الحرفة ابنة بيئتها؛ بل هي صنوها، وتوأمها، تولد وتكبر معها، ومثلما تواجهان الصعاب معًا، تتشاركان الرغد، ولا تمثل الحرف المرتبطة بالنخلة استثناء، لذلك ارتبطت صناعات السعف بالمناطق التي تكثر فيها أشجار النخيل، وبالتالي انتشر المشتغلون والمشتغلات بتلك الحرف في مناطق مصرية عديدة، قد لا يجمع بينها سوى أنها جميعا تحتضن بكثافة أشجار النخيل.
منتجات خوص مختلفة
وتسمى منتجات تلك الحرفة باسم "الخوص"، وهي تمثل منتجات سعف النخيل؛ الحرفة التي تقاوم الاندثار، وتسعى جهود فردية ومجتمعية وحكومية لحمايتها من الاندثار، وهي تقاوم رياح العولمة والتجارة التي أغرقت الأسواق المحلية بمصنوعات بديلة قد تكون أرخص ثمنا، لكنها بالتأكيد أقل جودة.
وتعد صناعة منتجات الخوص من أبسط صناعات الريف والواحات، وهي تكاد تكون صناعة عائلية، أي يمكن للأسرة الواحدة أن تشتغل بخطواتها، فيجمع الرجال السعف، أو جريد النخل، ثم تتولى النساء تحويله، ليمثل بيع المنتج الذي يشارك به الصغار أحيانا مصدر رزق لآلاف العائلات، بعد الاستفادة من "شجرة النخيل" وجذوعها.
وبفضل توافر وانتشار المادة الخام، أصبح "الخوص" صناعة غير مكلفة ولذلك انتشرت على مدار الخريطة المصرية أينما وجدت أشجار النخيل.
ومن أشهر المواقع التي ظهرت فيها هذه الصناعة واحات ومدن سيوة والفرافرة والداخلة والخارجة وأسوان والعريش ورشيد والفيوم.
طبقا لتقديرات الجهات الرسمية الحكومية (جريدة الأهرام ـ 23 يونيو 2017 )، تمتلك مصر نحو 15 مليون نخلة منها مليون نخلة بالفيوم، لذا كانت من تسميتها الدارجة "بلد المليون نخلة" ومن المحافظات الأخرى التي تنتشر زراعة النخيل فيها الدقهلية على مساحة 688 فدانا، وسيوة 12 ألف فدان، وشمال سيناء 8092 فدانا، وجنوب سيناء 4056 فدانا، والغربية 304 فدادين، والبحيرة 220 فدانا، والمنيا 720 ألف فدان، وأسيوط 218 ألف فدان، وسوهاج 1290 فدانا، وقنا 670 فدانا.
وتمثل الفيوم أكبر واحة طبيعية في مصر، كما تعد الحرف اليدوية بالمحافظة أحد مصادر الدخل المهمة لمواطنيها وعلى رأسها (صناعة السجاد اليدوي، صناعة السلال والدوبار، صناعة تجفيف المواد الغذائية) وشجعت الحكومة المصرية تلك الصناعة بإنشاء المركز الحرفي أو مركز الحرف اليدوية بعين السيليين بتكلفة إجمالية بلغت 3360000 جنيه.
منتجات خوص مختلفة
يهدف المركز إلى عرض وإحياء المنتجات اليدوية المحلية وإحياء الحرف التقليدية وإتاحة الفرصة للحرفيين لتطوير ورشهم وزيادة دخل الأسر العاملة بتلك الحر.
تقع الفيوم في إقليم شمال الصعيد، وهي محاطة بالصحراء من كل جانب، وهناك تحترف النساء صناعة منتجات سعف النخيل فيعتمدن عليها كليا كمصدر دخل لهن، ويسعين إلى جعلها صناعة تقليدية يحرص على اقتنائها زوار الواحة ومعالمها السياحية باعتبارها صناعة صديقة للبيئة.
