شهدت ليبيا خلال الساعات الماضية أحداثًا متسارعة وفارقة في سياق الأزمة السياسية المندفعة بقوة إلى مربع التعقيد، مع تمسك طرفي الصراع بشرعية امتلاك السلطة، وهو ما يثير مخاوف من تضرر اجتماعات المسار الدستوري الجارية هذه الأيام في القاهرة.
صباح أمس الثلاثاء، استيقظ الليبيون على دوي انفجار سياسي، عندما أعلن رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب فتحي باشاغا، دخول العاصمة طرابلس لمباشرة مهام حكومته من هناك، وذلك في ظل رفض رئيس حكومة الوحدة الوطنية (منتهية الولاية) عبدالحميد الدبيبة تسليم السلطة، إلا بعد انتخابات برلمانية.
فتحي باشاغا
على خلفية ذلك، دارت اشتباكات مسلحة بين قوات موالية للدبيبة وأخرى مؤيدة لباشاغا، أدت إلى خسائر مادية وبشرية محدودة، قبل أن يغادر الأول طرابلس إلى مدينة سرت (وسط البلاد)، ليعلن أن الطرف الآخر هو من بدأ بالهجوم، وقتل أحد مرافقيه، وأن ذهابه إلى طرابلس كان بشكل فردي ودون قوة.
سرعان ما توالت البيانات الرسمية من أطراف محلية وأجنبية وإقليمية تدعو للتهدئة ومنع العنف، واللجوء للحوار، وتجنيب العاصمة موجة حرب أخرى.
عبدالحميد الدبيبة
وفي نهاية اليوم، وقبل أن يخلد الليبيون إلى النوم، استجمع الطرفان أوراقهما، وخرجا في كلمتين مسجلتين منفصلتين (الدبيبة من طرابلس وباشاغا من سرت)، شهد تبادلاً للاتهامات بالعنف والترهيب والتخريب، واغتصاب السلطة.
لكن الفارق المهم في سياق الأزمة السياسية، أن باشاغا أعلن عن مباشرة الحكومة المكلفة عملها من سرت، نظرًا لـ«اغتصاب الدبيبة» العاصمة، وهو ما يرسم بشكل دقيق حدودًا لحكومتين متوازيتين في ليبيا.
في كلمته، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عبدالحميد الدبيبة، التمسك بالسلطة، بالقول إن حكومته مستمرة إلى حين إجراء الانتخابات، مشيرًا إلى أنه وافق على ممر آمن لخروج باشاغا ومرافقيه من طرابلس تجنبا لإراقة الدماء.
وقبل بث التسجيل، عبر منصة حكومته على فيسبوك، أعلن الدبيبة إعفاء مدير إدارة الاستخبارات العسكرية اللواء أسامة جويلي من مهامه، اتصالا مع ما تردد عن دوره في دخول باشاغا للعاصمة.
وتولت حكومة الوحدة الوطنية السلطة بعد اتفاق سياسي، تضمَّن من بين بنوده، إجراء انتخابات عامة بنهاية العام الماضي، على أن تسلم الحكم لحكومة منتخبة، لكن فشل إجراء الانتخابات دفع بالدبيبة لرفض تسلم المهام، واعتبر مجلس النواب حكومته منتهية الولاية وكلّف حكومة جديدة برئاسة فتحي باشاغا.
في المقابل، أعلن باشاغا أن الحكومة المكلفة ستمارس مهامها بدءًا من اليوم الأربعاء من داخل مدينة سرت، وهي الخطوة التي وصفها في السابق الناطق باسم مجلس النواب، عبدالله بليحق، تهدف لحقن دماء الليبيين.
وفي كلمته التي بثتها صفحة الحكومة على فيسبوك، قال باشاغا إن حكومة الدبيبة عطلت الانتخابات رغم تعهدها بأنها لن تتدخل فيها، متهمًا حكومة الدبيبة بـ«التآمر وأطراف دولية أخرى لإخراج شخص مطلوب للقضاء الدولي والليبي لإفساد الانتخابات»، في إشارة إلى سيف القذافي.
وقال باشاغا إنه دخل العاصمة بشكل سلمي بداية ليل الثلاثاء في سيارتين وبدون حراسة، ونزل ضيفًا على إحدى العائلات، كما استوقفته بوابات الدخول ولم يعترض أحدًا، ومكث هناك حتى الفجر، قبل أن تبدأ التوترات الأمنية والاشتباكات التي قال إن الطرف الآخر هو من بدأها، لكنها فضل المغادرة حقنا للدماء.
واتهم باشاغا الحكومة منتهية الولاية باستخدام خطاب الكراهية والتخوين والسب واستخدام الأجهزة الأمنية في إرهاب الناس وتهديدهم والقبض عليهم.
محليًا، لم يصدر عن أيٍّ من الأطراف السياسية ردود فعل رسمية، سوى حزب العدالة والبناء، الذارع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، والحزب الديمقراطي (المنشق عن الإخوان).
الحزب الأول تحدث عن «محاولة دخول خاطئة وبدون ترتيبات ميدانية وقانونية»، وأشار إلى تداعيات خطيرة قد تقود للعودة إلى الحرب، أما الوليد الأخر، فجاء موقفه متناقضا تماما بتأييد رئيس الحكومة المكلفة، واستنكر التحريض الوارد على لسان الدبيبة ضد عمل الأحزاب.