أتاح الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي لكثير من الناس اكتساح مجال الإعلام الديني، بنشر خطب وفتاوى وأخبار ومعلومات ذات صبغة دينية، وكثير من الخائضين لا يمتون بصلة إلى العلم ومؤسساته الرصينة الجادة، ما أدى إلى تردي الفكر والخطاب الدينيين.
وأضحينا نجد خائضين يحدثون ويعظون بلهجات العامة أو الفصحى، لا يميزون بين مسائل الوعظ والتربية والدعوة وبين مسائل الفلسفة أو السياسة أو الاقتصاد، ولا يراعون قدرات الناس على الفهم والاستيعاب، ولا اختلاف ظروف حياتهم، ولا طرق تفكيرهم ومستويات تعلمهم، ولا يراعون معطيات وحاجات أوساطهم، ولا ظروف وطبيعة المستهدفين وثقافتهم.
إن الخطاب الوعظي أو الدعوي الذي يتمتع بقدر كبير من التأثير على العامة ويستقطبهم بكثافة، لأنه يستغل حضور الدين وأهميته في الحياة الاجتماعية والوجدانية للأفراد، وهذا الخطاب هو وجه من أوجه الخطاب الديني، الذي يعاني عدة انحرافات.
نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: الإغراق في الترهيب والتخويف، والميل إلى التشديد على النفس، وتمجيد الماضي، والخوف من المستقبل، والتغافل عن مقاصد الشريعة، وعن دور العقل وأهمية العلم في بناء التصور الإسلامي.
إنه خطاب يحقر الدنيا، خلافا لروح الإسلام الذي هو كسائر الأديان، جاء بالتعبد؛ والتعبد لا يعني الانقطاع عن العمل والتجرد عن الدنيا، فالإنسان ما خلق إلا ليعبد الله على هذه الأرض وفيها.
فالمقصد العام للشريعة هو عمارة الأرض، وازدهارها، وتحقيق الرخاء، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وفي قيامهم بما كلفوا به ضمان لذلك.
والشارع كلف الناس بما كلفهم به من واجبات في العبادات والمعاملات للمحافظة على الضروريات الخمس وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل.
إلا أن المجتمعات الإسلامية، وللأسف، ما زالت ترفل في أغلال التخلف، والبطالة، والفقر والمرض.
وبعض الخطاب الديني لا يسهم في دفع قاطرة التقدم، فما زال بعيدا عن هموم المسلمين والمجتمعات الإسلامية، يكاد يكون مقطوع الصلة بواقع الأمة، والأخطر أن بعض الوعاظ والمحسوبين على الخطاب الديني، يدعون لترسيخ قيم خطيرة تهدد بنسف كل جهد تنموي، وعرقلة كل خطة للتقدم الاجتماعي والاقتصادي، مثل خطاب الزهد في الدنيا والحياة الدنيوية.
لقد طوق الشرع الإنسان بمسؤولية الاستخلاف على الأرض، وكلفه في إطار هذه المسؤولية بالإصلاح والإحسان والالتزام بالعبادة.
هذه الأعمال لن يستفيد الله شيئا منها. إنما الإنسان هو المستفيد. وهذا هو المقصود من التأكيد الإسلامي على العمل الصالح، وبيانه أن العبادات وحدها لا تكفي لإدخال المسلم الجنة ما لم يصاحبها عمل صالح.
وهو ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وظل يعمل طيلة حياته على تربية المسلمين عليه، ولم يزهدهم أبدا في العمل الصالح النافع المنتج.
والصحابة رضوان الله عليهم، والأئمة والفقهاء، لم يفسروا أبدا الزهد برفض الدنيا، بل بمنع النفس من اتباع الشهوات الدنيوية، واللهف والرغبة في الاستحواذ على الأرزاق والإثراء المبالغ فيه وغير المشروع، الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بالتضييق والإضرار بالآخرين.
يقول القرطبي في تفسيره: "فأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البلغة من حلها فذلك أمر لابد منه، وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نظر في مقصوده، فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته، وادخر لحوادث زمانه وزمانهم، وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات.
