من هو محمود قطاط؟
يُعتبر الباحث التونسي محمود قطاط أحد أبرز روّاد البحث في العلوم الموسيقية في العالم العربي، بل إنّ كتاباته ذات صيت شائع في العالم، إذ تُرجمت بعض أعماله إلى الإسبانية والإنجليزية واليونانية. اهتمّ خاصّة بالتّأريخ للموسيقى العربية والمغاربية تحديداً وخصّص جزءاً كبيراً من بحوثه للمسائل النظامية.
أسّس محمود قطاط المعهد العالي للموسيقى بتونس (1982-1983) وهو أوّل من عمل على تدريس العلوم الموسيقية في الجامعة التونسية. ألّف كتباً ومقالات عديدة في مجال بحوثه وهي تهتمّ بالجانب الموسيقي التّاريخي والتنظيري.
تبرز بحوثه تعدّد الزوايا التي ينظر منها محمود قطاط للموسيقى العربيّة والمغاربية التونسيّة بالخصوص. ولكنّها تلتقي عنده في علم واحد هو علم الموسيقى أو الموزيكولوجيا.
ويعرّف الدكتور قطاط العلوم الموسيقية كالآتي: علم متعدّد الاختصاصات يتصدّى لدراسة الظاهرة الموسيقية عبر تاريخها الطويل، من خلال الوثائق المكتوبة والمسموعة معتمداً في ذلك أساساً الصرامة المنهجية والتقنيات الدقيقة المستعملة في العلوم الإنسانية والعلوم الصحيحة. فهو يختصّ بالبحوث والتفاصيل الفنية لدراسة الموسيقى ونظريّاتها وتاريخها وتذوقها، يتناول بالدرس والتحليل عناصر اللغة الموسيقية وتطوّراتها عبر العصور والبلدان والمناطق، ويؤدي دوراً مهماً في البحث واكتشاف المخطوطات القديمة والمؤلفات الضائعة أو المنسية وتدوينها وتسجيلها، وتفسير الأعمال الموسيقية والتنقيب عن الأعمال التي حدثت في الماضي وتقييمها.
وقد برز مصطلح موزيكولوجيا خاصة في مطلع القرن العشرين بمفاهيم متتالية اقترنت في البداية بتاريخ الموسيقى ثمّ بعلم التاريخ والآداب، وفقه اللغة المقارن قبل أن يصبح علماً شاملاً يخضع في أساليبه وتقنيّاته إلى مجالات عدّة يتعلق بعضها بالعلوم الإنسانية وبعضها الآخر بالعلوم الصحيحة وذلك حسب المواضيع المطروقة والأهداف المنشودة.
هذا ما يؤكّد ما للموسيقى من دور فعال في تاريخ الحضارات والشعوب ويبرز مدى ارتباطها وتكاملها مع مختلف الفنون والإختصاصات"(قطاط، محمود، 2006، ص11-12)
ألّف الدكتور محمود قطاط عدّة كتب ومقالات لا تزال مرجعاً ثابتاً ومعياريّاً لدى الباحثين المعاصرين في العلوم الموسيقية، نذكر منها:
قدم محمود قطاط محاولات مهمّة لدراسات حول مسألة السلّم الموسيقي عند أهل المغرب والأندلس، ولكنّها لم تأتِ لنا بتوضيحات في مستوى ما يخصّ طبيعة السلّم في القرون الأولى من الإسلام في المغرب العربي، فالواضح أنّ محمود قطاط يستنتج أنّ نظام السلّم الأندلسي شبيه تماما بسلّم المدرسة العربية القديمة المسمّاة "العوديّة" كما كان عند الكندي، وهو القائم على نظام فيثاغوري، أي أنّه يتكوّن من خمسة أبعاد طنينية(قيمتها الرياضيّة8/9) ونصفي بعد المسمّاة (ليما/فضلة/بقيّة) وقيمتهما الرياضيّة (243/256) وهذا الاستنتاج قام عند أغلب الباحثين على تبريرات تنقصها دلائل ملموسة وذلك نظراً لانعدام الوثائق المدعّمة. على ذلك اعتبر فارمر النظام الموسيقي في شمال إفريقيا والأندلس-كما أشار في الفقرة أعلاه- مخالفاً لما في المشرق، بل لعلّه محلّيّ.
