بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، سطع في الأفق تيار مسرحي عرف بمسرح العبث أو اللامعقول.
كان انعكاسا لما تركته تلك الحرب من انهيار الثقة في الإنسان.
الحرب العالمية الثانية
فظهر على الساحة المسرحية أمثال صامويل بكيت، وأرتور إداموف وجان جينيه، وغيرهم.
وكان من أهدافهم أن يعبروا عن هذا الوضع في محاولة لاستعادة الثقة في قدرات البشر على الاستمرار.
ويعد يوجين يونسكو، أحد أهم هؤلاء الكتاب الذين حملوا على عاتقهم تلك المهمة الصعبة.
ولد يونسكو في سلاتينا برومانيا عام 1912 من أم فرنسية، رحلت مع وليدها إلى فرنسا حتى بلغ الثالثة عشرة، تعلم الفرنسية وأجادها، ثم عاد إلى رومانيا عام 1925، حيث التحق بجامعة بوخارست وانصرف إلى دراسة الشعر الرمزي وقام بتدريس الفرنسية ومارس النقد الأدبي.
وفي عام 1938 حصل على منحة لدراسة الشعر المعاصر في باريس، وكان من المقرر أن يُعد رسالة عن فكرة الموت في الشعر الحديث، لكنها لم تخرج إلى حيز الوجود.
إن مسرح العبث في مضمونه هو تعبير عن القلق نحو الوجود، ولا منطقية الوضع الإنساني. ويمكن أن نفسره كمحاولة فنية للإجابة عن أسئلة ميتافيزيقية تؤرق روح الإنسان في بحثه عن معناه.
ونرى بوضوح في مسرح يوجين يونسكو، ذلك التعبير عن انهيار حالة التكامل في المجتمع الغربي، كذلك سحق القيم الإنسانية تحت عجلات الإنتاج الاحتكاري الكبير، وعن مأساة الاغتراب التي يعيشها الفرد في ظل الحضارة الرأسمالية.
يوجين يونسكو
يزخر مسرح يونسكو بالعديد من الأفكار والمفاهيم الفكرية، ولعل أهمها مأساة اللغة واغترابها.
إن اللغة عنده لم تعد وسيلة اتصال بين البشر، وأداة للتكامل الاجتماعي، بل هي من رموز الانفصال وبعد المسافات بين الناس.
فنجد أن الصمت أضحى هو اللغة الوحيدة. كما هو واضح مسرحيته "المغنية الصلعاء"، فاللغة مبتورة والشخصيات مفككة والحديث عبثًا غير معقول، وقد أفرغ من محتواه. وبدا الأمر كانهيار للواقع.
وأضحت الكلمات القليلة قشورا منغمة مجردة عن المعنى. والشخصيات أفرغت من اهتماماتها النفسية.
كما نرى التهكم كأسلوب فعال من أساليب "يونسكو"، فيمكننا مسرحه من النظر إلى الوجود من زاوية جديرة بتحطيم الروابط المألوفة بين الأشياء.
أيضا نرى في أسلوبه محاولات "يونسكو" للتعمق داخل الإنسان عن طريق الحلم، فهو يرى أن رؤى الأحلام لا تقل حقيقة عن مشاهد الواقع، فالعين الحالمة ترى حقائق لا تقل أهمية عما تراه العين الساهرة.
كما تتسم أعماله بالحرية، حرية النص التي تنبع من ذاته.
وكذلك حالة التضاد بين المضحك والمأساوي، وهو ما يولد "الفارس التراجيدي" كما نراه بوضوح في مسرحيته "الدرس" ومسرحية "الكراسي".
مشهد من مسرحية الكراسي
ولعل من الأشياء التي وصفها "يونسكو" بالتضاد الواضح هي وظيفة الممثل، فكون الممثل إنسانًا عاديًا يحيا حياته الخاصة، وفي الوقت ذاته يحيا بطلًا في مسرحية ما، فهو تضاد صارخ يمكن أن يخلق درجة من التوتر الدرامي يضاهي ما تحققه الحبكة في أكثر المسرحيات التقليدية إذا حسن استغلاله.
كل تلك الأساليب مجتمعة تأتي في إطار من اللامعقولية، كذلك فكرة الموت، فالموت بالنسبة ليونسكو يثير الرعب، ويقف أمامه عاجزا عن الفهم.
يقول: «لقد ولدنا لكي نكون خالدين ومع ذلك نموت، الأمر مخيف، ولا يمكن أن يحمل محمل الجد».
على أية حال، لم تقتصر أعمال يوجين يونسكو على الأعمال المسرحية فقط، بل قدم لنا في كتابه "ملاحظات وملاحظات مضادة" فلسفته ككاتب، وآراءه في الأدب والفن والمسرح، وبين للصعوبات التي تواجه الكاتب، وأراؤه في النقد والنقاد.
