د. الزبير مهداد

مخاطر خطاب التأثيم

إن الخطاب الذي يُحقّر الدنيا، يُبخسُ الحياة الدنيوية، ويقمع الطموح الفردي، ويقتل كل رغبة أو تفكير في الارتقاء بالوضع الاجتماعي والمالي، ويُرسخ سلبية الفرد، ويُقيم حواجز بينه وبين المشاركة الاجتماعية، مستغلا العاطفة الدينية للتأثير على الشباب المتحمس، الذي تعول عليه الأمة في تحقيق تقدمها، وإخراجها من دائرة التخلف البغيضة.

فخطاب بعض الوعاظ ينسف كل خطط التنمية الوطنية ويحرض على مقاطعتها، ويزهد في الاشتراك فيها، ويتعارض مع دعوة الأديان إلى العناية بالحياة الإنسانية والارتقاء بها، بتلبية حاجاتها وتطوير الذات، وتحقيق الرفاه والرخاء. يرسخ كراهية الدنيا ويبخس الحياة الدنيوية، ويحرم الاستمتاع بمتع الحياة، هو خطاب تأثيمي يولد الشعور بالإثم والندم لدى الناس كلما تبسموا أو استمتعوا بشيء مهما كان بسيطا، وهذا التأثيم هو الذي يفتح الباب واسعا أمام الانتحار والموت. فالناس من وجهة نظر هذا الخطاب مشبوهون مذنبون ما لم يثبتوا براءتهم بالتضحية بحياتهم، سواء بالموت أو بالانسحاب من بهجها المدنسة والتخلي عنها.

فأول طريق لغرس النزعة الانتحارية في نفوس الشباب، هو دفعهم لكراهية الحياة الدنيوية المدنسة القبيحة وحب الموت المفضي إلى عالم المثال والطهر ممثلا في الجنة. الخطاب الذي كل همه رصد آثام الأفراد وتدنيس العادات والأعراف الاجتماعية، هو خطاب تأثيمي، لا علاقة له بالإصلاح والتوجيه ولا يسعى لتحقيقه.

إن تأثيم السلوك اليومي للناس، وتهديدهم بعذاب جهنم، وتكفير المجتمع، والتشديد على العباد، يضخم الميل إلى التحوط، والناس البسطاء فاقدو الحصانة الفكرية، يتقبلونه بسهولة، ظنا منهم أنه الدين، فيحرمون أنفسهم من التمتع بالخيرات والاستفادة من فرص الارتقاء الاجتماعي، بل ويختلقون شبهات أخرى جديدة تستدعي مزيدا من الاحتياطات للنجاة في الآخرة من العذاب الذي يصفه الوعاظ.

قال سعيد ناشد الباحث في حركات الإسلام السياسي في أحد مقالاته: إن التخويف من العقاب الإلهي، يكبح الإقبال على الحياة، فيزداد الحذر من كل العادات والأعراف الاجتماعية، ومن مناشط الحياة اليومية، ويخلق شعورا بالقلق تجاه هذا التدين لدى الذين يعانون الهشاشة الروحية بسبب نشأتهم وسط ثقافة لم تشجعهم على استعمال عقولهم والاحتكام لضمائرهم والإنصات لحدوسهم الداخلية ومعرفة قناعاتهم الخاصة.

إن الإنسان خطاء بطبعه، وهو ما يترجمه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أخرجه مسلم في كتاب التوبة، يقول صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"؛ لأن ذنب العباد هو من قضاء الله الذي خلقهم على هذه الطبيعة، قابلين للخطأ، فسبق بقضائه وعلمه أن عباده يذنبون، فيتوب على من تاب، ويغفر ويعفو ويرحم.

فالتوبة تمحو الذنوب، لأن الله عز وجل يقابلها بالمغفرة، والاستغفار يقي العبد من العذاب، قال تعالى: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾. ولو لم يكن العبد خطاء مذنبا، لما كان للعفو والغفور والتواب معنى. فذنوب العبد لا يجب أن تدعو إلى القنط واليأس من رحمة الله.

إن تشدد بعض الوعاظ، وإصرارهم على تضخيم الخطأ، يصنع من الحبة قبة، من نتائجه إيقاع الناس في الوساوس، والمخاوف، والتفكير في التكفير عن أخطائهم، وتطهير سيرتهم، بتشدد أكبر مما يتصوره الوعاظ أنفسهم، قد يفتح الباب واسعا نحو التطرف والإرهاب أو ما يسمى "جهادا" في قاموس المتطرفين، بقتل الأبرياء أو بنسف الذات. لأن هؤلاء الوعاظ يربطون مغفرة الله بذلك، ويعدون بالجنة الملأى بحور العين، هدية لكل "شهيد".

ولعل مؤشر ذلك يكمن في عدد المدمنين والمجرمين والفاسقين الذين تدعوشوا ونسفوا أنفسهم بوحشية، وقضوا على حياة الكثير من الأبرياء، وفي تقرير لمركز بحثي دولي عن التطرف أن أكثر الملتحقين بتنظيم "الدولة الإسلامية" منهم "المضطربون نفسيا، وهم ينحدرون من خلفيات مضطربة، لم يعرف عنهم ترددهم على المساجد كثيرا، بل كانوا يعيشون على الهامش، ومنهم من كان يتعاطى للمخدرات والخمر وسبق له اقتراف جرائم قبل أن ينتقل مباشرة إلى الفكر الجهادي، معتبرا أن الأمر هو انتقال فجائي نحو الفكر المتطرف. إذ نجد سجلهم حافلا بالجرائم وتعاطي المخدرات وحياة المجون. يقدم التنظيم لهؤلاء حلا سريعا للتكفير عن ماضيهم مع وعد بالجنة والتوبة النصوحة".