في العام 2017، أصدر ألان دونو أستاذ الفلسفة في جامعة كيبك الكندية، كتابه "نظام التفاهة" باللغة الفرنسية، وقد حظي بانتشار واسع في كثير من دول العالم بسبب أطروحاته الجريئة. وصدرت ترجمة عربية أنجزتها الأستاذة مشاعل عبد العزيز الهاجري، نشرتها دار سؤال للنشر والتوزيع ببيروت عام 2020، وضعت لها المترجمة مقدمة تعرف بالكتاب راجعت فيه مضامينه وأفكاره، والسياق الذي صدر فيه، وعلاقته بالواقع العربي.
يتألف الكتاب من أربعة فصول وخاتمة، يستعرض فيها المؤلف مظاهر الرداءة التي اكتسحت المجال العلمي الأكاديمي، وعالم المال والاقتصاد، والحقل الثقافي الفني. مبرزا أثر ذلك على السياسة العالمية.
كتاب نظام التفاهة
ناقش المؤلف مسألة تسليع المعرفة الأكاديمية، وبيعها للمؤسسات التجارية الممولة للجامعة، وسعي الأساتذة لإرضاء هذه المؤسسات للحصول على منح. فالمؤسسات الأكاديمية اليوم، رهنت نفسها لنظام التفاهة، الذي أخضع الأكاديميات وتحكم بمداخلها ومخارجها. فتمت إزاحة "المثقفين" "الحكماء" "العلماء"، وحل محلهم "الخبراء" و"الاختصاصيون".
يميز المؤلف بين المثقف الحكيم والعالم، وبين الخبير الاختصاصي والبروفيسور. ويؤكد أن فحص هذه الثنائية يكشف لنا عن عمق الأزمة.
يبين المؤلف أن وظيفة ومهمة ومسؤولية المثقف الفيلسوف الحكيم والعالم هو بيان الحقيقة، والكشف عنها، والنظر إلى الأمور بحكمة تحتمي بصرامة الضمير، ما دام الكشف عنها مسؤوليته التي طوقته بها مكانته العلمية الاجتماعية، وشرف الانتساب للمؤسسة الأكاديمية، وتوقعات العامة منه. فهذه هي رسالة الأكاديمية التي تؤديها من خلال المثقفين والعلماء والحكماء.
أما لقب "الخبير" و"الاختصاصي" و"الدكتور"، فهو منتج أكاديمي، حصيلة تحكم سلطة المال والنفوذ في المؤسسة الأكاديمية، لذلك، فإنه لا يتورع عن بيع كلمته والتخلي عن ضميره، لخدمة مصالحه المالية الخاصة، بإعلاء حساب الممولين، على حساب الحقيقة والنزاهة، فهو مستعد لأن يكيف ويزور الحقائق العلمية، ويضلل الرأي العام (97)، مستغلا لقبه العلمي، وانتسابه للأكاديمية، خدمة للممولين النافذين المتحكمين في المؤسسات السياسية والعلمية والاجتماعية، الذين يشترون عقول الجامعة (90).
أصبحت غاية توليد المعرفة هي إرضاء السوق، حتى تتوافق العقول مع احتياجات الشركات! ولم يعد الحديث عن الصالح العام، بل أصبح الجميع يتصرف كما لو أن المصلحة العامة ليست أكثر من مجموع المصالح الخاصة التي يُدعى كل فرد من حين لآخر للدفاع عنها.
هذا النهج هو سبب خلق التخصصات التقنية الدقيقة المبالغ فيها، التي يخضع التكوين فيها لشروط الشركات الممولة، ومجال تكوينها لا يتعدى دائرة تخصصها، وكل همها خدمة السوق (93). فالجامعة تسطح المعارف من خلال عزلها عن بعضها وتعميقها، بدل توسيعها، وبدل ترسيخ القيم العلمية من تفكير نقدي يتأسس على النظر الفلسفي ويستعين بتكامل العلوم، والقادر على مواجهة مشاكل الإنسانية وتحديات الحياة.
يحمل المؤلف المسؤولية في كثير من مظاهر الانحطاط الأخلاقي والتفاهة للنظام الاقتصادي الرأسمالي وممارساته التجارية المتحكمة في حياتنا المعاصرة، والتي أدت إلى تمكن نظام التفاهة من مفاصل هذه الحياة.
لا يخفي المؤلف ميوله الاشتراكية، ولا يفتر عن توجيه سهام النقد الحادة لبنية النظام الرأسمالي، من عدة محاور، باستحضار الحجج الكثيرة، لإبراز آثاره على المجتمع ومكوناته وثقافته.
