موسكو تلوح بـ«سلاح الغاز».. وعيون أوروبا على مصر وإسرائيل

بعد رفض الدفع بالروبل

أعلن رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، أن دول الاتحاد الـ27 وافقت، مساء الإثنين، على فرض حظر على النفط الروسي يشمل أكثر من "ثلثي" وارداتها النفطية، بسبب الهجوم الروسي على أوكرانيا.

ومن المتوقع أن يكون المجلس قادرا على وضع اللمسات النهائية على حظر ما يقرب من 90 %من جميع واردات النفط الروسي بحلول نهاية العام الجاري 2022 ، ولأن روسيا تعلم جيدا أن أوروبا لا تستطيع اتخاذ أي إجراءات بشأن استيراد الغاز فقامت بالرد على تلك القرارات بـ"سلاح الغاز"، حيث أعلنت مجموعة "غازبروم" الروسية أنها علّقت إمدادات الغاز إلى هولندا بعدما رفضت شركة "غاز تيرا" الهولندية للطاقة إتمام عملية الدفع بالروبل في أعقاب غزو أوكرانيا، قائلة في بيان رسمي "أوقفت غازبروم إمدادات الغاز لعدم إتمام الدفع بالروبل".

وفي ظل توتر الأوضاع، بات على الاتحاد الأوروبي البحث عن مصادر جديدة للغاز خارج دائرة تحالفات الدب الروسي، مما يشير إلى تغير كبير سيطرأ على خريطة تصدير الغاز على مستوى العالم، ولكن سيبقي السؤال الأهم في هذا المعادلة هل تستطيع أوروبا الاستغناء عن الغاز الروسي؟ وما هي الدول المنتجة للغاز ولديها القدرة على الإيفاء باحتياجات أوروبا؟

مصر.. دور محوري

العام الماضي 2021 اتفق وزيرا الطاقة الإسرائيلي والمصري على بناء خط أنابيب جديد للغاز بين حقل ليفياثان البحري في شرق البحر المتوسط ومصر بهدف زيادة شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، وفق مصادر إسرائيلية قريبة من المحادثات، حيث أعلن عن الاتفاق خلال زيارة لوزير البترول المصري طارق الملا إلى القدس حيث التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية غابي أشكنازي ونظيره يوني شتاينتس في ذلك الوقت، بهدف تعزيز التعاون فيما يتعلق بالغاز الطبيعي.

وانتهى اللقاء على اتفاق ثنائي بإنشاء خط أنابيب بحري للغاز يربط بين حقل ليفياثان للغاز ومنشآت التسييل في مصر، بهدف زيادة صادرات الغاز إلى أوروبا من منشآت التسييل في مصر وبالتالي تلبية للطلب الأوروبي المتزايد على الغاز الطبيعي.

ويقول المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول السابق، أن أوروبا طلبت زيادة توريد الغاز الإسرائيلي بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، مؤكدا أن هذه المطالب تحمل الكثير من المكاسب لمصر، مشيرا إلى أنه من المتوقع أن تصدر مصر، بعد توقيع اتفاق مع قبرص ما يقرب من مليار ونصف قدم مكعب غاز يوميا إلى أوروبا مما يؤكد أن مصر تعتبر مركز محوري لتبادل الطاقة.

ويؤكد أنه من المتوقع وصول الغاز الإسرائيلي في فبراير من العام المقبل، ومن المتوقع وصول الغاز القبرصي خلال عامين لمصر تمهيدا لتصديره، مشيرا إلى أن أوروبا في حاجة لتفعيل ومضاعفة إنتاج الغاز في دول شرق المتوسط خلال الفترة المقبلة.

مصر وإسرائيل.. حتمية التعاون

تداولت الأوساط الاقتصادية تعليقات بشأن مستقبل الغاز في العالم، وتبادلوا الآراء حول البدائل المتاحة، حيث أعلنت إسرائيل منذ أيام أنها تدرس مجددا التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط تمهيدا لإرساله لأوروبا، مؤكدين أن الأزمة الروسية الأوكرانية فتحت أبواب سوق الغاز أمام دول أخرى كإسرائيل وبالتالي سيتم نقل الغاز من إسرائيل لمصر لتسييله وتجهيزه للتصدير لأوروبا.