إن صناعة "الخوص" تستعيد صورا تعود لآلاف السنوات، حيث برع المصريون القدماء في صناعة منتجات سعف النخيل، كما استمر بعدهم أهل الأرياف المصرية بصناعة منتجاتها، فكانت دورة حياتهم من مأكل ومشرب وملبس وأغراض منزلية مستوحاة من البيئة المحيطة بهم.
منتجات خوص مختلفة
تستخدم أمهات النخيل؛ وأعني بهذا المصطلح نساء الفيوم المشتغلات بحرفة الخوص، المسلة؛ وهي إبرة طويلة خاصة بهذه الحرفة، لحياكة غصون السعف، مع مكونات أخرى مثل قش الأرز، ليصنعن منه الحقائب النسائية، والسلال بأحجامها، والمظلات الصغيرة، والقبعات، والمقاعد الصغيرة، بل وحقائب أجهزة الكمبيوتر المحمول وجراب الهاتف المحمول، وحافظات المناديل الورقية، وغيرها.
نساء حرفيات يعملن بالخوص في قرية الإعلام، الفيوم، مصر
وينتج "الخوص" بتجميع أوراق سعف النخيل وجدلها وتضفيرها بالأيدي، لتشكل الطبق أو الحقيبة أو الأغراض المختلفة، حتى يتم الانتهاء منها ثم توضع في الشمس حتى تجف وتأخذ اللون الأبيض، ويمكن تلوينها بألوان مختلفة حتى تكتسب شكلًا جماليًا.
وتتجدد الصناعات القائمة على الجريد وتتعدد وتتطور، وتبدو قدرة الحرفيين الإبداعية بصناعة الجريد بإنتاج واستحداث طرز ووظائف جديدة لمنتجات الجريد تتجاوز في بعض المناطق الاستخدام الوظيفي التقليدي إلى مكونات الزينة و الأثاث المنزلي، لكنها تقتصر على إنتاج أقفاص الخضروات والفاكهة في مناطق أخرى. ولعل العادات والتقاليد، عدا المهن المرتبطة بهذه الصناعة، تكون سببا للابتكار الوظيفي، فمن تقاليد أهل النوبة جنوب مصر استخدام أطباق الخوص الكبيرة عند الوفاة بإطعام المعزين الغرباء فيها، أما في الزواج، فيتم تزيين الجناح الديواني بأطباق الخوص الملونة والمراوح ، وغيرها. ستشمل منتجات السعف بجانب الأطباق كل من الكراسي، والحصير (البساط)، والمصافي، والمكانس، والأسِرّة، والأقفاص، والشوالي، والحقائب، والبقبعات، والصينيات والأواني المختلفة، بالإضافة إلى بعض الأشكال التزيينية.
ينقسم الجريد إلى 3 أنواع طبقاً لنوع النخلة، النوع الأول هو نخلة "المنتور" وجريده يتسم بالمرونة وانخفاض درجة الصلابة، أما النوع الثاني فهو نخل "الصعيدي" وجريدته تتصف بالمرونة وارتفاع درجة الصلابة، بينما يسمى النوع الثالث بنخل "التمر" ويتسم جريده بالصلابة الشديدة وقوة التحمل وهو أشبه بخشب الزان لذلك فإن استخدامه يكون دائماً في صناعة أرجل المقاعد وقواعد الأحمال الثقيلة.
عند إجراء عملية التقليم السنوية يتم قطع نحو 15 جريدة من النخلة الواحدة، وتحمل كل جريدة نحو 80 ورقة وهي التي يطلق عليها الخوص، ويستخدم الخوص الأخضر اللون في ضفائر السلال الخاصة بأدوات العمل الزراعي.
