يُعتبر موضوع تشاكل وتقاطع الممارسات الموسيقية والرقصية اليمنية -الإفريقية من المواضيع التي قلّما تناولها البحث في العلوم الموسيقية العربية، بل يكاد يكون الباحث اليمني نزار محمّد عبده غانم من الكُتّاب القلائل الذين أصرّوا على تثبيت هذا الموضوع في بحوثه، ولقد قرأت له في هذا الصّدد بحثين مهمّين يلتقيان في نفس الموضوع وهو الرقص:
مقاله عن "الرقصات الأفرو يمنية: بحث في إفريقانيّة اليمن الموسيقية" صدر له بالعدد الخامس من مجلّة الثقافة الشعبية البحرينية في عددها الخامس في ربيع سنة 2009. ومقاله "التّأثير الإفريقي في الأداء والغناء اليمني" شارك به في جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي في دورتها السابعة (المؤثرات الحضارية للإبداع الإفريقي). كذلك كتابه الرقصات الأفرو يمنية، (2013).
والحقّ أنّ التّأثير الإفريقي في الثقافة العربية عموما سواء كان ذلك على مستوى شمال إفريقيا أو على مستوى الخليج العربي ومصر قديم جدا، وله مبرّراته التاريخية والانثروبولوجية، بما أنّ لليمن علاقات تجارية منذ القدم شأنها شأن سلطنة عمان مع الساحل الإفريقي الشرقي (أساسا منطقة الزنجبار وجيبوتي والصومال وأثيوبيا والسودان من الداخل)، ساهمت في خلق تحوّلات ديمغرافية في الجهتين (الخليجية العربية والشرق-إفريقية وربّما إفريقيا جنوب الصحراء ومنها إلى شمال إفريقيا) من خلال التبادل التجاري والهجرات.
ولقد أشارت الباحثة التونسية الدكتورة علياء العربي في بحث مهمّ لها بمجلة الثقافة الشعبية البحرينيّة إلى وجود تقاطع موسيقي لافت على مستوى "فنّ الصَّوْت" الخليجي وغناء "الصُّوتْ" في مناطق عديدة من البوادي والأرياف التونسية الساحلية منها والصحراوية"، أي فيما يتجاوز الساحل الشرقي للقارة الإفريقيّة.
فإذا كان "فنّ الصَّوْت" الذي هو "مشتق أساسا من الأغنية الصنعانية، تطوّر في الخليج وعاد إلى اليمن لتتلقفه الذاكرة وتبدع فيه باستمرار (خالد بن محمّد القاسمي، 1987)، فإنّ غناء الصُّوتْ في تونس (واللافت للانتباه استعمال نفس المصطلح) يختلف عن نظيره اليمني-الخليجي فيما يحدّد دلالاته وهويّته وبصمته المحلّية شعرا ونغما.
ولقد أكّدت الباحثة على ضرورة الانتباه إلى أنموذج فنّ الدّان الحضرمي وما يتشاكل معه في تونس وهو الذي يُسمّى "غناء الإدّبة" في سواحل وسط شرق البلاد باعتبار أنّ كليهما يوظّف مغنٍّ رئيسيّ ومردّدين يكرّران جزءا من الشعر الذي ينطلق منه الـ"غنّاي" الرئيسيّ (علياء العربي، 2016)، بل لعلّني أذكر أنّ هذه الخاصّيّة التي أسمّيها "الغناء الرجالي بالتّناوب" بين فنّان ومردّدين دون استعمال آلة موسيقية موجودة في أكثر من بلد مغاربي (الجزائر وليبيا والمغرب) كالإنشاذن في الجزائر وأنماط من غناء العيطة في المغرب وغيرها كثير (فراس الطرابلسي، 2020). كما اطلعت مؤخّرا على نماذج من فنّ ظُفاري عُمانيّ يُسمّى "فنّ الدّبرارات" يترجم تواصل الثقافة الموسيقية اليمنية مشرقا ومغربا بما يجعا دراسة هذا الموضوع والتعمّق فيه أمرا ضروريّا ملحّا.
