في ذكرى النكسة.. سيناء تاريخ من النضال الذي لا ينتهي

"سالم الهِرش" ابن "الهيروشاتيو" الذي رفض تدويلها في مؤتمر الحسنة

"فيروزة مصر" "سيناء"، ليست الاسم الأصلى ولكنها كانت تسمى فى العهود السابقة "توشرت" أو الأرض الجرداء وأطلق عليها الآشوريون «مدين»، وعرفت فى التوراة باسم "حوريب" أى الخراب، أما اسم سيناء فهو نابع من أشهر جبل فيها، ثم نسوا اسم "حوريب" وسائر الأسماء القديمة ولم يبق إلى يومنا هذا سوى اسم "سيناء".

يقول الأجداد إنها مقتبسة أيضاً من كلمة "سين" التى تعنى القمر، أما أهلها فى الشمال فعرفوا باسم "هيروشاتيو" أى أسياد الرمال ونسبوا إلى جنس "الآمو"، أما أهلها فى الجنوب فقد عرفوا باسم "مونيتو".

"مساؤكم سعيد"

أمرها غريب تلك البقعة على أرض مصر، فهى تقع فى بداية قارة آسيا إلا أن الثابت تاريخياً أنها أرض مصرية يقطنها شعب مصرى منذ القدماء المصريين وحتى الفتح الإسلامى على يد "عمرو بن العاص" فى عهد عمر بن الخطاب، وقد كانت الكلمة المشهورة والمأثورة لعمرو بن العاص عندما دخل منطقة العريش "مساؤكم سعيد" وكان موجهاً كلمته لحملته من المسلمين فسميت تلك المنطقة إلى الآن "مساعيد".

من العثمانيين إلى الإنجليز

 لكم شهدتِ سيناء ألواناً وأشكالاً من الاستعمار، فها هى الحقبة العثمانية تأتى عليك فلا تنالين سوى إهمال وتجاهل، وها هى الحملة الفرنسية تأتى عليكِ فيقف أهلك من "بدو القبائل" بقوة واستبسال ضد الفرنسيين ويسقط المئات منهم قتلى.

وها هى الحقبة الخديوية تأتى عليكِ ليبدأ "محمد على" حملاته العسكرية المصرية إلى بلاد الشام من على أرضك فيبدأ الاهتمام بكِ عبر إبراهيم باشا وعباس باشا الأول والخديوي سعيد، وإسماعيل الذى أمر ببناء القنطرة شرق أول المدن المصرية شرق القناة.

سيناءسيناء

وفى عهد الخديوي توفيق تشهدين مثلك مثل بقية أجزاء الجسد المصرى خضوعاً للاحتلال البريطانى فى هذه الفترة تظهر وطنية أبناءك عندما يحاول "بالمر" وهو ضابط المخابرات الإنجليزى الذى كان يريد شراء الجمال من أهلك ليميلوا نحو الإنجليز ولكنهم رفضوا أن يبيعوا وطنهم وقتلوا "بالمر" ومرافقيه وهم "الكابتن جل" و"تشارنتن" و"بخور حن اليهودى"، وتتوالى أحداث الاحتلال البريطانى وتتوالى بطولات أبناء سيناء.

استبسال ابن العويدات

عندما قال "جارفس" محافظ سيناء الإنجليزى فى عام ١٩٣٩ فى مؤتمر انعقد بلندن: "إن سيناء آسيوية وسكانها آسيويون ولا بأس أن يستضيفوا لديهم اليهود ليعيشوا معاً على أرض واحدة"، غلى الدم فى عروق البدويين من أهالى سيناء وقام الشاب "سلامة أبو عويدات" من قبيلة السواركة بعمل بطولى ضد الاستعمار البريطانى وارتدى بدلة جندى بريطانى واستقل القطار القادم من قنطرة إلى فلسطين وداهم الجنود البريطانيين وقتل العديد منهم واستولى على أسلحتهم وأرسلها إلى إخواننا فى فلسطين وظل يقاوم حتى نفدت ذخيرته واستشهد.