من متطلّبات علم الموسيقى الحديث كذلك، العمل على التّعريف بأهمّ الموسيقيين والعلماء والمؤرّخين، وقد سعى محمود قطاط في ذلك سعياً ملحوظاً بحيث كانت مجموعة من مؤلفاته قد اهتمّت بأسماء بارزة في تاريخ الموسيقى بتونس من بين أبرزهم:
- محمود السيالة الصفاقسي القادري (كان حيّاً سنة 1860)/ أحمد بن التيفاشي القفصي(1184-1257م)/ أبو الصلت أميّة بن عبد العزيز(1068-1134)/ حسن حسني عبد الوهاب(1884-1968)، متوقفاً في كلّ مرّة على مكوّنات مؤلفاتهم الموسيقيّة ووصف ثمّ تحليل الموادّ التي تؤثّث لمؤلفاتهم، هذا مع ذكر الفهارس وكذلك المراجع التي عادوا إليها. وبالتالي يكوّن لدينا فكرة عن مؤلفات نادرة مازالت تحتاج إلى اليوم الكتابة وإعادة الكتابة.
تناول محمود قطاط في دراساته، الحديثَ عن القوالب الموسيقية العربية وخاصّة منها التي التصقت بالتراث المغاربي الأندلسي، فكان للمالوف التونسي والصنعة الجزائرية والآلة المغربية الحظّ الأوفر في مجموعة كتاباته الموسيقيّة، من حيث هي الحضن الأوّل الجامع لمظاهر الموسيقى الآليّة والغنائيّة في الممارسة الموسيقية المغاربية التقليدية.
وأبرز قالب موسيقي تحدّث عنه محمود قطاط في هذا الإطار وتناوله بالتحليل والتّأريخ، هو قالب "النوبة" كممارسة موسيقية عرفت نموّاً وممارسة نشيطة بالأندلس والمغرب وهي اليوم مشتركة بين أقطار المغرب العربي.
ولقد عمل "محمود قطاط" على قراءة تطوّرات تركيبات هذا القالب عبر التّاريخ، موضحا الإختلافات في مستوى المكوّنات والمصطلحات الخاصّة به وطرق التعبير الغنائي من بلد إلى آخر.
وقد سعى "محمود قطاط" كذلك إلى التعريف بالنوبة في مختلف هذه الأقطار بأكثر عمق وبمنهج تحليلي يجعل من بحثه حول النوبة يكون أقرب إلى تصنيفها ضمن باب الدراسات الموزيكولوجيّة من دراسات أخرى تناولت نفس الموضوع.
ونفتح هنا المجال لإجراء مقارنة بسيطة بين طرح "محمّد الحبيب"(1903/ 1980) وطرح محمود قطاط لمسألة النوبة:
إذ إنّ المؤرّخ "محمّد الحبيب" تكلّم كذلك عن قالب النوبة في مقال له بعنوان: "أطوار النوبة في التاريخ الإسلامي" فلم يجزل في الحديث عنها بطريقة علميّة فقد تعمد إعطاء تفاسير بقدر ما جعل منها محوراً تدور حوله دفعة من الأخبار المرتبطة ببعض الشخصيات الموسيقية والأمراء في العهد العباسي والعثماني وفي الأندلس.