أمّا إذا عُدنا إلى ما نبّهنا إليه الباحث اليمني نزار عبده غانم، فإنّ الامر يُصبح أكثر وضوحا من خلال عرضه الدّقيق لمقولات المؤرّخين حول موضوع الغناء الرّقص بين اليمن والخليج العربي، إذ يكفي أن نتعرّض لما كتبه قائلا:
"لعل من أقدم الإشارات التي صادفتھا عن تمیز الغناء الذي یؤدیه السّود في الیمن ما قیل بأن المطرب العباسي أبا القاسم إسماعیل بن جامع كان یغن فیما یغني للخلیفة العباسي ھارون الرشید (ت 809م) أغاني النسوة السود في الیمن، وأرجح أن یكون ذلك إن صح قد حدث بعد أن عاد ابن جامع من الیمن إلى بغداد حیث تذكر لنا الروايات أنه ھرب من أبیه إلى أخواله في الیمن لفترة من الزمان وأنه غنى (أصواتا) یمانیة غیر ھذه التي ذكرنا".
أما فيما يهمّ الرّقص فإنّ "عبده غانم" يشير إلى رأي المختصّ في الرّقص الأستاذ "سعيد عمر فرحان" متبنّيا رأيه حول استعارة حضرموت لفنون رقصية مختلفة من الساحل الإفريقي مثل: الطّنبرة والليوة والبامبيلا والسواحيلي. وتضيف الباحثة "جابرويلا براونة" إلى هذه القائمة "رقصة الدربوكة" كموروث رقصي إفريقي موجود في اليمن.
من جهته حاول الكاتب الكويتي مجيد مرهون رحمه الله إثراء المكتبة الموسيقية حول الموسيقى الشعبية في الخليج العربي بكتاب صغير أعدّه رضا عبد المجيد مرهون وصدر مع إحدى أعداد جريدة الفنون الكويتية العريقة سنة 2016، وفيه تعرّض إلى عدد مهمّ من الممارسات الموسيقية الغنائية والراقصة المشتركة بين بلدان الخليج، نذكر منها ما يهمّ هذه الورقة في علاقة بالأواصر الموسيقية اليمنية الإفريقية: رقصة النّوبان (الطنبورة/ الطمبورة) في علاقة ببلاد النوبة شمال السودان. ورقصة الحبشي: وهي كما تشير إليه العبارة "رقصو حبشية أو من المناطق المتاخمة للحبشة" انتقلت إلى بلدان الخليج العربي عبر الصومال واليمن وسلطنة عمان وأضحت من الرقصات الشعبية (مجيد مرهون، 2016).
كما یشـیر المستعرب الإسرائیلي الدكتور حیمنون شیلوح في دراسة له خلال فترة الاحتلال الإسرائیلي لسیناء أن البحارة والصیادین في جنوب شبه جزیرة سیناء یقولون أن طائفة الأغاني المعروفة لدیھم بالیمانیة والتي تعزف على السّمسمیة جاءتھم من الیمن ویمكن قول نفس الشيء عن رقصات (الـسماكـة) بشـرق الـسودان والتي یؤدیھا بحارة سـودانیون من أصل یمني.
يطول الحديث حول هذا الموضوع، ولا يُعتبر مقالنا هذا إلاّ مدخلا قصيرا يمكن أن يكون خير بداية لأيّ باحث مختصّ في العلوم الموسيقية والانثروبولوجيا لتتبّع آثار التواصل بين الثقافة اليمنية والإفريقية بما هي أواصر للتواصل الثقافي العربي الإفريقي المغاربي الصحراوي، وليس لاجترار مسائل ذات مباحث عرقية تسعى للتفرقة والتفتيت وتكريس الصراع الحضاري.