نساء حرفيات يعملن بالخوص في قرية الإعلام، الفيوم، مصر
أما النوع الثاني من السعف فهو الجريد الداخلي، ويطلق على الواحد اسم "قلب" لوجوده في قلب رأس النخلة، ولون سعف القلب هو الأبيض الناصع وعند عملية التقليم يخرج من النخلة الواحدة نحو 10 أو 20 جريدة من السعف الأبيض، ومن الخوص الأبيض تصنع ضفائر السلال والأواني ذات الاستخدام المنزلي وحفظ الخبز والأغذية خاصة الغلال والبلح.
وتزدهر صناعة سعف النخيل تزدهر لديهم بدايةً من شهر فبراير شباط، وحتى نهاية شهر إبريل نيسان، لأنّه موسم تلقيح النخل بواسطة حبوب اللقاح، حتى يُنتج النخيل أطيب ثمر، ويكون السعف كثيرًا، ولينًا فيكون أسهل في التشكيل والتصنيع، ولا يستخدم سعف النخيل وحده، بل يستخدم معه _ كما أشرنا _ قش الأرز ، وكذلك أوراق نبات البردي، ليساعد في الحياكة والبطانة.
تستغرق صناعة السلة الواحدة وقتا قد يتجاوز الثلاثة أيام، يمر منها يوم كامل في نقع سعفات النخيل في المياه حتى يكتسب السعف مرونة يسهل التحكم فيه.
وبعد قرار محافظ الفيوم العام الماضي بمنع زراعة الأرز بمحافظة الفيوم قام الحرفيون والحرفيات بإحضاره من محافظات الوجه البحري التي تقوم بزراعة الأرز.
منتجات خوص مختلفة
في قرية الحرف اليدوية التي تحمل اسم قرية (الإعلام) التابعة لمحافظة الفيوم، تقوم النساء بالعمل في صناعة الخوص، بينما يعمل الشباب والرجال عل بيعها وتسويقها. المهنة التي توارثها الفيوميون الحرفيون جيلا بعد آخر، لتمثل حجر زاوية في دخل يمثل المصدر الأساسي لسكان القرية.
وتتحول البيوت ورشا للإنتاج تشارك بها جميع السيدات والفتيات بالقرية، قبل أن تخرج تلك المنتجات لأماكن عرضها وبيعها بمدينة الفيوم وباقي محافظات مصر. ويمكن تعداد سبعين منتج تخرج من صناعة الخوص النسوية تقوم بها المرأة فقط!
ويرجح الحكاؤون أن تاريخ صناعة "الخوص" بالقرية يعود إلى مطلع القرن العشرين؛ حين تعلّم أحد مواطني القرية تصنيع السعف من أقاربه في أسوان (جنوب مصر)، وبدأ يُعلمها لأهالي القرية، حتى انتشرت في القرية كلها لأنهم لم يمتلكو أرضا زراعية يفلحونها أو مهنا يعملون بها، فأصبح الخوص مهنتهم التي برعوا بها وحققوا بها دخولهم.
نساء حرفيات يعملن بالخوص في قرية الإعلام، الفيوم، مصر
يبدأ يوم المرأة في قرية (الأعلام) في السابعة صباحا، تصحو لتجهز أبناءها وبناتها للذهاب للمدارس، وبعد أن تفرغ من الأعمال المنزلية اليومية، ستجلس لتصنيع الخوص وتشكيل ما يحلو لها من مختلف منتجات الخوص التي تناسب المنازل، بأسعار قد تبدأ من نصف دولار حتى تصل إلى ثلاثة دولارات للقطعة الواحدة، وهذا بالنسبة للأغراض الصغيرة أما القطع الكبيرة، كالأثاث، فيمكن أن تصل إلى 2000 جنيه (115 دولارًا) حسب الحجم والمنتج والخامات المستخدمة.