بينما كان محمود قطاط في نفس الموضوع أكثر تعمقاً ودقة باستغلال جداول مقارنة من فترة تاريخية إلى أخرى ومن بلد مغاربي إلى آخر، والوقوف على الإضافات التي شملت أجزاء النوبة، وتخلّى خلافاً لمحمّد الحبيب بنسبة كبيرة عن الأخبار والأحداث "البلاطية"، وهو ما يدلّ على تأثّره بالتفكير العلمي الغربي الحديث الذي نشأ عليه في وجهته البحثية، والذي شمل جلّ مجالات النشاط البشري ومن بينها الموسيقى التي خضعت للتفكير التحليلي العلمي من خلال "الموزيكولوجيا". ومطلح "علمي" في هذا السياق ليس بما هو تعقّل رياضي كما في القرون الأولى من الإسلام وإنّما بما هو مقاربة تحليلية نقديّة تنطلق من المادّة الموسيقية المكتوبة أو المسموعة.
التجديد في الموسيقى العربية الحديثة والمعاصرة من منظور الدكتور محمود قطاط
وهي مسألة تناولها أكثر من باحث موسيقي، غير أنّها اقترنت عند محمود قطاط بالنقد أكثر منه بتعديد ميزات الموسيقى العربية المعاصرة والوقوف عند محطاتها عبر شخصيّات موسيقية معيّنة.
فلقد تحدّث في هذا الموضوع عن أبعاد هذا التجديد وما يمكن أن يقترن به من قضايا موسيقية تتأثّر في الحقيقة بمستويات متشعبة من الفكر ومن العلاقات الثقافية بين الحضارة العربية والحضارة الأوروبية القائمة على متبقّيات تأثير الوجود الإستعماري بالمنطقة العربية منذ القرن التاسع عشر الميلادي.
وبالتالي تمحورت اهتماماته في مسألة التجديد في الموسيقى العربية المعاصرة بطرح بعض التساؤلات والمواقف، من قبيل: أخذ بأسباب العصر أم تشويه؟ (محمود قطاط، ديسمبر 1982، ص48.) أو التجديد المخضرم وسلبيّاته (محمود قطاط، أفريل 1982، ص46).
في هذا السياق يقول ناقداً: "فنجد بعض الموسيقيين في سعيهم إلى التجديد يلتجئون إلى عناصر غير متلائمة مع أصول موسيقاهم، فيدخلون على الموسيقى العربية مثلاً، السلّم المعدّل، الآلات ذات المنازل الثابتة، المركبات، الترادف، الأداء (الصوتي أو الآلي)، وفق النوطة الموسيقية، قائد الأركسترا، إلخ".
ويتابع: يضاف إلى ذلك نزعة الموسيقيين إلى اعتماد الحلول السهلة وتعلقهم بالشهرة والصيت وركضهم وراء الكسب السهل. وفي حين تتدهور وضعية الموسيقار التقليدي الإجتماعية والمالية، نشاهد زميله "المتعصّر" في حال البحبحة والرخاء"(محمود قطاط، أفريل 1982، ص51)
وهذه القضيّة شائكة ولكنّها لا تلقى إلى اليوم صدى كبيرًا في الوسط العملي في الموسيقى العربية بحكم غياب الوعي الجماعي بأهمّيّة هذا النقد وعدم الإيمان بفعاليّة تغيير الفكر الموسيقي. ونظنّ أنّ محمود قطاط بنقده هذا يعيش نفس وضعيّة الموسيقار التقليدي الذي تكلّم عنه. إذ أنّ موقفه انبنى على تجاهل لحقيقة أخرى يقول أصحابها:
"إذا كان الجيل الحاضر مخضرما، قد عرف الثقافة المكتوبة وثقافة الصورة، فإنّ الإحتمال كبير في أن تكون الصورة الإلكترونية هي المرجعيّة الثقافية الأساسية للأجيال الطالعة"(مصطفى حجازي، 2000، ص23))، وبالتالي لن يكون ذلك الكسب السهل أو تلك الشهرة التي تحدّث عنها الباحث "محمود قطاط" إلاّ صورة من من صور الثقافة المعاصرة التي يتحتّم التعامل معها بطرق تضمن إستمراريّة الأهداف السامية والنبيلة التي ننتظرها من فنّ الموسيقى.