النكسة والتدويل

وتمر السنون وتكثر وتسخن الأحداث، حرب ١٩٤٨، وثورة يوليو، والعدوان الثلاثى على سيناء عام ١٩٥٦ وظلت سيناء تحت التهديد الإسرائيلى لما تمثله من منطقة حدودية مجاورة لإسرائيل، إلى أن وقعت الواقعة، وحصلت "نكسة" مصر فى عام ١٩٦٧ واستولى الاحتلال الإسرائيلي على سيناء حتى الشاطئ الشرقى للقناة لتقع تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي الذى طبق قوانين الحكم العسكرى الإسرائيلى بدءاً بتقسيم سيناء إلى منطقتين، الشمال وألحقتها بغزة ومنطقة الجنوب ووضعتها تحت إدارة مستقلة وعينت على كل منطقة حاكماً عسكرياً

نكسة 5 يونيونكسة 5 يونيو

من هنا كان الحد الفاصل، قاوم الأهل فكرة المحتل باستخراج بطاقات هوية إسرائيلية ورفض أبناء سيناء ممثلين فى المشايخ التوجه إلى مقر الحاكم الإسرائيلى والأهم من ذلك والأخطر والذى يدعو للتأمل هو ما حدث فى مؤتمر "الحسنة" الذى اجتمع فيه مشايخ سيناء بحضور "موشى ديان" وزير الدفاع الإسرائيلى فى ذلك الوقت وكان يرافقه وكالات الأنباء والصحف العالمية واثقاً من أنه حصل على موافقة المشايخ لتدويل سيناء.

سيناء بنت مصرية

فوقف "الهِرش" كبير مشايخ سيناء من قبيلة البياضية معلناً أن سيناء جزء من مصر وبنت مصرية ومن يرغب الحديث عنها فعليه أن يتحدث مع الرئيس جمال عبدالناصر شخصياً، ونحن أبناء سيناء باطن الأرض أفضل لنا من ظهرها إن وافقنا على ما تطلبون، وختم "الهِرش" حديثه بالقول" «جزيرة سيناء مصرية وستظل مصرية ولا يملك الحديث فيها إلا السيد الزعيم جمال عبدالناصر"، ليعود "ديان" منكسراً يجر ذيول الخيبة وراءه.

أسطورية سالم الهِرش

شخصية الشيخ سالم الِهرش تستحق الوقوف امامها طويلاً بل وتأملها أيضاً، فهو أحد الابطال المصريون إبان حرب السويس 1956 وحرب يونيو 1967 والاستنزاف، وكان له دور في حماية الضباط على جبهةً الحرب بعد النكسة وتأمين عودتهم.

الشيخ سالم الِهرشالشيخ سالم الِهرش

المصير الذي كان ينتظر الشيخ سالم هو الإعدام على يد الإسرائيليين لولا المخابرات المصرية التي كانت تعلم كل شيء فانتظرته بسيارة جيب ورحلته إلى الأردن وأسرته عبر ميناء العقبة فاستقبله الأردنيون استقبال الفاتحين هناك، واستقبله الرئيس جمال عبد الناصر وأهداه نوط الامتياز من الدرجة الأولى.

الشيخ سالم الهرش ولد عام 1910 ورحل عن عالمنا عام 1980 م ببئر العبد، وقدم له الرئيس جمال عبدالناصر مجموعة من الهدايا عبارة عن عباءة وسيارة جيب ولكنه قرر التبرع بكل شيء للقوات المسلحة عدا العباءة التي اعتبرها رمز وتذكار من «ناصر»، وبعد نصر 1973 عاد الشيخ سالم إلى سيناء بعد هروبه إلى الأردن خوفاً من بطش الجيش الإسرائيلي حينها.