فى بدايات شغفي بالقراءة، عثرتُ على كتاب قديم من ضمن مجموعة كتب اشتريتها، حينها، من شارع النبي دانيال بالإسكندرية، وكان لهذا الشارع عبقه الخاص الذى ينقلني دائمًا إلى معية كبار الكتاب فى مصر والعالم، الذين حملتُ معظم أعمالهم من هناك، كان هذا الكتاب القديم للأديب محمد التابعي، يحتوي على مجموعة من الحكايات التى يسردها الكاتب بأسلوب رشيق لذيذ يأخذني إلى عالمه السحري بشكل جعلني أُقبل على القراءة أكثر وأكثر، أحببتُها لأكثر من سبب وكان التابعي فى مقدمة هذه الأسباب.
والحقيقة أنه عند الحديث عن الأساتذة العظام يقف القلم إكبارًا وإعزازًا وإجلالا لهذه الأسماء الكبيرة أمثال محمد حسنين هيكل، ومصطفى أمين، وعلي أمين، كامل الشناوي، إحسان عبد القدوس، أحمد رجب وغيرهم، ما بالنا إن تحدثنا عن أستاذ ومُعلم هؤلاء جميعًا! وأعني الأستاذ الكبير "محمد التابعي" المولود على شاطئ بحيرة المنزلة، وقيل إنه مولود فى بورسعيد لكن لأسرة من المنصورة، فى الثامن عشر من مايو عام 1896، وفى السابعة من عمره التحق الطفل بالمدرسة الأميرية الابتدائية في المنصورة، وحصل علي الابتدائية عام ١٩١٢م.
ومن الكوميديا أنه كان ضعيفا جدا في مادة الخط العربي، بعدها يهبط إلي القاهرة ويلتحق بالمدرسة السعيدية الثانوية، حيث يلتقي بـ فكري أباظة صديق عمره، ثم ينتقل التابعي إلي مدرسة داخلية في محرم بك في الإسكندرية ليحصل فيها علي التوجيهية عام ١٩١٧م ويلتحق بحقوق القاهرة، وإلى جانب حياته الدراسية كان وثلاثة معه يقضون ليلهم في مسارح شارع عماد الدين وهم: فكري أباظة ومحمود حافظ وعلي شريف مسعود وتلك الليالي كان لها أثر كبير فى حياته المستقبلية.
حصل التابعي على ليسانس الحقوق في عام ١٩٢٣م، وحينما كان يعمل موظفاً في إدارة التموين بمدينة السويس تولي الإشراف على توزيع مواد التموين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولي إلي أن انتقل إلي القاهرة وعمل موظفاً في قلم الترجمة بمجلس النواب، وهنا بدأت مرحلة جديدة في حياته.
وأثناء دراسة التابعي في كلية الحقوق، عام ١٩٢١م ظهرت الميول الصحفية بقوة وبوضوح، وحين نشرت جريدة «الإجيبشن ميل» مقالاً يهاجم فيه المظاهرات الوطنية للطلبة، كتب طالب الحقوق آنذاك - التابعي - مقالاً باللغة الإنجليزية يرد فيه علي ما نشرته الجريدة، ثم أتبعه بمقال آخر يعرض فيه لمواقف الموظفين الإنجليز في الإدارة المصرية، بعدها طلب منه رئيس التحرير أن يكتب رؤية نقدية بالإنجليزية حول مسرحية «غادة الكاميليا» التي كان يقدمها مسرح رمسيس وكتب التابعي مقالاً ينتقد فيه عميد المسرح العربي «يوسف وهبي» بطريقة ساخرة، وراح بعد ذلك يكتب في جرائد «السياسة» و«أبو الهول»، و«النظام» و«الأهرام»، بتوقيع «حندس» وتميزت أفكاره بالوضوح ولغته بالسهولة حتى قيل عنه إنه بدأ مدرسة مسرحية أسلوبية جديدة، وكان أسلوبه ساخرًا عندما يهاجم، لكنه كان رشيقا مهذبا وأصبح مدرسة خاصة في الكتابة الصحفية متسلحا بقلم يهاجم ما يراه ظلما بأسماء مستعارة.
