الزبير مهداد

آفتا الخطاب الوعظي المنحرف

آفات الخطاب الوعظي المتزمت كثيرة، فهو غارق في النزعة الماضوية التي جعلته يعيد إنتاج مقولات عتيقة بدون ربطها بسياقها ولا بمناسباتها أو بظروفها، ويبحث في الماضي عن حلول لمشكلات الحاضر، عدم الاستفادة من التراث الفكري العربي المتنوع من أدب وفلسفة وفقه وغيره.

هذا الخطاب ينأى عن الوسطية والواقعية، ويغيب العقل ويحجر عليه.

الآفة الأولى.. الابتعاد عن الوسطية والواقعية

يتعامل الفكر الفقهي الوسطي بواقعية مع الإنسان الفرد ومع المجتمع الإنساني، ولا يتعامل مع تصورات عقلية مجردة أو فلسفة عقلية مثالية مطلقة. 

ويراعي هذا الفكر واقع الإنسان، من حيث بنيته وازدواجية طبيعته، وتعدد نزعاته ومحدودية قدراته، فهو يخطئ ويصيب، يقوى ويضعف، يؤمن ويكفر. 

كما يراعي هذا الفكر عضوية الإنسان الاجتماعية، وواقع الحياة الدنيوية، من حيث هي تجربة حافلة بالخير والشر، تؤثر على مدى استجابة وخضوع الإنسان لمشيئة الله في الدنيا.

ومرونة هذا الفكر تجعله يتعامل بليونة مع بعض المستجدات، التي تفرض تبصرا وإدراكا لمتطلبات التغير الاجتماعي قبل رفضها، ثم مراعاة المعنى الأساسي للإسلام، معنى الاجتماع والتضامن والوحدة، بحيث لا يؤدي رفض أو تأييد هذه المستجدات، أو تلك إلى انقسام في صفوف المسلمين، وهذا ما كان يوصي به الإمام الأعظم المربي أبو حنيفة النعمان تلاميذه.

فضلا عن ذلك، فإن كثيرا من مقتضيات الواقع المستجدة، التي تدخل في نطاق المعاملات، لم يرفضها هذا الفكر جملة وتفصيلا، حتى لو خالفت في ظاهرها مقتضيات الشرع، ما لم تكن من الأمور العقائدية أو العبادات، فإنها تخضع للفقه المبني على القياس ومراعاة المصالح والأعراف، وهذا الفقه يقبل التطور بحسب الحاجات الزمنية والبيئات ما دام الحكم في نطاق الشريعة وأصولها.

إن الفكر الفقهي يتعامل مع القضايا والتساؤلات المستجدة التي يطرحها الواقع باستمرار، ويعتبر الفقهاء المربون هذا الواقع مسألة جوهرية، لأن كل فكر أو فتوى يفتقد رؤية سليمة وصحيحة للواقع يكون عملا ناقصا.

الآفة الثانية.. تغييب العقل

ومن دلائل تكريم الله للإنسان أن خصه بالذكاء والتفكير وعلمه دون سائر المخلوقات. كرم الله الإنسان بأن خصه بالعقل وحثه على التفكير وطلب العلم لبلوغ درجة التقوى الموصلة إلى السعادة في الدارين الدنيا والآخرة. ويكاد يجمع الفقهاء على أن العقل هو عمدة التكليف وبه يعرف الله ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله.

يقول الماوردي في أدب الدين والدنيا: (أس الفضائل وينبوع الآداب هو العقل، الذي جعله الله تعالى للدين أصلا وللدنيا عمادا، وأوجب التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه). 

ويقول الغزالي في الإحياء: (إن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم، فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، فليس ذلك بقوة شخصه ولا بعظمته ولا بشجاعته، بل لم يخلق الإنسان إلا للعلم).

لهذا أولى الفقهاء أهمية للحفاظ على العقول وحمايتها من الفساد، وسائر الأسباب التي تجعلها مريضة. ولكن هذا الخطاب المنحرف يهدر دور العقل ويصادر الفكر على المستوى العلمي والثقافي. 

ويتعارض مع الإسلام لأنه يتعارض مع أهم أساسياته (العقل) ويتصور انه بذلك يؤسس (النقل)، والواقع انه ينفيه بنفي أساسه المعرفي) على حد تعبير المرحوم نصر حامد أبو زيد في كتابه نقد الخطاب الديني. لأن نصوص النقل في حاجة إلى عقل يفهمها ويفسرها ويدرسها ويستنبط منها ويقيس عليها.

حصر الوعاظ التقليديون دور العقل في ترسيخ الطاعة والإذعان الديني، ومنعوا كل أشكال التفكير والتساؤل العقلي الفلسفي، أو المناقشة، وبدل ترسيخ العبودية لله وحده، انتقل المسلم إلى الإذعان لتعليمات الفقهاء وآرائهم وأحكامهم، وطاعتها والخضوع لها والتزامها، كأنها دين منزل. 

قال أبو زيد عن الخطاب الديني التقليدي (يختصر علاقة الإنسان بالله في بعد واحد فقط هو العبودية، التي تحصر - الأخيرة - فاعلية الإنسان في الطاعة والإذعان، وتحرّم عليه السؤال أو المناقشة).

إن إقالة العقل البشري أدى إلى التحجر الفكري، وهو أمر يتعارض مع الدعوة الإسلامية إلى الاجتهاد والنظر والتأمل وإعمال العقل وتجديد الدين على رأس كل مائة سنة.

الدين سبب السكينة وداعمها

إن الدين يلعب دورا هاما في تحقيق السكينة النفسية للمتدينين، أما على المستوى الاجتماعي فقد أسهم في ترسيخ قيم التضامن والتكافل والتسامح، وكان عاملا مهما في بناء حضارة إنسانية أشعت بنورها على العالم، وما زالت الإنسانية في حاجة إلى الاستعمال الإيجابي للدين، إلا أن ذلك رهين بتحديد دقيق للأهداف وبإعداد الوسائل الملائمة.

فيجب على الخطاب الديني أن يؤدي وظيفته الاجتماعية، بالإسهام في الإصلاح الاجتماعي وتحقيق خير الناس ومصلحتهم، وأن يجعل هذا الهدف في صلب اهتمامه.

والاستقرار الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق عن طريق خلخلة التوازن النفسي للأفراد، فمن المهم جدا، أن يحرص الخطاب الوعظي على رفع معنويات المؤمنين، وثقتهم في أنفسهم، وفي خالقهم، وأن ينظروا إلى الأمور بواقعية، ويستفيدوا من خلافتهم على الأرض بتعميرها وبنائها وقطف حصتهم مما أنتجوه، وتحقيق رخائهم، حتى لا تتعارض العقيدة مع مصالحهم وتحول دون بلوغ سعادتهم فالشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة.

على الخطاب الوعظي أن يفكر في مصلحة الإنسان أولا وأخيرا، وأن يوجهها الوجهة الصائبة، ويرتقي بروحه وبصيرته وأخلاقه. 

وأن يبصر الناس بكل خطاب مغرض، ويحميهم بتنبيههم إلى مخاطر الانسياق وراء عاطفتهم الدينية، أو استغلالها من طرف الوعاظ المغرضين.

فالإنسان يجب أن يكون أسمى غاية، مصداقا لقول الله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" (سورة الإسراء، آية 70)، فالتكريم سار على بني آدم دون تخصيص والرزق والتفضيل كذلك.