محمد غنيمة

كيف تآمر طه حسين كي تتعلم الفتيات في الجامعة؟ سفن إي نيوز ينفرد بنشر الوثيقة

جاء اختيار الدكتور طه حسين، الشخصية المحورية لمعرض أبوظبي للكتاب في نسخته الحادية والثلاثين، تقديراً له واحتفاء بالدور الذي أداه عميد الأدب العربي في خدمة الثقافة العربية، وتأكيداً على العلاقة المتينة بين الشقيقين العربيين الكبيرين الإمارات ومصر.

ويعد طه حسين أحد أهم وأبرز الشخصيات الأدبية التي ظهرت في تاريخنا العربي المعاصر، ولم ينل أحد من الأدباء ما ناله من تشريف وشهره، فهو الشاب الذي سافر إلى فرنسا ليعرفه الأوربيون بانفتاحه وأفكاره التي غيرت الكثير من الثوابت القديمة.

كما أنه كان نموذجاً للرجل الفقير الكفيف الذي تغلب على كل الصعاب التي واجهته ليصبح أهم الأدباء والكتاب العرب حتى لقب بعميد الأدب العربي وتسابقت كل الدول الأوربية وجامعاتها على استضافته ومنحه الدكتوراه الفخرية.

هنا سوف نسلط الضوء على أهم أدوار طه حسين الاجتماعية على الإطلاق، فإذا كانت "نبوية موسى" من رواد الدفاع عن تعليم الفتيات المصريات، فقد كان له دور أيضاً في دخول الفتيات إلى الجامعة.

وفي وثيقة تنشر لأول مرة على موقع "سفن إي نيوز" يحكي الدكتور طه حسين عن مؤامرة اشترك فيها مع الدكتور أحمد لطفي السيد، والدكتور علي باشا إبراهيم، فقد قبلوا التحاق الفتيات بالجامعة دون أن يخبروا وزارة المعارف بالأمر.

ولتحفيز الفتيات وتشجيعهن على الالتحاق بالجامعة، قرروا إعفاءهن من المصروفات الدراسية للسنين الأولى من الجامعة.

تلقى طه حسين دعوة من الاتحاد النسائي المصري بتاريخ 18 ديسمبر سنة 1933، ممهورة بتوقيع هدى شعراوي، التي كانت تترأس الاتحاد النسائي المصري في هذا الوقت، وذلك لتكريم أوائل الخريجات من الجامعة المصرية، والاحتفال أيضاً بمكتسب مصر الجديد، المتمثل في عمل أول فتاة مصرية وعربية كقائدة طائرة، وهي لطيفة النادي.

أما عن هذه الفتيات الخريجات وأسمائهن، فسوف نترك الكلمة للدكتور طه حسين، كي يحكي بنفسه عنهن، وذلك من خلال نص كلمته التي لم تنشر من قبل في حفل تخريج أوائل خريجات الجامعة المصرية. وسوف نذكرها كما هي دون أي تعديلات لغوية أو تحريف لمفرداتها، كما ألقاها العميد في الحفل:

"منذ نحو عشرين سنة كنت طالبا في السوربون، وكنت أختلف إلى الدروس فتدهشني الطالبات اللاتي كن يختلفن معنا إلى دروس الفلسفة ودروس الأدب وإلى أنواع الدراسات القديمة، وكن يزحمننا فيزحمننا ويسبقننا إلى رضاء الأساتذة. وكنت أعجب إعجابا خاصا بطالبة فرنسية كانت تتقن التاريخ الروماني اتقانا مدهشا، وكانت تلعب بنصوص القدماء فتفسرها وتؤولها بطريقة لست أدري كيف تصل إليها. وكنت كلما أعجبت بواحدة من هؤلاء الفتيات وكن كثيرات في ذلك الوقت وكان الوقت وقت حرب، وكان الشباب يؤدون واجبهم نحو الوطن. كنت كلما رأيت هؤلاء الفتيات وأعجبت بهن تتمزق نفسي حسرة على مصر، وكنت أسائل نفسي متى نستطيع أن نرى في مصر فتاة تستطيع أن تتصرف بنصوص الأدب القديم، وأن تنفق وقتها في قراءة النصوص القديمة وفهمها، أو تتفوق في فرع من فروع الفلسفة لتستطيع أن تغيظ الشبان كما هؤلاء الفتيات يغظننا في فرنسا".