وقد أصبحت قرية (الأعلام) بمحافظة الفيوم، نموذجا للقضاء على البطالة، حيث استفادت النساء من هذه المهنة لزيادة دخولهن ومساعدة أزواجهن. ولم يعد غريبا أن تعرف الصناعات التقليدية طريقها للبيع، ليس فقط خارج الفيوم، بل خارج مصر، فقد أصبح منتجوها يصدرونها إلى عدة دول منها الإمارات والسعودية وبلجيكا.
وقد أجر ى الباحث ميلاد يوسف تحقيقا (بوابة الأهرام 29/10/2017 ) عن أشهر حرفيات قرية الإعلام بالفيوم، التي ورثت الحرفة، أبًا عن جد، ورغم أن القرية بأكملها تعمل في الحرفة نفسها، إلا أن منتجات المرأة التي تجاوزت العقد السادس قد لاقت الرواج في مصر وأوروبا، حتى أصبحت أشهر صانعي الخوص بالمحافظة.
نساء حرفيات يعملن بالخوص في قرية الإعلام، الفيوم، مصر
تقول الحاجة كاملة أحمد حامد محمد، وهذا هو اسمها، إنها ورثت صناعة الخوص اليدوي من سعف النخيل وقش الأرز، عن أجدادها، حينما كانت في السادسة من عمرها، وصنعت العديد من المنتجات المتنوعة، ومن ربح هذه الصناعة تمكنت من الزواج، ورزقها الله بـ 6 أنجال، 4 أبناء وابنتين، علمتهما أصول الحرفة، مؤصلة منهجها في التدريب، أو بالأحرى في توريث أصول الحرفة إلى جيل جديد من الحرفيين.
وأشارت إلى أنها تصنع منتجات الخوص، وتتعدد منتجاتها بين أطباق للخبز، وأواني الخوص، وهي ما تلقى رواجًا في الخارج، بعد أن اتجهت لتصدير منتجاتها لدول أجنبية، عن طريق مكاتب تصدير، حتى وصلت مصنوعات تحمل الصبغة المصرية اليدوية إلى أسواق بلجيكا، وإيطاليا، وألمانيا. مؤكدة على أنه رغم خشونة ملمسه، تمسك أناملها سعف النخيل بانسيابية شديدة، وكأنها أم تضفّر شعر صغيرتها، لتصنع منه ما يزين منازل الأغنياء والفقراء بمصر.
يتم شراء جريد النخيل من التجار ثم يُقشر سعف النخيل، وينقع في الماء، ثم يُلف في قماش أبيض، ويترك طوال الليل، قبل أن يبدأ العمل به في اليوم التالي، أمّا المنتجات الملونة، فتعد بنقع السعف في مياه ذابت بها الأصباغ. وفي المرحلة الثانية، يتم تضفير السعف لتكوين الشكل المرغوب، وعقب الانتهاء منه يتم تركه في الشمس يومًا كاملًا حتى يجف، ثم يتم عرضه للبيع سواء داخل القرية، أو لتصديره، أو بيعه في الميادين الكبرى بمحافظتي الفيوم والقاهرة.
أعمال حرفية في طور الإعداد
ويتم تقسيم السعف يقسم إلى ثلاث درجات، الدرجة الأولى لتصنيع الأواني الغذائية وتكون من قلب النخيل الذي يتميز بلونه الأبيض وحجمه الصغير؛ فضلًا عن سهولة التشكيل، والثانية والثالثة لتصنيع أواني الزينة، وأواني الغسيل، والحصير، والمقاعد، والمناضد، والحقائب اليدوية، والأقفاص التي تستخدم لحفظ الخضروات والفاكهة.
ويعد “الخوص” أفضل خيار صحي لصناعة الأواني الملائمة والأطباق الحافظة، فهو أنظف من البلاستيك، لأنه يؤخذ من سعف النخيل والبردي وقش الأرز، ويتم تنظيفه جيدًا ولا يدخل في صناعته أي مواد صناعية أو كيماوية، وقد أصبحت الفنادق الكبرى تقدم حقائب وهدايا منه إلى نزلائها، بالإضافة إلى استخدامه في ديكور المنازل، والمقاهي.
