عن عمر يناهز 98 عاماً رحل الكاتب والفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي، في مثل هذا اليوم من عام 2012.
ولد جارودي في فرنسا لأم كاثوليكية وأب مُلحد، وقد اعتنق هو البروتستانتية بعد بلوغ الرابعة عشرة، درس في جامعة مارسيليا وجامعة إيكس أون بروفانس ثم انضم إلى صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي.
روجيه جارودي
عام 1937 عُيِّن جارودي أستاذاً للفلسفة في مدرسة الليسيه، ولكن خلال الحرب العالمية الثانية كان أسير حرب لفرنسا بالجزائر في الفترة بين 1940 حتى 1942، وفي عام 1945 شهدت حياة جارودي تغيراً كبيراً بعد أن تم انتخابه نائباً بالبرلمان، وبعدها بعام واحد صدر أول مؤلفاته، ثم حصل على درجة الدكتوراة الأولى في النظرية المادية في المعرفة عام 1953 من جامعة السوربون، وبعدها دكتوراة ثانية في الحرية من جامعة موسكو عام 1954.
تعرض جارودي للطرد من الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1970 بسبب انتقاداته للاتحاد السوفيتي، ليبدأ بعدها مرحلة جديدة في حياته بتأسيس مركز الدراسات والبحوث الماركسية وكان مديراً له لمدة عشر سنوات.
انجذب للدين وحاول أن يجمع بين الكاثوليكية والشيوعية، وخلال هذه الفترة بدأ يميل إلى الإسلام، حتى حانت لحظة جديدة فارقة في حياة جارودي تحديدا يوم 2 يوليو 1982 حين أشهر إسلامه في المركز الإسلامي في جنيف.
جارودي
كتب عن الإسلام في كتابيه «وعود الإسلام» و«الإسلام يسكن مستقبلنا»، هذه الكتب التي اشتهرت بين شعوب الوطن العربي وكذلك الشعوب الإسلامية حول العالم، فأصبح ضيفاً محبوباً وحاضراً في الندوات والمؤتمرات، ولكن لاقى رفض بل وكراهية البعض حينما شعروا بأنه ليس بالصورة التي أرادوا أن يكون عليها بعد اعتناق الإسلام حين رفض تيارات الفكر الإسلامي آنذاك وأكد أن اعتناقه للإسلام لا يعني تخليه عن جوهر وفكر المسيحية.
ونتيجة هذا الرفض والهجوم الذي تعرض له من البعض لدرجة قاموا معها بتكفيره، فقرر أخيراً الانسحاب بتجربته الدينية ولم ينغمس بين مجتمعات لا تعي فلسفته.
انتقل بعد ذلك إلى مدينة قرطبة الإسبانية التي أنشأ فيها متحفاً يؤرخ لتراث الأندلس ويروي تجربة التعايش النادرة بين أتباع الديانات السماوية فيها.
الجدير بالذكر أن سبب اعتناق جارودي للإسلام يعود إلى عام 1941 حين كان سجيناً في الجزائر برفقة 500 مناضل قاموا بعصيان في السجن، فأمر قائد السجن حاملي الرشاشات الذين كانوا من الجزائريين المسلمين أن يطلقوا النار على السجناء، فرفضوا تماماً.
الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي
لم يع جارودي سبب رفضهم ولكن أخبره قائد جزائري مسلم بعد ذلك بالسبب هو أن شرف المحارب المسلم يمنعه أن يطلق النار على إنسان أعزل.
كان هذا التفسير سبباً في التعرف على قيمة إنسانية إسلامية قال عنها: كان أول مرة أتعرف فيها على الإسلام، لم أُسلِم بمحض الصدفة بل بعد معاناة وبحث ورحلة طويلة، كما وجد أن قيم العدالة الاجتماعية التي طالما آمن بها في الحزب الشيوعي تنسجم مع مفاهيم الإسلام وتعاليمه.
نال جارودي جائزة الملك فيصل العالمية عام 1985 عن خدمة الإسلام في كتابيه «وعود الإسلام» و«الإسلام يسكن مستقبلنا»، بالإضافة إلى دفاعه عن القضية الفلسطينية.
كما حصل على الدكتوراه الفخرية في تركيا عام 1995.