ومن أسلوب التابعي الساخر أنه كان يطلق أسماء هزلية على بعض الشخصيات السياسية المعروفة، وكان يكفى أن يشير التابعي في مقال إلى الاسم الهزلي ليتعرف القراء على الشخصية المقصودة، وكما قال عنه تلميذه مصطفي أمين: "كانت مقالاته تهز الحكومات وتسقط الوزارات ولا يخاف ولا يتراجع، وكلما سقط علي الأرض قام يحمل قلمه ويحارب بنفس القوة ونفس الإصرار"، والحقيقة أن محمد التابعي هو الصحفي المصري الوحيد الذى رافق العائلة الملكية في رحلتها الطويلة لأوروبا عام 1937 وكان شاهدا ومشاركا للعديد من الأحداث التاريخية آنذاك.
واشتهر التابعي بأنه صحفي يتحقق من معلوماته قبل نشرها، فكان يحصل علي الأخبار من مصادرها مهما كانت، ووصفه يوسف وهبي قائلاً عنه «الناقد الذي يسقيني السم في برشامة»، ثم كتب التابعي نقدًا فى الممثلة "روزاليوسف" و"عزيز عيد" وكان يوقع هذه المقالات بالإنجليزية بحروف «M.T.M» أي محمد التابعي محمد.
وعندما ولدت فكرة مجلة «روزاليوسف» في محل حلواني اسمه كساب تطرق الحديث إلي مجلة فنية، وبالفعل ظهرت المجلة يوم الأحد ٢٥ أكتوبر عام ١٩٢٥م، وكان التابعي حينها لا يزال يعمل في قلم الترجمة في «البرلمان» ويكتب نقداً فنياً لجريدة «الأهرام» بتوقيع «حندس» فيما كان "زكي طليمات" يكتب عن الأدب العالمي الذي لم يكف التابعي عن السخرية منه، دعت «روزاليوسف» محمد التابعي للعمل معها في المجلة واستجاب وحرص التابعي أن يكتب في السياسة، وبدأ بباب نسائي يحرره هو بتوقيع «الآنسة حكمت» ثم باب «حواري» وبعض الموضوعات الأخرى.
وبعد نقل مقر مجل «روزاليوسف» من ١٠ شارع جلال - قسم الأزبكية - وهو المنزل الأول لأمير الشعراء أحمد شوقي إلي مقر جديد يطل علي ميدان التحرير لم يعد التابعي يأتي إلى المكان بأسلوبه الساخر الهزلي، بل أصبح رزيناً ورشيقاً، وأصبحت له رهبة، واستقال التابعي من وظيفته الحكومية وتفرغ للكتابة في "روزاليوسف" وكان ثمن "روزاليوسف" في ذلك الوقت خمسة مليمات مصرية، وتسببت مقالات التابعي السياسية القوية في زيادة توزيع "روزاليوسف"، وأصبح ثمنها قرش صاغ!.
ثم ترك التابعي «روزا» ليقيم لنفسه مجتمعاً خاصاً به، وكانت مجلة "آخر ساعة" وتم هذا في ١٤ يوليو من عام ١٩٣٤م، وكان التابعي قد اختار هذا التاريخ الذي يوافق يوم الثورة الفرنسية التي تحمل الشعارات الثلاثة «الحرية - الإخاء - المساواة»، وأخذ معه أهم العناصر الصحفية فى روزاليوسف ومنهم «صاروخان» ومصطفي أمين، وسعيد عبده، وظل معه مصطفي أمين فى «آخر ساعة» حتى تركها ليعمل في «دار الهلال»، قبل أن تواجه «آخر ساعة» أزمة، في عام ١٩٤٦ حيث أصيب التابعي بأزمة شديدة نتيجة للضغوط وكثرة العمل، فنصحه الأطباء بالراحة لثلاثة أو أربعة أشهر، ولأنه كان يميل إلي أن يكون صحفيا أكثر من كونه مالك الجريدة وافق علي عرض مصطفي أمين بشراء «آخر ساعة» منه، و واقع الأمر أن هذه الأزمة الصحية والتى تعرض لها الأستاذ التابعي كانت نتيجة حتمية لما حدث بينه وبين المطربة "أسمهان" وجاءت تفاصيل هذه القصة فى كتاب "مسائل شخصية" لتلميذه مصطفى أمين والذى عاش الأحداث لحظة بلحظة.