خصصت محافظة الفيوم منافذ لصانعي “الخوص” بمنطقة السواقي (وسط المدينة)، ليتمكن الحرفيون من عرض منتجاتهم وبيعها للمواطنين وزوار المدينة، بجوار باعة منتجات الفخار.
كما تعد المحافظة منطقة الحرفيين على مساحة 41 فدانًا، لتكون منطقة للصناعات الحرفية لتشجيع الاستثمار في تلك الحرف، ومن المخطط أنّ تستوعب 180 مصنعًا وورشة بمساحات مختلفة، وتم الانتهاء من توصيل البنية التحتية لتلك المنطقة من رصف وتوصيل كهرباء ومياه وصرف صحي.
وتضم المنطقة ورشًا لصانعي “الخوص” والفخار، لتشجيعهم على العمل، وتشجيع الصناعات والحرف اليدوية والمشغولات.
متجر لبيع منتجات الخوص
سنصادف في الأماكن السياحية بالفيوم، نساء وأطفالا، يعرضن بعض هذه المنتجات، وبينما تجلس النساء في مواقع محددة عند مداخل الفنادق والمعالم، ستلاحقك الصبايا الصغيرات وهن يحملن ما استطعن من منتجات شكلتها أمهاتهن.
المؤسف أن الحرفة عرفت مؤثرات العولمة، وبالتالي لم يعد الخوص وقش الأرز وورق نبات البردي وحده ما يشكل المنتج، بل دخل البلاستيك ليضفر بعض المنتجات، لرخص سعره وليونته القياسية مقارنة بالخامات الأصلية. وقد رأينا ذلك بكثرة في المظلات الصغيرة والقبعات، والكراسي.
يحكي لي الفنان التشكيلي الدكتور محمد فكري؛ الأكاديمي بكلية التربية الفنية في حلوان بالقاهرة، عن رؤيته من أجل إدارة مستدامة للموارد الطبيعية ومساهمة فعالة للمجتمع الزراعي في الناتج القومي، فهو من مؤسسي "جمعية الفيوم للتنمية والزراعات العضوية" وهي منظمة مصرية أهلية غير حكومية، تعمل على مأسسة العمل الجماعي للمزارعين المصريين، من أجل دعم قدراتهم في مجالات الإنتاج والتسويق، والانتفاع الأمثل من الموارد الطبيعية والخدمات الحكومية لقطاع الزراعة، لزيادة عائد عملية الانتاج الزراعي، والتغلب على مشكلة تقزم الحيازات الزراعية في مصر. وذلك من خلال تقديم نماذج اجتماعية واقتصادية مبتكرة وفعالة في تعظيم عائد عملية الزراعة داعمة للدور الفعال للمرأة في الحد من مخاطر عمليات التسويق المحلي، وأيضاً عمليات التصدير بمشاركة المراكز البحثية الزراعية والتسويقية والاجتماعية على المستويات المحلي والقومي والدولي، وتمثيل المصالح الجماعية للمزارعين من خلال الدعم والمساندة لقضايا قطاع الزراعة ودعم التعاون البناء بين كل الدولة والمزارعين.
نساء حرفيات يعملن بالخوص في قرية الإعلام، الفيوم، مصر
ويضيف د. فكري إن الحرفيّات في مهنة صناعة منتجات الخوص كن يعانين من التاجر الوسيط، الذي يأخذ منتجاتهن بأبخث الأثمان، ليعيد تسويقها بهامش ربح كبير، لذلك بدأ مع مجموعة اهتمت بحياة هؤلاء الاقتصادية بتثقيفهن، ليس فقط بتدريبهن على ابتكار تصاميم جديدة، ولكن من أجل تقييم الخامات والمنتجات بشكل لا يجعلهن عرضة للخسارة. فالحرفة اليدوية تستهلك وقتا يمثل رأسمالا ثمينا، ومن ثم تعلمت نساء القرية وباقي الحرفيات اللائي حضرن الدورات التدريبية على كيفية تسعير السلعة التي ينتجنها.
