تحل غدًا الذكرى الثالثة والسبعين لرحيل أعظم فنان كوميدي مصري وعربي على مر العصور، فنجيب الريحاني الذي غاب عنا في 8 يونيو من سنة 1949 كان بمثابة بلسم يتداوى به كل طبقات الشعب، الملوك والحكام، الفقراء والأثرياء، الباشوات والبسطاء، فالملك فاروق نعاه، وطه حسين رثاه، ومحمد عبدالوهاب عدد مزاياه، والشاب الواعد آنذاك فؤاد المهندس تولى إعداد الجنازة وقادها بنفسه من المستشفى اليوناني بالعباسية، حيث مات الريحاني، حتى مدفنه الأخير.
الجميع بكى الرجل الذي فجر الضحك الراقي في صدور الناس، بدون ابتذال في الحركة، أو فحش في القول، أو سخف في الأحداث، إذ اعتمد الريحاني على نص مسرحي مكتوب بإحكام، وعلى إجراء عشرات البروفات على هذا النص، حتى يغدو سلسًا مطواعًا على ألسنة الممثلين قبل بداية العرض، الأمر الذي يهب المشاهد شعورًا ممتعًا وهو يتابع أحداث المسرحية وكأنها وقائع حياتية حقيقية.
أذكر أن فؤاد المهندس قال في أحد البرامج إن الريحاني انزعج بشدة في إحدى البروفات لأن عبدالفتاح القصري أضاف كلمة لم تكن موجودة في النص، فلم تعجب تلك الإضافة الرجل، فأمر القصري بالالتزام بالنص المكتوب.
لم يكن الريحاني مجرد ممثل فذ فحسب، بل كان مخرجًا وصاحب فرقة مسرحية يسودها الانضباط والجدية، كما أنه كان مشاركًا أصيلا في كتابة النصوص مع العبقري الآخر بديع خيري. وعلى الرغم من أننا والجيل الذي سبقنا لم نتمتع برؤية الريحاني على المسرح، إذ رحل قبل أن تعرف مصر التليفزيون، إلا أن السينما، هذا الاختراع الساحر، أسعفتنا بتسجيل صورة الرجل وأدائه من خلال مجموعة من الأفلام التي تعرض في الفضائيات باستمرار، ومن عجب أن المرء لا يمل من مشاهدتها نظرًا لأنها تتكئ على منظومة الإتقان المطلق، والفن الذي يعيش ويبقى ويحظى بالخلود هو الذي يحقق الإتقان المطلق، ولنا في أم كلثوم وعبدالوهاب ونجيب محفوظ أسوة حسنة.
لنجيب الريحاني في بنك السينما تسعة أفلام، اثنان منهما مفقودان حتى الآن هما: (حوادث كشكش بك) الذي أخرجه كارلو بويا عام 1934، وشارك في بطولته حسين رياض واستيفان روستي ومختار عثمان، وهذا الفيلم تحديدًا عرض عام 1930، أو 1931، تحت أكثر من اسم مثل: (صاحب السعادة كشكش بيه) و(صاحب العزة كشكش بيه)، إذ إن هناك أكثر من مصدر عن تاريخ عرضه، وكان فيلمًا صامتًا، ولما نطقت السينما عام 1932 مع فيلم (أولاد الذوات) ليوسف وهبي، تم إدخال الصوت عليه وعرض باسم (حوادث كشكش بك).
أما الفيلم الثاني المفقود فهو (بسلامته عايز يتجوز) الذي حققه المخرج الكسندر فاراكاش سنة 1936، وشارك الريحاني في بطولته كل من عزيزة أمير وبشارة واكيم وعبدالفتاح القصري وحسن فايق، كما قدم الرجل فيلم (ياقوت) عام 1934، وقد كان هذا الفيلم مفقودًا أيضًا، لكن تم العثور عليه قبل سنوات قليلة، وهو من إخراج الفرنسي روزييه، وشارك في بطولته كل من الممثلة الفرنسية إيمي بريفان وبديع خيري وإدمون تويما.
وفقا لما كتبه الريحاني في مذكراته فإن هذه الأفلام الثلاثة لم تحقق النجاح المأمول، فاعتراه حزن شديد، وقرر هجر السينما لأنها ليست المجال الذي يتقنه ويبدع فيه، لكنه عاد إلي الاستوديوهات مرة أخرى بعد أن حقق فيلم (الحل الأخير) نجاحًا منقطع النظير، حتى بات حديث مصر كلها.
هذا الفيلم أخرجه عبدالفتاح حسن وقام ببطولته سليمان نجيب وميمي شكيب وسراج منير وراقية إبراهيم وعباس فارس وأنور وجدي وبديعة مصابني وعبدالوارث عسر وحسن البارودي، وقد عرض اللفيلم في 19 أبريل سنة 1937.
المهم، حين رأى الريحاني نجاح فيلم (الحل الأخير) يتألق في شوارع القاهرة، وافق على العودة إلى السينما مرة أخرى، وقدم تحفته الخالدة (سلامة في خير) للمخرج الواعد آنذاك نيازي مصطفى، حيث عرض هذا الفيلم في 29 نوفمبر 1937، ومازال يعرض حتى الآن في الفضائيات فيحصد المتعة المنشودة.
ثم توالت أفلام الريحاني المعروفة هكذا (سي عمر 1941)، و(لعبة الست، أحمر شفايف 1946)، و(أبو حلموس 1947)، ثم (غزل البنات 1949) وهو آخر أفلامه.
لقد كان الريحاني معجزة حقيقية عابرة للقرون، فقد قال عنه محمود ياسين إنه قد يكون أفضل ممثل في العالم، وقال نور الشريف إن الريحاني سابق عصره بمراحل، أما طه حسين فرثاه قائلا: (أرسل الريحاني نفسه على سجيتها، فملأ مصر فرحًا ومرحًا وتسلية وتعزية، ولو فرغ الريحاني لنفسه وعكف على فنه، لكان آية من آيات التمثيل في العالم كله).
حقا.. لقد صدق الأستاذ العميد، فما أعظم الريحاني، وما أجلّ العميد.