يقول: "وقع التابعي في هوى المطربة أسمهان وقرر أن يتزوجا ووافقت أسمهان، ووضع في إصبعها دبلة الخطبة ووضعت في أصبعه دبلة الخطبة وكان على أمين ومصطفى أمين يعارضون هذا الزواج بشدة لأن أسمهان كانت مطربة عظيمة ولكنها امرأة هوائية، تحب في الصباح وتكره في المساء".
وبسبب حبه لأسمهان أصبح يهمل عمله ويتابع أخبار أسمهان ولا يتابع أخبار الوزارة حينما كان يعمل في مجلة آخر ساعة، وكان له أكثر من مندوب في بيت أسمهان يوافونه بأخبارها ومن يزورها ومن يتكلم في التليفون ومن ضحكت له، وكان التابعي يحرص على مقابلة هؤلاء المندوبين أكثر من حرصه على مقابلة مندوبي الجريدة والمحررين فقد أصبحت الفنانة الجميلة دنياه كلها، كما أنه كان غيورًا على أسمهان وكانت هي غيورة عليه، وكان التابعي إذا غار احترق، وكانت أسمهان إذا غارت اختفت.
وكان التابعي روميو، وعطيل، ومجنون ليلى في نفس الوقت، وذهب مصطفى أمين وعلي أمين إلى أم كلثوم وطلبا منها أن تنقذ التابعي من الغرق في بحر أسمهان وقالت أم كلثوم: وماذا تريدون مني أن أفعل؟!، فقالا: أن تتزوجي أنتِ التابعي، وضحكت أم كلثوم وقالت: أنقذ التابعي من الغرق لأغرق أنا؟.
وتحققت توقعات علي ومصطفي أمين، فقد تركته أسمهان وهو جمرة مشتعلة لتحب شخصا آخر وعندما علم هو بذلك مات حبه لها بالسكتة القلبية".
ويمكننا التعرف على فلسفة التابعي فى حياته العملية من كلمة قصيرة منسوبة له في مجلة «الجيل الجديد» عام ١٩٥٦، تحت عنوان «الاسم النظيف» يقول إن باب النجاح مفتوح للصحفي الشاب، الذي لا يتملق الرأي العام والذي يؤمن بقضيته مادام علي حق ويضيف أنه لو بدأ شريط حياته من أول الطريق، فإنه سيختار الصحافة ليدخل من باب النجاح، والنجاح في الصحافة هو «الاسم النظيف».
ويقول: «والنجاح يختلف برغبة كل شخص فهناك من يقيس النجاح بالفلوس، أما بالنسبة لي فهو (الاسم النظيف) وهو أهم من الثروة، فلو أنني شاب أريد أن أنجح في الصحافة فلن أحيد عن الخطوات التي سرت فيها، وسوف أفرغ ما في صدري ولن يهمني الرأي العام، مادمت أقف بجانب الحق وأناصر المظلوم، فإذا كان الرأي العام لا يتقبل فلن أنزل علي رأيه، فمن واجب الصحفي أن يفرض رأيه، وكذلك المثابرة علي العمل هي سر نجاح الصحفي».
لقد عرف القراء محمد التابعي باسم «حندس» علي صفحات «الأهرام»، ومنذ البداية وقف إلي صف سعد زغلول، وظل يمجد ذكراه، ثم انتقل يدعو - من بعده - إلي مصطفي النحاس، وانغمس في السياسة، ووقف أمام محكمة الجنايات عدة مرات، وبخاصة حينما تحولت روزاليوسف من مجلة فنية إلي مجلة سياسية وخاضت المجلة ومعها التابعي الكثير من المعارك السياسية إلي جانب الوفد في مواجهة حكومة الأقلية، وفي صيف عام ١٩٢٧ بدأ في تعرية ملوك وملكات أوروبا قاصدًا تشويه النظم الملكية، وفي ٢٨ يوليو عام ١٩٢٧ نشرت المجلة مقالاً بعنوان ولي عهد مصر يجري في عروقه دم فرنسي لأن أمه الملكة نازلي هي حفيدة سليمان باشا الفرنساوي وهو الكولونيل سيف الذي دخل في خدمة محمد علي الكبير.