وجمعية الفيوم للتنمية والزراعات العضوية هي إحدى المؤسسات الأهلية الداعمة للحرف اليدوية في الفيوم، ولكنها ليست الوحيدة، فهناك مؤسسة الأهرام للتنمية الثقافية (أكاديمية الفنون والإبداع ) وكذلك الجمعية الخيرية بالفيوم التي تقيم معرض المستقبل للحرف اليدوية، وتقدم برامج تدريبية عليها، وتشهد المحافظة اهتماما بالفنون، فيقام بها سيمبوزيوم بقرية تونس الشهيرة، كما أقام بها الفنان محمد عبلة متحفا للكاريكاتير.
منتجات خوص مختلفة
وإذا كانت النخلة تهبنا التمر بأنواعه وألوانه وفائدته التي يدركها الجميع، فإن جريد النخل وسعفه له فوائد جمة تجعل من إعادة تدويره ثروة كبرى، فهناك من يصنع الأسطح من سعف النخيل، بعد ربطها بإطار خشبي لتستخدم بصناديق السماد وأقفاص الدجاج, ومكان للراحة والظل في الحديقة. ويمكن أن تستمر هذه الأسقف لسنوات طويلة.
كما تستخدم نشارة سعف النخيل مهادا لجمع ما يساقط عليها، وتستخدم لصناعة الأسرة الزراعيةبفضل الأوراق العملاقة وعلى عكس الأخشاب فإن سعف النخيل يستغرق سنوات عديدة ليتحلل وهي كذلك تملأ ممرات مستنقعات المياه بالمواد العضوية ، وبذلك فإنها تساعد على خلق مساحة كبيرة للمياه.
البلاستيك ينافس الخوص
كذلك سوف تستخدم أيضاً في تغطية مواد مثل أوراق الأشجار وقشر الجوز والحصى والرمال مشكلةً ممر حقيقي غني بالمواد المغذية. يمكن عمل بعض الحفر في هذا الممر وتغطيتها بسعف النخيل لتنتشر في الحديقة أو تحت الأشجار في الغابات الغذائية. وهي كذلك مفيدة في تكوين مناطق الظل وسياج للحدائق ومصدات الرياح وأعمدة الحديقة و وقود لإشعال النار، والأهم الحرف اليدوية المنسوجة مثل السلال الأكثر شعبية لحفظ الخضار والفاكهة، تتلخص النقطة هنا بأن سعف النخيل مورد مفيد ومتوافر لعمل الكثير من الحرف اليدوية، (منزل المستديمة، جوناثان انجلز، 24/4/2016).
تحقق أمهات النخيل، وأرى أن قرية الإعلام في الفيوم نموذجا لها، الفوائد الجمة التي يمكن أن يجنيها قطاع الحرف اليدوية، كما حددها الدكتور نزيه طالب معروف في بحثه عن الابتكار في الحرف اليدوية (الابتكار والحرف اليدوية في العالم الإسلامي، الندوة الدولية، إسلام آباد، إرسيكا، 1994)؛ فهي توفر فرص عمل لنسبة كبيرة منالأيدي العاملة دون اللجوء لتعبئة رساميل كبيرة، وتشجع حركة السياحة، وتوفر قدرا كبيرا من العملة الصعبة لاهتمام شريحة كبيرة من السواح باقتناء الحرف اليدوية الإسلامية وشغفهم للإطلاع عليها.
وتعد (قرية الإعلام) نموذجا حيا على ما أشار إليه المصدر من ضرورة إنشاء قرى حرفية لتحريك عجلة الاقتصاد وتشغيل طبقات واسعة من النساء من خلال إنجاز العمل داخل البيوت، وهو ما يعني تحقيق فرص جديدة لتسويق سلعة يتميز بها العالم الإسلامي عن غيره من الدول، ويبرز العطاء الحضاري لبعض جوانب التراث الإسلامي والحفاظ على استمراريته.
