، وتحت قسوة التعذيب يعترف دوبريه بمكان جيفارا ببوليفيا.
وحينها انتشر الجنود لمتشيط المنطقة بحثا عن فريستهم ومن معه، كانوا أربعين رجلا ضعفاء وجائعين، وهم آخر ما تبقى له من أنصار، وكانوا في هذه اللحظة متفرقين عن بعضهم في الأدغال.
مجسم لـ جيفارا
وبعد فترة قصيرة، أعلن رئيس الجمهورية البوليفية الجنرال رونيه بارينتوس بأنه واثق هذه المرة من القبض على جيفارا حيا أو ميتا، ولم يكن يعتمد بارينتوس مطاردته على رجاله وحدهم، بل جند بعض رجال العصابات الذين تخلوا عن جيفارا وحاولوا الكشف عن مكانه، بل كان يعتمد على قوات متخصصة في حرب العصابات، والتصدي للثوار بوسائل علمية مدروسة.
في يوم 8 أكتوبر، وفي إحدى الوديان الضيفة هاجمت قوات الجيش البوليفي، المكونة من 1500 فرد، مجموعة جيفارا وعددها 16 رجلا، وظلت المعركة لمدة 6 ساعات، راح فيها كل رجال جيفارا، وتم القبض عليه بعد أن فرغ مسدسه تماما، ولم يكن معه أية أسلحة أخرى.