د. محمد محمود عبد الرازق

الإمارات في عيون مؤرخ ومصور إنجليزي

رونالدو كوادري مؤرخ ومصور إنجليزي، قضى ست سنوات في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، متنقلاً بين دبي وواحات ليوا وجبال رأس الخيمة وسواحل أبوظبي، وصولاً إلى جزيرة أبو موسى الإماراتية.

يسترجع السفير الإماراتي عيسى صالح القرق ذكرياته مع كوداري قائلاً: ترجع صداقتي معه إلى عام 1948 عندما التقينا للمرة الأولى وتناولنا فنجاناً من القهوة في دبي. كنت في ذلك الوقت مشغولاً في عملي، في حين أن رونالدو كان قد وصل لتوه من إنجلترا لإدارة امتيازات كونسورتيوم نفطي دولي.

ويستطرد القرق قائلاً: لقد كان وصول شاب إنجليزي طويل ووسيم يتحدث اللغة العربية ليعيش ويعمل في هذا الجزء من العالم العربي يعد حدثاً مهماً بحد ذاته، كانت مهام وظيفة رونالد تتطلب منه القيام بالاتصال والتنسيق المباشر مع حكام الإمارات فيما كان يعرف آنذاك باسم الساحل المتصالح، إلى جانب السفر بشكل مكثف في مختلف أنحاء المنطقة، على الرغم من أن رونالدو كان يبدو شخصاً إنجليزياً تقليدياً متحفظاً، مع خلفيته العسكرية، إلا أنني سرعان ما لاحظت أنه شخص مختلف تماماً عن الانطباع الأول الذي يكونه المرء عنه، فهو يتمتع في الواقع بصفات فريدة، كان شخصاً ذكياً وسيماً ومضيافاً، وعند لقائه مع الزوار كانت لديه القدرة على منحهم الشعور بالراحة والطمأنينة حتى خلال تأديته لمهامه الرسمية.

يحكي كودارى عن إقامته في الإمارات ولقاءاته مع حكامها قائلاً: خلال إقامتي في الساحل المتصالح كان لي شرف اللقاء مع جميع حكام وشيوخ الإمارات، والتقاط الصور لهم. وقد أمضيت وقتاً رائعاً معهم، وأتيح لي شرف اعتبار بعضهم أصدقاء لي، فهم جميعاً تركوا بصمات واضحة في تغيير الواقع السائد بما تمتعوا به من بصيره استثنائية يستحقون من أجلها دخول التاريخ من أوسع أبوابه.

رونالدو كوداري وزوجته في دبي في عام 1952رونالدو كوداري وزوجته في دبي في عام 1952

واهتم كوداري بتصوير الشيوخ لأنه أراد أن تكون هذه الصور بمثابة شهادة إضافية وعادلة في حقهم، وأنها الطريقة المثلي لإعطاء الناس فكرة وافية عما دار في لقاءاته معهم في تلك الأيام.

وعن لقائه بحاكم دبي قال: التقيت للمرة الأولى المغفور له سعيد بن مكتوم آل مكتوم حاكم دبي ونجله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، بناء على طلبي لتوجيه الشكر لهما على ما وفراه لي من الهجن ووسائل الحماية في رحلتي من دبي إلى منطقة الذيد، ورغم أن الشيخ سعيد كان أشيب الشعر، حيث كان عمره ينوف على الستين، إلا إنه كان يتمتع بجسد ممشوق ومظهر أنيق. لقد كان الشيخان في غاية الدماثة، واستمعا إلى لغتي العربية الثقيلة بتأنٍ وصبر.

الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بعدسة كوداريالشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بعدسة كوداري

وقد قابل كودارى في 27 ديسمبر 1949 الشيخ حمد بن سعيد القاسمي، حاكم إمارة كلباء آنذاك: «بمجرد وصولنا إلى خورفكان دعانا الشيخ حمد بن سعيد إلى مأدبة طعام كبيرة استغرق إعدادها وقتاً طويلاً».

وذكر كوداري أن الشيخ استقدم نجاراً لصنع الطاولة الضخمة التي امتلأت بأصناف الطعام بعد ذلك.

ورافق كودارى في 13 أبريل 1949 المغفور له الشيخ أحمد بن راشد المعلا حاكم أم القوين، حيث حضر مجلسه وتصادف وجود نزاع بين أشخاص حول مجموعة من الإبل، فكتب قائلاً: "بينما كنت في جلسة قضاء للبت في نزاع حول الإبل في حجرة جلوسه المفضلة في مجلسه، وكان الجو معتدلاً على خلاف أمزجة فرقاء القضية الذين كانوا يتصايحون، وكل منهم يحاول الدفاع عن موقفه، جلس الشيخ أحمد في صمت، وكانت الرزانة البادية على محياه أثناء استماعه إلى أقوال الفرقاء توحي لكل منهم بأنه متعاطف مع قضيته، ومما لاشك فيه أن تلك الصفة قد أسهمت كثيراً في السمعة الطيبة التي كان يتمتع بها، والنجاح المشهود له في فض النزاعات.

وفى 16 فبراير 1950 التقى كودارى بالشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، حيث ذكر أنه "كان يوماً عظيماً، حيث حضر كل من الشيخ شخبوط والشيخ خالد والشيخ هزاع لتدشين أول مشروع بئر نفطية استكشافية في جنوب شرق الجزيرة العربية. 

الشيخ هزاع بن سلطان آل نهيان بعدسة كودارىالشيخ هزاع بن سلطان آل نهيان بعدسة كودارى

وللأسف لم أتمكن من رؤية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إذ إنه فضل عدم الحضور بسبب العدد الكبير من الناس الذين أرادوا القدوم بمعيته، الأمر الذي يدل على تمتعه بحس مرهف. 

الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في عام 1953الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في عام 1953

وعن هذه الصورة يقول رونالدو: «تمكنت من التقاط هذه الصورة له في ذلك الوضعية الودودة، أثناء مكوثنا ليومين وليلتين في القلعة في انتظار عودة الشيخ شخبوط من حفل تتويج الملكة إليزابيث الثانية».

وظهر الشيخ شخبوط مرتدياً ثياباً جديدة عليها بعض التطريز، وكان يحمل سيفاً بمقبض ذهبي بدلاً من عصاه المعتاد. 

وقد رأيت في ذلك إشارة إلى رغبته في جعل المناسبة مختلفة ومتميزة.

ويستطرد: «في 20 يونيو 1950 رافقت الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ولي عهد دبي آنذاك وستة من حراسه المسلحين إلى جبل علي لكي أبين له الموقع الذي سيتم فيه حفر أول بئر هناك، وكانت العلامة الدالة على الموقع عبارة عن كومة من الحجارة، حيث وقفنا وتبادلنا الأحاديث والآمال بتدفق الذهب الأسود عما قريب، وقد استخدمت ميزه التوقيت الذاتي للكاميرا، من أجل صور تذكارية بهذه المناسبة، وشاعت أجواء المرح بيننا، حيث كنت أتجه إلى الكاميرا لضبطها ومن ثم أعود لكي أمسك يد الشيخ راشد».