ويستطرد طه حسين قائلا: "ثم درات الأيام وذهبت إلى باريس منذ أعوام، وهناك زرت مدرسة المعلمين العليا، وهي أكبر معهد في فرنسا ثم هي أرقى معهد في أوروبا: وكنت أزور هذا المعهد مدعوا لحضور الامتحان وشهدت امتحان فتاة في اليونانية وكان موضوع امتحانها أرسطوفان. وشهدت فتاة ثانية كانت تمتحن في الفلسفة، وثالثة في الأدب، ورابعة في اللاتينية. وكنت معجبا بهؤلاء الفتيات وكان إعجابا باسما مطمئنا، لأني كنت أحدث نفسي أن لي تلاميذ من الفتيات يدرسن اللاتينية واليونانية ويدرسن العربية ويدرسن الفلسفة. وأظن أن موقفي الآن، ولست من الرجال الرسميين، يسمح لي بأن أكشف لحضراتكم عن مؤامرة خطيرة جدا حدثت منذ أعوام وكان قوامها من جماعة من الجامعيين".

وعن تلك المؤامرة قال العميد: "فقد ائتمر الجامعيون وقرورا فيما بينهم أن يخدعوا الحكومة، وأن يختلسوا منها حقا اختلاسا لا ينبؤهما به، ولا يشاورنها فيه، وهو الإذن للفتيات بالتعليم العالي في الجامعة المصرية، وأؤكد لكم أيها السادة أنه لولا هذه المؤامرة التي اشترك فيها الجامعيون، وبنوع خاص أحمد لطفي السيد باشا، وعلي إبراهيم باشا، وهذا الذي يتحدث إليكم، لولا هذه المؤامرة التي دبرناها سرا في غرفة مغلقة محكمة الإغلاق لما أتيح لنا، ولا للاتحاد النسائي أن أقدم إليكم الآن محامية مصرية وأديبات مصريات. اتفق الثلاثة فيما بينهم أن يضعوا وزارة المعارف أمام الأمر الواقع، وكان القانون الأساسي في الجامعة يبيح دخول المصريين، وهو وإن كان لفظاً مذكراً فإنه ينطبق على المصريين والمصريات، وعلى ذلك ائتمرنا على أن تُقبل الفتيات إذا تقدمن للجامعة، وفعلا تقدمت هؤلاء الفتيات فقبلناهن، ولم نحدث أحدا بذلك، حتى إذا تم الأمر وأصبح لهن حق مكتسب في الجامعة علمت الوزارة أن الفتيات دخلن الجامعة".

ولإغراء الفتيات بالدخول إلى الجامعة، قال حسين: "ثم بالغنا في المؤامرة فاتفقنا أن نغري الفتيات بدخول الجامعة، فقررنا أن نعفي الفتيات من دفع المصروفات في السنوات الأولى، وكذلك أقبل الفتيات وتمت مؤامرتنا. وأظنكم توافقونني على أن هذه المؤامرة لم تكن آثمة، وإننا لسنا في حاجة أن تدافع عنا الآنسة نعيمة، لأنا قد خدعنا الدولة على أمر يصلح من شأنها".

ويضيف العميد: "الغريب أن هؤلاء اللاتي دخلن الجامعة كن مسرفات في الطمع جدا، فلم يكدن ينفقن العام الأول حتى ظهرت لهن مطامع، هذه تريد تنبغ في الأدب، وهذه تريد أن تنبغ في الفلسفة، وهذه تريد أن تنبغ في الدراسات القديمة، وكنت أشجعهن ما استطعت وكنت أشفق عليهن إشفاقا شديدا، فقد مضت قرون طوال على مصر لم تشهد فيها اشتراك الفتاة مع الرجل، فقد أنفقت المرأة الشرقية دهرا طوال لا تعني بهذا النوع من النشاط، ولم تزاحم الرجال في إتقان هذه الدراسات العلمية والأدبية. ولكن هؤلاء الطالبات لا يطمعن إلا أن يكن بارعات في هذه العلوم التي لا ينبغ فيها إلا القليل من الرجال".

