تحت هذا العنوان الذي يتصدر ذلك المقال، دعيت للمشاركة في ندوة أقيمت على هامش معرض أبوظبي الدولي للكتاب في نسخته رقم الـ31 والتي انتهت قبل يومين.
دعا إلى تلك الندوة مركز أبوظبي للغة العربية برئاسة الدكتور علي بن تميم، وهذا المركز بات هو المسؤول عن تنظيم فعاليات المعرض.
عقدت الندوة في قاعة (منصة الشباب)، حيث شارك فيها الناقد العراقي الدكتور صالح هويدي والشاعر والروائي الإماراتي علي الشعالي، وكاتب هذه السطور، أما مدير الندوة فكان الناقد التونسي الدكتور عبدالدايم السلامي.
لا ينكر الوثبات الهائلة التي وثبتها الإمارات في غضون أعوام قليلة إلا جاحد، ولا يفرح بما حققه أهل الإمارات من نجاحات مذهلة إلا حقود، إذ تشهد العقود الأخيرة على ما وصلت إليه الإمارات من تطور مدهش في المجالات كافة: في العمران، في تخطيط المدن، في الانضباط المروري، في تسهيل الإجراءات الحكومية، في توفير سبل الراحة، في انتشار الحدائق هنا وهناك، في إنشاء أحدث المولات، في استيعاب جميع الثقافات والجنسيات التي تمثل سكان العالم كله.
أجل.. فالإمارات تحتضن أناساً يمثلون نحو 200 جنسية، كلهم جاءوا بأفكارهم وعقائدهم وعاداتهم وطقوسهم وطعامهم وأزيائهم ليعملوا في هذه الأرض الطيبة، وليسعدوا بسبل الراحة التي لا تتوافر عادة في بلدانهم، ومع ذلك، فهذا الحشد العجيب قادر على العيش معاً بسلام وأمان تحت راية الإمارات المرفوعة عالياً، فالكل أمام القانون سواء، الأمر الذي يمنع أي اعتداء على فكر الآخرين أو طقوسهم وعاداتهم.
أذكر مرة، وأنا أتجول مع الشاعر والمفكر السوري الكبير أدونيس في أحد مولات دبي، أذكر أن قال لي: (يا ناصر.. دبي مُصغّر الكون، فأنت محظوظ لأنك تعمل وتقيم في هذه المدينة بالغة الفرادة)، والحق أقول لكم: إنني فعلاً محظوظ بذلك، فبامتداد أكثر من 23 عاماً وأنا أمارس حياتي في الإمارات بكل مودة وحب واحترام.
في ندوة (مدن الإمارات بوصفها مكانا روائياً) تجول بنا الدكتور صالح هويدي في عدد من الروايات المهمة التي كتبها مبدعون من الإمارات حول البيئة التي نشأوا فيها، فرأينا إطلالة عامة على تاريخ أبوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة من خلال نصوص روائية متينة البناء مثيرة للخيال.
أما علي الشعالي، فتحدث حول تجربته الروائية الأولى (الحي الحي)، والتي حصدت جائزة العويس للإبداع التي تنظمها ندوة الثقافة والعلوم بدبي. في هذه الرواية قدم لنا الشعالي بانوراما ممتدة في المكان والزمان حول دبي وتطورها وما جرى لبعض أهلها وساكنيها.
بالنسبة لي، فقد أنجزت ثلاث روايات، من بين 12 رواية أصدرتها حتى الآن، استلهمت جميعها من مدينتي دبي والشارقة، فجاءت روايتي (العاطل) التي صدرت عام 2011 حول شاب مصري قليل الحيلة، لم يجد له عملاً لائقاً في القاهرة، فغادرها إلى دبي ليواجه مصيره بين جنسيات عربية وأجنبية مختلفة. وقد وصلت هذه الرواية إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية/ البوكر العربية في نسختها الخامسة عام 2012، والتي تنظمها هيئة أبوظبي للثقافة.
(نساء القاهرة. دبي) هي روايتي الثانية التي ظللت فيها دبي معظم أحداثها، فهي عن أسرة مصرية مسيحية غادرت القاهرة في التسعينيات، واستقرت في دبي لتكتشف أبعادًا أخرى في مسيرة حياتها.
وتبقى روايتي الثالثة، وهي (أيام هستيرية) التي كتبتها في دبي في أثناء فترة الكمون العالمي، وأعني حين اكتسح فيروس كورونا الوغد البشرية كلها، فحصد أرواح الآلاف في أيام معدودات.
على أية حال، أظن أن الإمارات بمدنها العفية المتألقة ستظل مصدر إلهام لكل من تحرضه موهبته على خوض عباب بحر الرواية، وما أعذبه من بحر.