ويقول الدكتور رمضان أبو العلا، نائب رئيس جامعة فاروس بالإسكندرية والخبير البترولي، إن عملية حظر استيراد الغاز والنفط الروسي ردا من الاتحاد الأوروبي علي النزاع الراهن مع أوكرانيا؛ لا يتوقف علي عمليات توريد الغاز فقط ولكنه يتضمن عمليات استخراج الزيت الخام من روسيا والذي يقدر معدل الإنتاج اليومي 5 ملايين برميل.

ويضيف "أبو العلا" في تصريحات خاصة لـ "سفن إي نيوز"، إن مصر ليست طرفا أو لها علاقة بعمليات حظر الغاز الطبيعي والمواد النفطية لأوروبا، موضحا أن حجم الغاز المورد من روسيا لدول أوروبا يقدر بـ 200 مليار متر مكعب سنويا فيما يبلغ حجم زيادة عمليات التصدير من مصر بمقدار 6 مليارات متر مكعب وهي لا تمثل نسبة أقل من 5% من حجم الكميات التي تصدرها روسيا.

أوضح "أبو العلا" أن مصر يمكنها استغلال العقوبات النفطية التي فرضتها أوروبا علي روسيا؛ من خلال البنية التحتية ومحطات الإسالة لديها في منطقتي إدكو ودمياط، وتعويض ما يتراوح بين 15% حتي 20% من نقص كميات الغاز الموردة من روسيا و تلبية احتياجات البلاد الأوروبية.

ويؤكد أنه يمكن من خلال رسوم عبور الغاز ومصروفات الإسالة عبر مصر؛ تحقيق عوائد اقتصادية للخزانة العامة وهو ما يعزز مواردها وخصوصا من النقد الأجنبي.

وذكر "أبو العلا" أن هناك محاولات إسرائيلية مستميتة أشبه بـ "الطنطنة الفارغة"- علي حد قوله؛ ليس لها أي دلائل على أرض الواقع خصوصا الإدعاء بإنشاء مصنع إسرائيلي لإسالة الغاز المستخرج من المياه العميقة بمنطقة البحر المتوسط، حيث يعد مكلف ويستغرق المزيد من الوقت .

خطة بعيدة المدى

بعد الإجراءات التي اتخذتها أوروبا، بدا للبعض وكأن قرارات الحظر والاستغناء عن النفط والغاز الروسي سهلة أو أنها لن تؤثر على الاقتصاد الأوروبي، لكن هذا الأمر غير حقيقي بالمرة، فمع زيادة الضغط الأوروبي والأميركي على ألمانيا –التي تعتبر من أكبر الدول المستورد للغاز الروسي- للاستغناء في أسرع وقت عن موارد الطاقة الروسية، قررت برلين العودة مرة أخرى للاعتماد على الفحم، وإلغاء خطط الاستغناء عنه الذي كان مقررا بحلول عام 2030، والوصول إلى صفر انبعاثات بحلول 2045، ولكن المتابعون للحرب الروسية الأوكرانية والموقف الأوروبي منها أكدوا أن الضغوط السياسية والاقتصادية على برلين، دفعت حتى أشد الأحزاب اهتماما بالبيئة مثل حزب الخضر، للتراجع عن مبادئه الرافضة لاستخدام الفحم الحجري.

ويقول المستشار الألماني أولاف شولتز، إن بلاده تعمل على الاستغناء عن النفط الروسي هذا العام، وفيما يخص الغاز، سيستغرق خفض حصة واردات الغاز الطبيعي الروسي إلى 24 % حتى صيف 2024، قائلا: "ألمانيا تعمل بنشاط لتحرير نفسها من الغاز الروسي"، الأمر الذي يؤكد أن تنفيذ قرار الحظر الأوروبي لن يتم تطبيقه بسهوله أو على المدى القريب بل سيستغرق هذا الأمر سنوات.