وكشف الرجل عن أسماء اللاتي سمح لهن بدخول الجامعة، قائلاً: "ومهما يكن من شيء، فلم استبح لنفسي أن أصرف واحدة منهن رغبة كانت في نفسها. وكانت نعيمة الأيوبي من خيرة الطالبات، متفوقة في الفلسفة متقدمة فيها، ولكني أصبحت ذات يوم وإذا بعض الموظفين في الكلية ينبئوني أن كلية الحقوق قد سرقت من نعيمة، أو أن نعيمة هربت مني إلى الدكتور كامل مرسي، وبقى الأخريات. ولست أستطيع أن أصف إعجابي بهذا الجيل من الفتيات الذي يكون الجيل الأول من المصريات في كلية الآداب. كانت سهير القلماوي مشغوفة بالأدب العربي، فكانت تلميذة خاصة لي تحضر دروسي كلها، ولست أدرى كيف أصف إعجابي بنشاطها وقدرتها ودقتها في الفهم والشعور بنوع خاص، ولكني أعترف لكم بأنها عذبتني أحيانا، فقد كنت أكلفها إعداد الدروس فكنت أجد منها ميلا إلى الابتعاد عن الناحية العلمية الخالصة إذا كانت تلتمس الجمال الفني في النثر أو الشعر، وكنت أجد منها عنتا شديدا في البحث عن النصوص، وما إلى ذلك من هذه الدراسات الضرورية. وكنت أبذل جهدي لأحملها على هذه الدرس الجدي الجاف، وأظن أني لست في حاجة أن أقول أني نجحت، ولولا ذلك ما ظفرت بالليسانس، وما ظهرت أمامكم الليلة. ومع ذلك فسهير ليست في حاجة إلى من يقدمها فهي متطرفة في التجديد، وهي كبيرة النفس، ترى أنها أكبر من أن يقدمها أحد، وهي تستطيع أن تقدم نفسها بنفسها فلم تكد تظفر بالليسانس حتى زارتني في (الكوكب) وطلبت إلى أن أفتح باب (الكوكب) لها على مصراعيه كي تكتب فيه. ولم يكد ينشر (الكوكب) بعض الكلمات حتى أصابها هذا المرض الذي يصيب الأدباء، وهو مرض الكتابة كل أسبوع، ومن يدري فلعلها تصاب بمرض الكتابة كل يوم".

وعن فاطمة سالم تلميذة طه حسين التي ساعدها العميد في الحصول على الجنسية المصرية عام 1942، قال: "أما فاطمة سالم فأمرها عجيب، كانت عندما لقيتها لأول مرة أنشط زميلاتها وأطولهن لسانا، كانت زميلاتها يتحرجن من الحديث، أما هي فكانت لا تجد شيئا من الحرج في أن تطالب بحق الفتاة ومساواتها بالفتى، وأن تزاحمه في الحياة، ومن يدري لعلها أن تسبقه، ولم تكد تمضي عاما حتى ظهر أنها مستعدة استعدادا غريبا لنوع من العلم لا يحبه المصريون، ولم يوفق واحد منهم إلى حبه حتى اليوم. ومع أننا بذلنا نوعا من الجهد في تحبيب المصريين لهذه الدراسات، واستطعنا أن نجد من الطلبة ميلا إلى هذا العلم، فإن الجامعة ألغت هذا العلم إلغاء في هذا العام. وأظنكم تعلمون هذا العلم هو الدراسات العليا. أظنكم توافقونني على أن من حق هؤلاء الفتيات أن تعرف لهن هذا السبق، وأن نقدر لهن هذا النبوغ. ولكني أعودهن أن يكون ثنائي خالصا دائما. وإنما أنا أثني ثم أنقد، أثني ثم ألوم والغريب أني كنت أسال نفسي منذ حين عن موضوع هذا اللوم وهن لم يتركن درسا. وهن لم يتعرضن لاستحقاق اللوم. ولكنهن يعرفن خصلة أستاذهن فتفضلن على بموضوع اللوم فتأخرن عن الميعاد. واستحققن هذا اللوم".

ويختتم طه حسين خطابه قائلاً: "ومع أني أيها السادة لست عميدا ولا أستاذا رسميا في الجامعة، ولكنني جامعي على كل حال، ولذلك فأني أسمح لنفسي أن أقدم لهن هذه الروايات التي أعدتها جمعية الاتحاد النسائي".