تشير تقديرات الباحثين في شؤون الحرف التقليدية إلى أن عدد الأسر العاملة في القرية يصل إلى 300 أسرة، وهو ما يشكل وحدة يمكن القياس عليها كنموذج للقرية الحرفية المستقلة والمتخصصة، مما يجعلها قواما لقرية حرفية نموذجية، إذا توافرت لها مقومات لا تعتمد على الجهود الفردية، وإنما على تنظيم هذه الجهود وفق خطة عمل حكومية وأهلية مستدامة تعمل على:
1. توفير المواد الخام، سواء من الجريد أو السعف أو قش الأرز، بما يكفي لإنتاج نوعيات مختلفة تتباين خاماتها.
2. تيسير نقل الخامات إلى مركز توزيعها، وبيعها، ومن ثم إلى مراكز بيع المنتجات في مركز عرض دائم، وتصديرها.
3. تدريب وتأهيل الحرفيات الجدد، وتثقيفهن بشأن قياس معايير الجودة والحفاظ عليها.
4. تيسير مرافق النقل بين زارعي النخيل وحرفيّات السعف، وبائعي المنتجات المصنوعة من الخوص.
5. الحرص على تأهيل البيئة المنزلية المنتجة بشكل صحي وعملي مناسبين، ببدءا بمعالجة المياه المستخدمة في إعداد الخامات ونقعها أو صباغتها، وإتاحة الإضاءة المناسبة للعمل، وفق تهوية ملائمة.
6. استلهام تراث الفيوم التاريخي في التصميمات المستخدمة، من موتيفات وزخارف تزيينية.
7. الحرص على وضع القرية ومنافذها على خارطة القرى الحرفية ضمن برامج الأدلاء السياحيين لزيارتها.
8. طباعة ملصقات ومنشورات وكتيبات بالمنتجات وتشجيع المنتجات بإقامة المعارض والمسابقات.
9. تخصيص ميزانية لشراء المنتجات لبيعها في مشروعات الدولة مثل الأسر المنتجة.
10. إعادة تقويم أسعار الخدمات والخامات والمنتجات وفق الأسعار العالمية المناسبة، بما يسمح للترويج دون بخس أي طرف منتج حقه، ونشر قوائم أسعار كل موسم تراعي معدلات الغلاء.
11. دراسة معدلات الإنتاج، وفق كل أسرة وطبقا لعدد الأفراد وأدوار كل شخص،بما يسمح برصد تقديرات إخصائية تساعد على تخطيط مستقبل الحرفة.
12. إدخال مادة صناعة الخوص في مناهج الفنون بالمدارس وإعادة الاعتبار للمهنة الحرفية اليدوية.
13. التفكير الابتكاري لإضافة منتجات جديدة من الخوص.
14. تجهيز الخدمات المرافقة، مثل عمليات التغليف، ووضع الأسعار، ومراجعة الجودة، وإجازة المنتج حتى تظل الحرفة عنوانا للإتقان المطلوب من القوى الشرائية المخطط لها.
15. توثيق بصري وسمعي للحرفيات يسمح بخلق مكتبة أرشيفية تقدم مرجعا لتاريخ الحرفة وتسجيلا لممارستها.
16. تخصيص برنامج عن الحرف اليدوية، وخاصة منتجات السعف، في البرامج الثقافية بقنوات التلفزيون.
17. تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الحرف اليدوية، وخاصة حرفة الخوص.
18. تقييد حركة المصنوعات المنافسة التي تستخدم خامات البلاستيك في منتجات حرف الخوص.
19. حماية الحرف اليدوية من تغول الشركات بالإنتاج الضخم الذي يهدد الإنتاج الفردي والأسري.