ويؤكد أن السوق الرأسمالية لا تحركه اعتبارات عقلانية، لأن عالم المال في النظام الرأسمالي عالم غارق في الغموض، بل وقد زاده التطور التكنولوجي غموضا، وأصبحت البورصات والأسواق المالية تتحكم فيها خوارزميات، وأنظمة حاسوبية معقدة، لا يعلمها العامة، وهي التي تحرك هذا الاقتصاد وتوجهه، وما على العامة سوى الخضوع لنتائجها ودفع ثمن أخطائها (173).
كما يؤكد المؤلف زيف نظرية "التقاطر إلى أسفل" التي تفيد بأن ازدياد ثراء الأشخاص سيتقاطر حتماً إلى الفئات الفقيرة الأقل دخلاً، ويبين أن الواقع قد أبطلها، ومع ذلك، فإن نظام التفاهة لا يعدم وجود "خبراء" يدافعون عنها في البرامج التلفزيونية، ويوهمون الناس بصحتها. "البرامج المصممة لتثقيف الناس حول الاقتصاد هي، بدورها أيضاً، تقصد إلى منعنا من إدراك أن هذا النظام هو في حالة تامة من الفوضى" (ص 180). لأن الاقتصاد العالمي، رهين في أيدي عصابة من أشخاص قليلين، يتحكمون فيه، ولا يتقاسمون الأسرار مع أحد، أياً كان، هذه العصابة توجه كليات الاقتصاد ومراكز بحثها نحو إضفاء الشرعية علي هذه المنظومة، وتجميل صورتها للناس.
و"الخبراء" الذين ينطقون في البرامج التلفزية، لشرح أسرار المنظومة المالية للناس، هم أنفسهم، يجهلون هذه الأسرار، ويخادعون الناس، ويشتتون أفكارهم، ويحولون دون إدراكهم القواعد والشروط الحقيقية التي تتحكم في الأسواق المالية، إن "الخبراء" والبرامج التثقيفية التلفزيونية، تضلل الناس، وتغيب عقولهم. ويظلون في مواجهة نظام مالي يقهرهم بالضرائب، ويتغنى بإنتاج الطائرات النفاثة فائقة التكلفة، لفائدة عصابة الأثرياء التي تنهب الثروات العامة.
إن الغموض الذي يحيط بتدبير المنظومة المالية الاقتصادية، هو أداتها لإحكام سيطرتها على المجتمع، والتغطية على نهبها ثرواته، وإحكام القبضة على حكوماته، التي أضحت تخدم قسرا هذا النظام الظالم المظلم.
إن الوسيط النقدي الذي يسلع كل شيء، يحرص على ضبط الشغف الروحي، والسيطرة عليه، لاختزاله إلى تعبيره الأبسط، ثم نشره بعد ترويضه. فالتعبير الروحي يتأثر بالوسيط النقدي، والنقود تخدم الفن وتستخدمه في آن، لتخبر عن نفسها، باعتبارها وسيلة توسطية للتأثير في الرداءة. عن طريق نظام "الرعاة" الذين يدعمون فنانين منفردين، أو مدارس، أو حقلا معرفيا، كما يدعمون أيضا المنتجات الاستهلاكية لصناعة جماهيرية، فالقرارات المتعلقة بما ينبغي على الناس استهلاكه هي ما يحدد إنتاج خطوط التجميع. وهكذا تصبح الفنون أعمالا تجارية تم تحويلها إلى إيديولوجيا، بهدف تبرير الهراء الذي تنتجه عن عمد، في حين أنها لا تتحقق منها أي فائدة اجتماعية (265).
يتهم دونو السوق المالية التي تهيمن على عالم المنتجات الفنية، التي تسخر الفنون لتمرير رسائلها، وترسيخ قواعد النظام الرأسمالي، الذي يرعى رؤوس الأموال لوسائل الإعلام، وتسابقها لكسب سوق الإعلانات التجارية المدر للمال. "من خلال اختراع فن جديد للخيال وتوسعته وتعزيزه، يصل هؤلاء الفنانون إلى قناعة مفادها أن أرباح الشركة الثقافية التي "تشارك في الاقتصاد" هي مجدية أكثر من أفكارها الجمالية، ذلك أنه أياً ما كانت هذه الأفكار، فإنها ستكون مقبولة بالنهاية من الجمهور المُستهدف من قبل حملة دعائية جيدة التصميم" (ص 269). ويطلق دونو على هذا الفن "الفن التخريبي المدعوم" (ص 289).