يوجين يونسكو
لماذا أكتب؟ سأل «يوجين» نفسه هذا السؤال الذي يثير بداخله الدهشة، ويفتح أبواب العقل على مصراعيها لعشرات الأسئلة التي تبحث عن إجابات.
هل الكتابة محاولة لتأكيد النفس وتبرير الوجود؟ أم الخوف من الموت والرغبة في مواصلة الحياة في صور أخرى؟ هل هي محاولة لإنقاذ العالم، أم إنقاذ نفسي؟ هل السبب أني لا أفهم نفسي وأريد من الآخرين أن يقدموا لي التفسيرات؟ أم محاولة للخروج من الوحدة والاتصال بالآخرين؟ هل الكتابة شكل من أشكال التفكير عن طريق الحركة؟ أم أن السبب ببساطة هو أن الخلق رغبة غريزية وضرورة في اللاوعي؟
وأجاب يونسكو على نفسه قائلا: «هناك أشياء كثيرة تجبرني على الكتابة، كأعظم الدوافع تناقضا أو تكاملا، الكبرياء، الرغبة في القوة، الحقد، الرغبة في خلاص نفسي، الحب، الألم، الحنين، اليأس، الثقة، فقدان الثقة، التأكد من أني على صواب، فقدان هذا التأكد، الرغبة الحارة في المعرفة، المتعة، ولكن إذا كنت أمتع نفسي، فلماذا تجلب لي الكتابة هذه المتاعب وتسبب لي كل هذا التعب الذي لا يقهر»؟
إن أهم ما يجب أن يميز العمل الأدبي عند يونسكو، هو الإخلاص، فالصوت المخلص يدوي عاليا ويصل إلى الأسماع. وبفضل إخلاص الفنان أو الكاتب وبحثه واستكشافه، شأنه شأن الفيلسوف أو العالم، يقدم لنا حقيقته، صدقه، حقيقة أو واقع شخصه وهي حقيقة غير متوقعة، لم يتوقعها هو أيضا، «أن تكتب هو أن تفكر وأنت تتحرك، أن تكتب معناها أن تستكشف»، ويجب أن يكرر الناقد رحلة الشاعر، ودائما ما يتحرك الشاعر في نوع من الظلام، بينما يسلط الناقد مصباحه على المكان كله وينير الممر، فلا بأس بالنقد أو التفسير مادام المفسر يتناول العمل تناولًا جديدًا وبإخلاص وموضوعية، مادام أنه على استعداد لا لأن يهجر مقاييسه بالضرورة، وإنما لأن يعيد فحصها».
ويتساءل أيضا، «أليس من الواجب أن يكون الناقد مثالًا للموضوعية المطلقة، بينما يكون المبدع مثالًا للذاتية المطلقة؟ إن الناقد بدلا من أن يتناول العمل بطريقة أستاذية، يجب أن يكون تلميذًا لهذا العمل».
كما يعبر عن استياءه من أشكال النقد التي يكون الناقد فيها سجين نفسه، ويعبر فقط عن مشاعره وعقليته وعقلية فترته.
ويوضح أن الناقد المعاصر يختار أحد الجوانب في العمل، ولا يعنيه إلا أن يعثر فيه على صورة مطابقة لرغباته وأفكاره، وهو يوافق على العمل أو يعترض مادام أنه يتفق أو لا يتفق مع رغباته وآرائه.
يقول «يونسكو»: «ما كتب عني من الناحية الكمية أكثر أهمية مما كتبته أنا عن نفسي، وتبدو لي التعليقات التي كتبت عني تعليمية، تفتقد إلى الموضوعية، فهكذا يشوه ما يكتبه المرء، كأنما لم يعد العمل هو ذات العمل، ويبدو العمل كأنه عبارة عن مجرد ما يقوله الآخرون عنه ويفعلونه به».
وفي رأيه أيضا، أنه يجب على الناقد أن يتبع الأسلوب الوصفي، إن عيوب العمل تظهر من الوصف التحليلي للواصف، وهكذا يكون الوصف حكمًا.
ويجدر بنا أن نقول إن عيوب العمل تنتج من افتقاره للصحة، وهي ليست مسألة عيوب أو نواقص، وإنما مسألة عدم الأصالة.
إن نواقص العمل تعود إلى ما لا يتفق في داخله مع نفسه، إلى أن العمل يجافي القواعد، وليس المقصود قواعد الفن فلا أحد يعرف ما هي قواعد الفن، وإنما يعتبر العمل مهما مادام يبتدع قواعده بنفسه.