وفي ١٥ ديسمبر عام ١٩٢٧ نشرت المجلة موضوعًا بعنوان «ما بين الخديوي إسماعيل والملكة فيكتوريا - معلومات لم يسبق نشرها»، وفي هذا يقول التابعي: «دخلت السجن في شهر ديسمبر عام ١٩٢٧ وكنت يومئذ موظفًا بسكرتارية مجلس النواب، ولم أكن رئيسًا للتحرير ولا أوقع باسمي، وبادر رجال البوليس إلي القبض علي مع اثنين من أصدقاء المجلة وأودعونا السجن وأكبرت شهامة الصديقين فقد أنكرا معرفتهما بكاتب المقال، لكنني اعترفت في الصباح وأفرج المحقق عن الصديقين وقرر استمرار حبسي إلا إذا دفعت كفالة قدرها ٥٠ جنيهًا وبقيت ٧ أيام لعدم توافر الكفالة ثم أفرجوا عني وعرفت أن صديقي اللدود يوسف وهبي هو الذي دفعها عندما علم بعجزي عن الوفاء بها.
حارب التابعي السفارة البريطانية والسراي الملكية بضراوة كما حارب وزارة محمد محمود «وزارة اليد الحديدية» وحارب وزارة «إسماعيل صدقي» ثعلب السياسة المصرية وكان محمد محمود حينما تسلم وزارته في ٢٨ أكتوبر ١٩٢٩، أعلن أنه سيحكم البلد بيد من حديد، فسخر منه التابعي قائلاً: «إن يده من صفيح لا من حديد» فأصدر محمد محمود قرارًا بمصادرة المجلة، فنشر التابعي في العدد التالي في الصفحة الأولي بعنوان «عطلها بأه» وفعلاً قام محمد محمود بتعطيلها ومصادرتها، ووقف التابعي أمام محكمة الجنايات يوم السبت في ٢١ مارس عام ١٩٢٨ لمحاكمته بمجموعة اتهامات:
أولاً: لأنه في يوم ٢ أكتوبر عام ١٩٢٧ في القاهرة عاب علنًا في حق حضرة صاحب الجلالة «شاه العجم».
ثانيا: لأنه في يوم ٣ نوفمبر عام ١٩٢٧ عاب علنًا في حضرة صاحب جلالة ملك السويد.
ثالثًا: لأنه في التاريخ ذاته عاب في حق ملكي الدنمارك والنرويج والملكة فيكتوريا، وصدر الحكم بحبس التابعي ستة أشهر، مع إيقاف التنفيذ وصدر الحكم في ١٥ أبريل عام ١٩٢٨، أما القضية الثانية للتابعي فهي المعروفة باسم «الحصانية»، ويتلخص الحادث في أن رجال الإدارة ذهبوا إلي قرية «الحصانية» مركز السنبلاوين في فبراير عام ١٩٣٣، حيث عطلوا وابور الطحين ومضربًا للأرز، اللذين يملكهما الشيخ "طلبة صقر" وهو من الوفديين المعروفين، وتصدي الشيخ "طلبة" لهذه الإجراءات القمعية، فأطلق البوليس النار، وقتل ثلاثة أشخاص في هذه المواجهة، فكتب التابعي ساخرًا من وزير العدل ومأمور القسم، فوجهت النيابة للتابعي تهمة السب والقذف في حق وزير العدل أحمد باشا علي والنائب العام محمد لبيب عطية باشا، ومأمور مركز السنبلاوين ونظرت القضية يوم ٢٥ مايو عام ١٩٣٣ وترافع فيها صبري باشا أبو علم وصدر الحكم في ١٢ مايو عام ١٩٣٣ بالحبس لمدة أربعة شهور، ودخل التابعي «قرة ميدان» وكان معه في السجن الرسام رخا الذي حكم عليه بالسجن خمس سنوات للعيب في ذات الملك فؤاد.
وعلي مر السنين تناقلت الصحف مزحة مفادها أن التابعي اشتري فكرة آخر ساعة بخمسة قروش وباعها بعشرين ألف جنيه، والحقيقة أنه في بداية تأسيسه المجلة طلب من المحررين أن يبحثوا معه عن اسم للمجلة، وكتشجيع لهم أخبرهم بأنه سيكافئ صاحب أفضل فكرة بخمسة قروش فاقترح مصطفي أمين اسم آخر ساعة ففتح الدرج وأعطاه الخمسة قروش».
