وقعت الحكومة المصرية مع مجموعة "سيمنز" الألمانية، السبت الماضي، عقدا لبناء خط سكك حديد لقطارات فائقة السرعة بطول ألفي كيلومتر، بحيث يكون سادس أكبر نظام للسكك الحديدية فائقة السرعة في العالم.
بموجب هذا الاتفاق بدأ الحديث في الأوساط الاقتصادية حول إمكانية تحقيق التنمية الاقتصادية عن طريق هذا المشروع، وإثارة عدد من التساؤلات أهمها: هل تستطيع الشركات العاملة في المشروع مواجهة التحديات العالمية التي على رأسها التضخم؟
المشروع الضخم يمثل فرصة مهمة أمام الاقتصاد المصري، ووصفته المدير التنفيذي لشركة سيمنس بأنه "قناة سويس على قضبان"، كونه يربط البحر الأحمر بالمتوسط.
جانب من توقيع الإتفاقية
تواجه "أوراسكوم" تحديات كبيرة في السوق المصرية نتيجة التضخم، واضطراب سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، وفقاً للعضو المنتدب للشركة، الذي أكد في المقابل أيضاً أن أرباح المقاولات مازالت جيدة، متوقعاً أن تكون النتائج بنهاية العام الجاري مقبولة لحاملي أسهم الشركة المدرجة.
ويقول الخبير الاقتصادي، سمير رؤوف، إن الشركات العاملة على مشروع القطار السريع لديها حق امتيازات للتحالف 15 عامًا، يتم من بعدها نقل الإدارة للدولة بالكامل بنظام bot هو نظام تعاقد يكون طرفه الأول الحكومة وطرفه الثاني القطاع الخاص الذي يقوم ببناء المشروع واستغلاله لفترة محدودة يكون خلالها هو نفسه المالك، ويحصل على عائدات المشروع خلال تلك الفترة، وفي النهاية ينقل ملكية المشروع وحيازته للطرف الأول (الحكومة)، الأمر المتعارف عليه إعلاميًا باسم شراكة القطاعين العام والخاص.
الخبير الاقتصادي سمير رؤوف
ويضيف "رؤوف" أن تكلفة المشروع وصلت لقرابة 8.1 مليار دولار لخط إسكندرية أسوان يمر بالقاهرة والجيزة، وقطار السخنة العلمين مرورًا بالعاصمة الإدارية الجديدة وهو تحالف لـ"أوراسكوم" و"المقاولون العرب" بالتعاون مع شركة فرنسية.
ويؤكد "رؤوف" أن تكلفة المشروع الثاني تصل إلى حوالي 360 مليار جنيه، أي ما يقرب من 19 مليار دولار بحسب تصريحات الحكومة المصرية، بحيث يصل إجمالي تكلفة المشروعين لحوالي 35 مليار دولار.
ولتأمين المشروعين تتضمن التكلفة إنشاء محطة توليد الكهرباء، كما تمتلك أوراسكوم مصنعًا للأسمنت يمكنها استغلال جزء من إنتاجه كأحد آليات التحوط ضد مخاطر تقلبات الاقتصاد العالمي.
وعن الحديد تابع "رؤوف": "يجب مراعاة آلية التحوط وعقود التوريد التحوطية مع إيجاد مصدر لصناعة الحديد يضمن عدم تقلبات أسعار الحديد والصلب".
وفيما يخص الآثار المالية للمرحلة الأولى للمشروع، صرح العضو المنتدب لـ"أوراسكوم" بأن الأثر المالي للمشروع في مرحلته الأولى التي بدأت بالفعل سيظهر نهاية العام الجاري، أو مطلع العام المقبل، مع تزايد حجم الأعمال وصرف الدفعات التعاقدية.
شركة أوراسكوم
ووقع التحالف في سبتمبر 2021 المرحلة الأولى من الشبكة التي تمتد بطول 660 كيلومتراً، ومنذ أيام جرى توقيع المرحلة الثانية بطول إجمالي يبلغ 1315 كيلومترًا، ليصل إجمالي حجم الشبكة إلى ما يقرب من 2000 كم، لتكون سادس أكبر نظام للسكك الحديدية فائق السرعة في العالم.