وكانت نيات خلق كثير من الصحابة في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم بجمعه، فحرصوا عليه وسألوا زيادته" تفسير القرطبي (3/419)
وأكد الفقهاء أن جزءا أساسيا من العبادة هو تعمير الأرض بالمعنى الواسع لمفهوم التعمير، سواء كان ذلك بالبناء أو شق الطرق أو استصلاح الأراضي أو استنباتها. مصداقا لقوله تعالى ﴿هو الذي أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها﴾ (هود:61) لذا حرصوا على حفز الناس على إثراء واقع الحياة الدنيا وإصلاح حالها. فحسن استغلال الحياة الدنيوية، وتلبية حاجات الناس هو سبيل المجتمعات لتحقيق التقدم.
ومبدأ الإعمار، وحمايته، وحماية الحياة الإنسانية والبرية، ثابت في الإسلام، في حالتي الحرب والسلم، ومن وصايا أبي بكر الصديق أنه قال لأحد قادة جنده: "لا تقتلن امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرِما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تُخرِّبنّ عامرا، ولا تَعقِرَن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة، ولا تَحرقَن نخلا ولا تُغرقنّه، ولا تَغلُل، ولا تجبُن".
إن الزهد في الدنيا، خطاب خطير، يوجه معاول الهدم إلى كل جهود التنمية والتقدم، ويشجع المسلمين على مقاطعة مصالحهم، والتنازل عن حقوقهم الاجتماعية وحاجاتهم الطبيعية، والامتناع عن الاستمتاع بدنياهم، وخيرات مواردهم، قال علي شريعتي عن ذلك أنه: "يبقي الإنسان مرتبطا بحاجات بسيطة جدا لا تتجاوز حاجات الحيوان"، بدعوى أن الزهد في الدنيا هو أسمى أخلاق السلف، في حين أن المسلمين ظلوا عاجزين عن تلبية حاجاتهم الضرورية وتوفيرها. فهذا الخطاب ليس بريئا من المسؤولية في إدامة تخلفنا عن الركب الحضاري العالمي.
خطاب الزهد في الدنيا يقدم الدنيا على أنها دار ابتلاءات، وقنطرة عبور، ولا شيء فيها يستحق الاهتمام، ولا قيمة لأي كسب فيها، ولا لأية ثروة، وخير الناس من غادرها كما دخلها، عاريا فقيرا معدما.
وهذه الصورة السيئة عن الدنيا التي يرسخها هذا الخطاب، لا تحفز على العمل، وعلى المشاركة في الحياة المدنية، ويؤدي إلى علاقة خاطئة بالدنيا وفهم خاطئ للحياة. وتبقي الإنسان مرتبطا بحاجات بسيطة جدا، لا تتجاوز حاجات الحيوان، ويمنعه من استثمار مواهبه ومهاراته، ويدعوه للتخلي عن حقه في الاستمتاع بالحياة الكريمة وبالنعم التي سخرها له الله.
إن هذا الخطاب يتضمن دعوة صريحة للمسلم إلى الانغلاق على نفسه، ونبذ الدنيا وراء ظهره، وقمع الذات، ومدح الخراب والفناء والموت، بدعوى الزهد في الدنيا، ويناقض ما ورد في القرآن الكريم، الذي هو الأصل الأول من أصول الدين، ففي القرآن وردت عدة آيات تحث على العمل، ونيل النصيب من الدنيا، وتأمر بالخير والإحسان، ومحبة الحياة، وجلب المنافع ودفع المضار.
إن شباب الأمة هو طاقتها الحيوية، ولابد من إشراكه في بناء الوطن، وأول شرط لذلك أن نزرع فيه الثقة بالنفس، وتمكينه من التكوين والتدريب، وفتح كل الأبواب في وجهه حتى يطل على العالم الفسيح وينفتح عليه، وتحريره من وصاية الشيوخ المحافظين، وتحميله المسؤوليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتطوير طاقاته، وزرع محبة الحياة في نفسه، وقيمة العمل الإنتاجي، وأهمية تحقيق الرخاء الاقتصادي، وإغناء الثروة الوطنية والحفاظ عليها.