ومن عادات الأديب محمد التابعي أنه كان يفضل الاستيقاظ مبكراً، في السادسة صباحاً يتناول إفطاره وهو يمارس رياضة المشي ليعود بعد ذلك إلي مكتبه ويبدأ عمله، وكان يتناول الغداء في تمام الواحدة والنصف ظهراً، وكانت هذه الوجبة الرسمية لاجتماع العائلة، ولم يكن يرد علي التليفونات أثناء الطعام وكانت والدتها تتولي أمرها وبعد الغداء يرتاح قليلاً حتي الساعة الخامسة.
وكان ممنوعاً إيقاظه من أجل تليفون مهم، وتذكر ابنته شريفة أن الممثل الشخصي للرئيس جمال عبدالناصر وهو «حسن صبري الخولي» اتصل بوالدي وهو نائم وطلب إيقاظه فرفضت والدتي فطلب منها إبلاغه بأن ما كتبه عن دور الروس في حرب ١٩٦٧ سيعترض عليه السفير السوفيتي، ولهذا يجب حذف إحدى فقراته، فقالت له والدتي إما أن ينشر المقال كاملاً أو لا ينشر وانتهت المكالمة، وبعد استيقاظ والدي انتظرت والدتي حتي تناول طعامه ثم أخبرته بأمر المكالمة، وقتها رنَّ جرس التليفون ليخبروا أبي أن الرئيس عبدالناصر وافق علي نشر المقال كما هو، وأذكر أن والدي لم يغضب مما قالته إذ كانت تنوب عنه في بعض الأمور.
وتقول شريفة إن التابعي كان له العديد من الأصدقاء المقربين منهم "العقاد" وكانت بينهما علاقة ودية وتبادل للكتب والإهداءات، وفي مكتبة التابعي يوجد الكثير من كتب العقاد بإهداءاته، وفي فترة ما دخلوا السجن معًا بالإضافة إلي "هيكل" الذي يطلق علي نفسه آخر العنقود.
ومن أعز أصدقاء التابعي أيضًا "سليمان نجيب"فكانت بينهما صداقة حميمة استمرت حتي وفاته ولهما ذكريات جميلة معاً في رأس البر مع "نجيب الريحاني" و"توفيق الحكيم" و"أم كلثوم" و"عبدالوهاب" والذي كانت تربطه به صداقة قوية، إذ كان الوحيد من أصدقائه المسموح له بأن يدخل حجرة التابعي ويختار من دولابه أي كرافتة تعجبه ولكن في الفترة التي اقتبس فيها عبدالوهاب بعض الألحان الموسيقية انتقده "التابعي" في عدة مقالات من ضمنها «امسك حرامي»،ولم يؤثر هذا علي صداقتهما، وهناك عبقري المسرح "يوسف وهبي" الذي كان يتعرض للنقد اللاذع من التابعي وعندما سئل «لماذا لا تدافع عن نفسك أمام ما يكتبه التابعي؟» قال: أفضل أن يهاجمني التابعي في صفحة كاملة علي أن يمتدحني في سطور قليلة».
علي الجانب الشخصي كان للتابعي العديد من قصص الحب، والتي ربطت بينه وبين العديد من الفنانات حتي أطلق عليه «دونجوان الصحافة المصرية» بالإضافة إلي العديد من الألقاب الأخرى مثل «أمير الصحافة المصرية والعربية». وعن حياته الاجتماعية كان "الأستاذ"متزوجاً من زوزو حمدي الحكيم، ولم يدم زواجهما لفترة طويلة، أما أسمهان فكانت مخطوبة له رسمياً، والسبب في معرفتهما ببعض كان عبدالوهاب الذي كان مؤمناً بموهبتها، لأن أسمهان لم تكن معروفة في ذلك الوقت، والوحيد الذي كان بيده أن يشهر أي شخصية، سواء علي المستوي الأدبي أو الفني، كان التابعي فعرفهما ببعض، وحدث بينهما إعجاب وتمت خطبتهما وفسخا الخطوبة ورجعا لبعض، ثم قرر التابعي أن يفسخ العلاقة تماما، وذلك لعدة أسباب منها العاملون معه في آخر ساعة، الذين أخبروه أن هذه العلاقة ستؤثر عليه بالسلب، ولن يعطي جهده لآخر ساعة، وهددوا بالاستقالة في حالة إتمام الزواج.