ويعلق الدكتور علي الإدريسي، أستاذ الاقتصاد بأكاديمية النقل البحري، قائلاً إن الدولة مازالت تحاول استكمال المشروعات التي بدأتها في قطاعات البنية التحتية والنقل، مشيرا إلى أن توقيع عقود تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع يؤكد إصرار الحكومة على تقديم خدمات متميزة للمواطنين المصريين في قطاع النقل.
وأكد أنه كلما تحسنت خدمات النقل الجماعي انخفض معدل الزحام، فضلاً عن توفير خدمات آمنة ومريحة وجيدة للمواطنين مما سينعكس أيضًا على زيادة مؤشرات السياحة الداخلية، خاصة مع استهداف محافظة سياحة كالإسكندرية.
ويضيف "الإدريسي" أن توقيع الاتفاق بين الحكومة وأوراسكوم يؤكد مفهوم الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص وإتاحة العديد من المشروعات، الأمر الذي يساهم بشكل مباشر في توفير فرص عمل للشباب، فضلاً عن المردود التي تدره عن طريق الأرباح المستدامة، مما يحقق الاستفادة لكلا الطرفين سواء المواطنين أو الحكومة، الأمر الذي سيُحاكي العديد من تجارب النقل المتقدمة على مستوى العالم.
مصر تمتلك شبكة كبيرة للسكك الحديدية لكنها تعاني منذ عقود من قلة الاستثمار والحوادث في هذا القطاع، وسرعت الحكومة في السنوات القليلة الماضية مسعى خاصاً بالبنية التحتية يشمل تطويرا سريعا لشبكة الطرق.
السكك الحديدية المصرية
ومن جانبه، يؤكد الباحث الاقتصادي الدكتور السيد خضر، أن العالم يتعرض حاليًا للعديد من الصدمات والاختلالات الهيكلية التي تؤثر على أداء الاقتصاد العالمي بسبب الصراعات التجارية ومدى خلق اختلالات في الاقتصاد العالمي بسبب تزايد حدة الصراعات والأحداث الجيوسياسية من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية واستمرار تلك الحرب وازدياد حدة ارتفاع معدلات التضخم، بالإضافة إلى تأثير ذلك على العديد من المؤشرات الاقتصادية وأيضًا على استمرار تنفيذ المشروعات القومية.
ويضيف "خضر" أن الاقتصاد المصرى جزء لا يتجزأ عن الاقتصاد العالمى، بحيث لا يمكن أن يسير الاقتصاد المصري بمعزل عن التأثر بالاقتصاديات العالمية، خاصة مع استمرار موجة التضخم العالمية، مشيرًا إلى أن مصر وقت انتشار جائحة "كوفيد-19" كانت أحد أهم الدول التي استمرت في تنفيذ المشروعات القومية ولم يعيقها شيء عن الاستمرار في بناء الدولة، مؤكدًا أن الوضع حاليًا يختلف بشكل جزئي عن السابق فى ظل الصراعات التجارية والتحديات العالمية، وتأثير ذلك على عدم تحقيق توازن في الأسعار واضطرابات سعر الصرف.
ويقول الباحث الاقتصادي أن التحديات الحالية ستؤثر بشكل جزئي على أرباح الشركات المنفذة فى تلك المشروعات العملاقة، داعيا الشركات إلى القيام بتخزين متطلبات مشروعاتها لتقلل من حجم الأضرار المتعلقة بزيادة الأسعار، بأكثر من 60% من تنفيذ تلك المشروعات.
وقال "خضر" إن الدولة المصرية لديها الإصرار التام على استكمال تلك المشروعات القومية والانتهاء منها فى الوقت المحدد، وسيكون هناك دعم جزئي لتلك الشركات أو تعديل بعض البنود من أجل مواجهة التضخم في الأسعار وسرعة الانتهاء من المشروعات فى مجال البنية التحتية التي ستنعكس على جذب مزيد من الاستثمارات الضخمة في الفترة المقبلة، وتساهم في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مما يعزز أداء وتطوير أنظمة السكك الحديدية فائق السرعة في مصر.