أصبح الحقل الفني الميدان الأكثر عكسا لنظام التفاهة. فالفنون أصبحت مجالا لكل الممارسات الشاذة النائية عن الفن، المخلة بالقيم وقواعد الجمال، بل وأصبحت الفنون تهدد استقرار المجتمعات وأمنها، بالترويج لقضايا تزعزع أسس المجتمعات وتهدم ثوابتها، وتضعف لحمتها واستقرارها (292).
جعل نظام الرداءة من أولوياته تتفيه المجتمع، وضرب نظامه القيمي والأخلاق النبيلة، وتشويه ذائقة الأفراد، وطرق تفكيرها. فهذا النظام لا يشترط لبلوغ النجومية امتلاك الموهبة الفنية، أو أداء رسالة نبيلة، أو تبليغ كلمة حكيمة، بل يكتفي بالسخافات، والتشدق بالتفاهات والخرافات، لولوج عالم النجومية، والأعمال الفنية والثقافية الجادة التي تحترم ذائقة الناس أصبحت نادرة جدا، لا يتذوقها أحد.
يؤكد المؤلف أن هذه الأعمال لا ينبغي تصنيفها ضمن الفن، لأن العلم والفلسفة حددا معايير جمالية، معلومة عند دارسي فلسفة الجمال، إلا أن تغييبنا لعلم الجمال من موسيقى وفن ومسرح ورسم هو الذي أسقطنا في هذا الخلط بين الفن والتفاهة.
المشكلة مع "الرداءة" هي عندما نجد أنفسنا في نظام يتطلب منا بحزم أن نكون مواطنين رديئين، هذا النظام رفع الرداءة و"الوسطية" إلى مرتبة السلطة، على الرغم من أننا لا نعدم قدرتنا على العمل الجيد والإبداع اللائق والقدرة على التفكير النقدي. فاستولى الرديؤون على السلطة دون أن يدركوها بالاستحقاق والضرورة.
ويضيف موضحاً بأنها ليست مسألة توفير عمل جيد، وإنما السعي بجد نحو "نجاح اجتماعي" حول أي إنجاز، مهما كان، من خلال بذل الجهد لجذب الانتباه، ثم الحصول على اعتراف بالنجاح من أي جهة كانت، حتى يغدو هذا العمل التافه أنموذجا للاقتداء، فتحصل الرداءة على "وهم النتيجة" حتى لو لم تكن مرضية.
إن مواصلة التمسك بالرداءة خياراً، والركون إلى الكسل والتلذذ به، يديم هذا الوضع، وبالتالي العجز عن مواجهة التحديات التي تقابل البشرية، وتحتم عليها ألا تكتفي بـ"ترف الرداءة" فالنظام الحالي غير مستدام، فهناك تدمير للبيئة واستنزاف لمواردها، واستئثار عصابة من الأغنياء بنصف ثروة العالم، عن طريق الإمعان في تدمير عالمنا ومكوناته ونظمه، فلا يمكننا تحمل الاستمرار في اللعبة والرضا بالرداءة.
يصف المؤلف هذا الوضع بالثورة المخدرة، وبأسلوبه الترافعي، ويعوّل على الدور الذي من الممكن أن تؤديه النخب المثقفة، التي عجز نظام الرداءة عن سحقها، فنأت بنفسها عن مؤسساته، وانسحبت من أكاديمياته. هذه النخب، على الرغم من قلّتها وندرتها وتشرذمها، لا تزال قادرة على أن تفعل شيئاً في وجه التدمير والتخريب الممنهجين لكوكب الأرض، إنسانياً واجتماعياً واقتصادياً وأكاديمياً وفنياً. كما يدعو إلى التصدي للتخريب الذي تعرضت له اللغة، بالعودة إلى المعاني الحقيقية للكلمات التي تم تشويه معانيها، من خلال توظيفها المغلوط من طرف التافهين الرديئين الذين يتسلحون بالمغالطة أسلوباً في الحوار.
إن مقاومة الرداءة عملية صعبة، لأنها لن تتوجه إلى التصدي للآخر فقط، بل للذات أولاً، عن طريق تجنب السهولة، التمسك بالفكر النقدي، ورفض الدفاع عن المواقف الرديئة والتي يرضى بها العامة كسلاً، وعقماً في الفكر، وافتقاراً إلى الذوق.