حوار خاص خاض المعركة وذاق الهزيمة.. اللواء عبدالمنعم طلبة شاهد على النكسة يروي ذكرياتها

رأيت أبطالاً ضاعت رواياتهم بين مشاعر الانكسار والهزيمة

أكلنا «الكُمار» وشربنا من مياه «البردويل» المالحة

سرنا في الصحراء خوفا من طلقات الغدر

جنود إسرائيل استفزونا بكلمات عربية

أشعر أن الله وهبني النجاة حتى أشهد يوم الثأر والانتصار

«آه من النكسة وما أدراك ما النكسة»، عبارة تحمل من الشجن الكثير، وتصيب قائلها بالمرارة والألم، فكيف حال من عاشها؟

كل من عاش نكسة 5 يونيو 1967، بكل تفاصيلها وأحداثها الموجعة، لا زال يتذكر أيام الانكسار وإحساس الهزيمة، ولكن كل هذا الشعور لم يكن إلا نقطة في بحر وجع لدى من كان جزءا من المعركة، ذلك الذي تصدى للعدو ووقف في مواجهته مدافعاً عن كل شبر في أرض مصر.

ذكرى مؤلمة، كلنا نعلم ذلك، ولكن ربما يكمن سر تذكرها في أن تبقى شاهدة على تحول المصري والعربي الذي لا يرضى الهزيمة أبداً.

بصوت حزين مكتوم تغيرت نبرته بعد أن استحضرت العيون بعض مشاهد الألم من ذاكرة لم تنس يوماً، ذكريات لا تعود فقط ليوم الخامس من يونيو، ولكن تبعاته التي كانت أكثر صعوبة.

ذكريات مؤلمة

«عذاب، هوان، انكسار وإحساس ما بين الحياة والموت».. هكذا استدعى اللواء محمد عبدالمنعم طلبة، ذكريات تلك الفترة التي كان فيها «ملازم أول» في انتظار امتحان الترقي لرتبة النقيب، في صفوف الجيش المصري، قبل أن تصدر الأوامر فجأة في منتصف شهر مايو، بضرورة العودة للوحدات.

عاد إلى العريش مقر وحدته، والجميع يراقب تصاعد الموقف السياسي، في حذر شديد في انتظار جملة واحدة «الحرب هتقوم».

«يوم إسرائيل»

يصف طلبة هذه الفترة بأنها من أنشط الفترات التي التزم فيها الجميع بالتعليمات والأوامر وكانت الروح القتالية ودرجة الحماس مرتفعة للغاية لأنهم كانوا في انتظار اليوم الذي وعدهم به الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، «اليوم اللي هنرمي إسرائيل فيه في البحر».

حتى جاءت التاسعة صباحا، يوم 5 يونيو، وبدأ الهجوم الإسرائيلي بـ4 طائرات، وقد كان حينها في «المدفعية».

يقول اللواء طلبة: «كنت أسمع إذاعة صوت العرب التي تؤكد أن يوم إسرائيل جه».

«كرُّ وفرُّ وجحيم»

وعن أكثر المشاهد التي لا تغيب عن ذهنه خلال هذه الفترة قال: «تلك الأيام لا تنسى، أتذكر كل شيء حدث»، مشيراً إلى أن هناك أبطال لم يعلم أحد عنهم شيئاً رغم البطولات التي قاموا بها، ولكنها «ضاعت» في زحمة الانكسار والهزيمة -على حد قوله-.

تذكَّر تفاصيل عمليات الكرَّ والفرَّ ورحلة الانتقال من جحيم الحرب إلى بر النجاة على أرض الهزيمة، وتحدث عن عشرات الكيلومترات التي كانوا يهرولون فوقها، تلك الرمال البيضاء الناعمة التي تلطخت بالدماء حتى وصلوا إلى بيت مواطن في العريش (شمال شرق مصر) استضافه و12 آخرين من الضباط والجنود في بيته المكون من حجرتين أرضيتين، ليبقى هو وأسرته في حجرة، ويقضي الضباط ليلتهم في الحجرة الأخرى.

