د. محمد محمود عبد الرازق

أبوظبي.. حضارة ممتدة إلى عمق التاريخ

شهد عام 1959 أولى الاكتشافات الأثرية في ساحل الإمارات، على يد بيتر جلوب وجيفري بيبي، اللذين عملا بتكليف من قبل متحف آرهوس بالدنمارك، على حفائر أثرية وبحوث إثنوغرافية.

ودرس بيبي اللغات الشرقية في جامعة كامبريدج، وعمل في شركة نفط العراق في البحرين، وبدأ العمل هناك في عام 1953، ثم امتد نشاطه لبقية الساحل المتصالح.

وتعتبر جزيرة أم النار المجاورة لأبوظبي، واحدة من أهم الجزر الإماراتية، التي تقدم موقعاً أثرياً قدم اكتشافات كبيرة ساعدت على إلقاء الضوء على حياة سكان الإمارات خلال العصر البرونزي وثقافتهم وأسلوب حياتهم، وهي الجزيرة التي أشار إليها المغفور له الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي آنذاك، في العديد من المخاطبات الرسمية، حتى أنه منح المهندس البريطاني تيم هيليارد الضوء الأخضر للكشف عن المقابر فيها.

وقد لفتت تلك الخطوة انتباه جلوب وبيبي إلى أهمية أبوظبي الأثرية، وبدأوا نشاطهم فيها خلال الفترة (1954 – 1958).

وكان هيليارد آنذاك هو المدير المحلي للتنقيب عن النفط في شركة أبوظبي للمناطق البحرية التي حصلت على امتياز التنقيب في المياه البحرية لإمارة أبوظبي.

وكان يعرف بيبي من خلال زياراته لعلماء الآثار الدانماركيين في مُخيم قلعة البحرين.

وذكرت الآثارية الدنماركية كارين فريفليت، أن هيليارد طلب من جلوب وبيبي في عام 1958 الحضور إلى أبوظبي للكشف عن تلال الدفن في جزيرة أم النار، التي يهتم بها الشيخ شخبوط بن سلطان شخصياً، حيث كان لديه إيمان عميق بوجود أدلة أثرية بالمنطقة، ربما لرؤيته شواهد قبور تعرضت للتدمير تدل على الاستيطان المبكر للمنطقة.

كارين فريفلت وجيفري بيبي في واحة العينكارين فريفلت وجيفري بيبي في واحة العين

وقد اطلع الشيخ شخبوط بن سلطان على مقالتين تتحدثان عن اكتشافات أثرية مهمة قام بها جلوب وبيبي في البحرين، فقرر استقدامهما للتنقيب في المنطقة.

وخصص الشيخ شخبوط ميزانية لإجراء الحفائر قدرها ألفين جنيه إسترليني، واستمرت المرحلة الأولى لعمليات التنقيب من 15 فبراير إلى 29 مارس عام 1958.

وأمر الشيخ شخبوط بتدشين مخيم للبعثة وإرسال كافة الإمدادات اللازمة له. 

وكان المخيم مبني بعريش النخيل في مساحة واسعة على الشاطئ، وقد وفر له كميات محدودة من المياه المُقطر، وكان يجري جلب عشرات العمال كل صباح بالسيارة من أبوظبي للمساعدة في أعمال الحفائر.

عُثر في هذه المرحلة على كمية بسيطة من الفخار المطلي، وحاول بيبي تأريخها بالنصف الثاني من الألفية الأولى قبل الميلاد. 

وفي الموسم الثاني عام 1960 حُفرت ستة تلال، لديهم نفس النوع من البناء، حيث استخرج كمية كبيرة جداً من الفخار المطلي، وقد ثبت أنه يتشابه مع المكتشف في وادي بامبور جنوب شرق إيران، وفي منطقة بلوشستان.

وقد عنيَّ المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" أيضاً بعملية التنقيب في أم النار، وفي منطقة حفيت، فكتب بيبي إلى مدير البترول البريطاني جيفري ستوكويل أن الشيخ زايد دعاهم في 7 مارس 1959 لزيارة منطقة العين، التي تحتوي على تلال دفن مُماثلة في منطقة نود الجهل جنوب العين.

المغفور لهما الشيخ شخبوط بن سلطان والشيخ زايد بن سلطان في أحد مقابر أم النار عام 1958المغفور لهما الشيخ شخبوط بن سلطان والشيخ زايد بن سلطان في أحد مقابر أم النار عام 1958

ونود هي منطقة تقع بين جبل حفيت والعين، وتوجد بها حوالي 200 من حجرات الدفن الحجرية، وبدأ التنقيب عن هذه المدافن وحفرت حوالي 25 منها، وعثر في إحداها على خنجر من البرونز، وفي أخرى على طاحونة تنسب لقبور حفيت.

برقية بتاريخ 7 مارس 1959 يدعو فيها الشيخ زايد كلاً من بيبي وجلوب لزيارة العينبرقية بتاريخ 7 مارس 1959 يدعو فيها الشيخ زايد كلاً من بيبي وجلوب لزيارة العين

وفي الجزء الشمالي من العين في واحة البريمي شرق قرية هيلي، يوجد أيضاً هناك عدد من المقابر الحجرية التي تنتمي لطراز مقابر أم النار. 

وعثر فيها على نقوش متقنة خلال العامين (1964، 1965).

وبعد زيارة جلوب للبريمي عام 1964 أجرى برفقة بيبي مسحاً بطول الساحل تجاه الشمال في مشيخات دبي، والشارقة، ورأس الخيمة، والفجيرة. 

وتوجد العديد من المواقع التي ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ، ومنها دبا على المحيط الهندي، وهي الأكثر شهرة منذ العصر الحديدي.

ومنذ عام 1968، شاركت الآثارية كارين فريفلت في رحلات استكشافية إلى أبوظبي، ونقبت في واحة العين حتى عام 1972، وشاركت في المنطقة المعروفة باسم الرميلة، التي كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قد لفت انتباه الآثاريين إلى أهميتها. 

وفيها تم الكشف عن قاعة ذات أعمدة ترجع إلى الألفية الأولى قبل الميلاد، وعُثر فيها أيضاً على نماذج متشابهة لها على طول ساحل الإمارات بالقرب من هيلي، وتدل هذه الاكتشافات على أنها كانت مناطق استيطان.

وفي عام 1970 كان جلوب قد بلغ الستين من عمره، وتم إعداد ملخص للنتائج التي توصل إليها في أبوظبي، جاء فيه أن الأواني التي عثر عليها في أبوظبي تتشابه مع تلك التي عثر عليها في مقابر حفيت وأنها تعود إلى عصر جمدة نصر، وهذا يدل على وجود علاقة وطيدة بين الإمارات وبلاد ما بين النهرين.

كما تم الكشف عن منحوتات صخرية في منطقة قرن بنت سعود، وكسر أواني حجرية، ورؤوس سهام نحاسية ترجع إلى أواخر العصر البرونزي.

وزار فريق البعثة الأثرية قصر الحصن في أبوظبي، وتحكي فريفلت تفاصيل اللقاء الذي جمعهم بالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وتقول: "وجلسنا مع الحاكم الشيخ زايد في قصره، وحوله عشيرته ومعهم بنادقهم المطلية بالفضة، ودار نقاشاً مثمراً بين علماء الآثار الدانماركيين والشيخ زايد عن نتائج الحفريات، وكانت تجربة ثقافية فريدة، ومنذ هذه الأيام أخذت الإمارات على عاتقها العناية بعلوم الآثار والاكتشافات الأثرية".