«طلقات الغدر»

ليستمر السير ورحلة المجهول في اليوم التالي «في عِزّ حرارة يونيو» من العريش إلى القنطرة شرق، وفي أثناء التنقل وصلت إليهم بعض الأنباء عن رفض الرئيس عبدالناصر وقف إطلاق النار.

لم نستطع -الكلام على لسان طلبة- أن نسير على الطريق الرئيسي؛ لأن العدو يتمركز عليه، لذا كان السبيل الوحيد هو التنقل بين الجبال وعلى الرمال، خوفاً من طلقات الغدر التي لن تترك أي جندي مصري كان سيظهر أمامهم.

ويستكمل طلبة حديثه قائلاً: «وافق عبدالناصر في الأخير على وقف إطلاق النار، وبدأ الجميع الخروج على الطريق لإيجاد أي وسيلة مواصلات تأخذنا للقنطرة لنجد المئات يظهرون فجأة حيث كانوا يختبئون بين الجبال في مجموعات متفرقة تجمعت بعد قرار وقف إطلاق النار.

«ذل وتشفٍ»

ولم ينس اللواء طلبة، أبداً المشهد الأول الذي قابل فيه أفراد من قوات العدو في طريق العودة بالقرب من بحيرة البردويل حيث مرت عليهم سيارة بها 5 جنود إسرائيليين بدت عليهم رغبة شديدة في التشفي فيهم وكأنهم يبحثون عن نظرة ذل وإحساس بالهزيمة في عيونهم.

كما يتذكر أيضاً كلمات جندي إسرائيلي، كان يتحدث العربية بصعوبة حيث سأله عن اسمه، ورد بأن اسمه «أحمد»، رافضاً أن ينطق اسمه الحقيقي «محمد»، قبل أن يحاول تهديده قائلاً: «هتمشى معايا كويس هديلك مياه وأكل، هتمشى وحش هموتك».

ولم يكتف بهذا القدر، بل استمر في توجيه التساؤلات باحثاً عن إجابة: «أنت دخلت الحرب ليه؟ ناصر عايز الحرب، ديان مش عايز الحرب، ناصر كان عايز يرمينا فى البحر».

لينهى كلامه لطلبة قائلاً: «أنا عارف لو ناصر قال حاربوا هتحارب تاني».

«أهوال وإهانات»

أيام من التفتيش الإسرائيلى عند كل نقطة، النوم ساعة أو اثنين، أكل «الكمار» وهو قلب النخل الصغير، وشرب مياه البردويل «المالحة».. وهنا توقف طلبة عن الحديث للحظات، وكأن الألم قد عاوده من جديد أو شعر بمرارة ومذاق ما كان ينزل جوفه، ليستعيد قواه وعافيته من جديد قائلاً: «مات مننا الكثير، هناك مات من الحر، وآخر مات من الجوع والعطش، وآخر بالرصاص الذي مزّق جسده».

«أهوال» هي الكلمة الوحيدة التي استطاع أن يختصر بها شعور أيام النكسة وأحداثها الصعبة، وما تلاها من تعرض لمضايقات وإهانات نالت كل جندي مُحارب رأي المصريون آنذاك، إنه جزء من حالة الانكسار وسبب في الهزيمة، بل كانوا يصفون الجنود بأشد وأقسى الصفات رغم كل ما لاقوه من عذاب وألم.

ومن دون لوم أو تأنيب، رأى طلبة، أن جراح الهزيمة والنكسة كانت لتفعل بالمصريين أكثر من ذلك، فربما كانوا يبحثون عن متنفس للغضب والحزن الذي سيطر عليهم.

«رد اعتبار»

ليُنهي حديثه بنبرة بدت وكأنها تخطت تلك المشاعر بعد تذكر لحظات الثأر والانتصار في أكتوبر 1973، بل يشعر أن الله قد وهبه النجاة من الموت حتى يشهد زوال النكسة وآثارها وفرحة استعادة الأرض ورد الاعتبار.