وعندما كتب كتاب «أسمهان تروي قصتها»، كتب تاريخها بمنتهي الموضوعية ولم يذكر الجانب الشخصي كصديقة مقربة، لكنه ذكر قصة حبه لأسمهان في سيناريو بعد تغيير الأسماء، وتكلم عن علاقة الحب التي جمعتهما والخطوبة، أما علاقته بأم كلثوم فكانت علاقة صداقة عميقة جدا، لدرجة أنها كانت تغني أحيانا في منزله، أما علاقته بالقصر فكانت علاقة حب وكره، بمعني أنه في البداية كان مع الملك، وكان يطلق عليه «الملك المأمول والمحبوب» وكانت له أخطاؤه، وفي الوقت نفسه كان ضحية الحاشية الفاسدة من حوله، والتابعي كان يذكر رأيه بمنتهي الصراحة في الملك، ولذلك كان يرفض أن يسافر علي نفقته، حتي لا يصبح مدينا لأحد عندما يقول رأيه بصراحة.
ومن المعروف أنه عندما وصل "الملك فاروق"إلى الطغيان وزاد، كتب عدة مقالات مشهورة تداولتها الجماهير منها «يحيا الظلم»، و«يحيا ظلم كل جبار».
ومن صفات "محمد التابعي" أنه كان شديد الدقة في كتابة مذكراته، فكان يكتبها يوماً بيوم، وكان من ضمنها جزء يتكلم فيه عن السيدة "زوزو حمدي الحكيم"، ولم يتم نشر هذه المذكرات.
وتضيف ابنته شريفة: من ضمن أوراق التابعي خطابات من العندليب أثناء تلقيه العلاج بلندن ردا علي مقالات للتابعي كتب فيها أن أسرة عبدالحليم تجهده بالعمل المستمر من أجل المال، وأيضاً أن "عمر الشريف" يجهد عبدالحليم بالسهر والحفلات في لندن.
وعن زواجه تقول ابنته شريفة: "والدتي كانت إحدى المعجبات وقرأت كتاب (أسمهان تروي قصتها)، وكانت معجبة جدا بأسمهان وكُتب التابعي، وكانت بالصدفة موجودة مع الأسرة في شاطئ سان استيفانو فتعارفا وأعجب بها أبي، لأنها كانت تجمع بين الثقافة والشخصية، وبعد الزواج كانت بمثابة سكرتيرة له وتحاول تلبية طلباته كما يريد".
وتميز التابعي بأناقته التي كانت سببا في لقبه الأشهر «أمير الصحافة المصرية»، إذ اعتاد على السياحة في باريس وجنيف، وكان صاحب ذوق رفيع فى اختياره لملابسه، ولم يكن ينزل إلا في أفخم الفنادق العالمية متحملاً نفقات أجنحة الملوك والأمراء، أما في القاهرة فكان يعيش في شقته بحي الزمالك.
وكانت علاقة التابعي مع كل قادة الثورة علاقة طيبة، وكانوا يتقابلون في مكتبه بآخر ساعة بمثابة مستشار لهم، يعطيهم نصائح سياسية، لأنه كان يأمل أن تصحح الثورة ما أفسدته الفترة الأخيرة من الحكم الملكي، لكنه بعد فترة بدأ يهاجم قادة الثورة ثم ينسحب من الساحة.
أما "السادات" فكان من أشد المحبين للتابعي، لدرجة أن كتاب «من أسرار السياسة» طبع مرتين بناء علي طلب السادات، ويذكر للتابعي أنه سعى لتكوين أول نقابة للصحفيين وكان من أعضائها المؤسسين، إذ صدر قرار وزارى فى مارس سنة 1941 بتشكيل مجلس مؤقت لإدارة النقابة برئاسة محمود أبو الفتح وعضوية الأساتذة إبراهيم عبد القادر المازنى، وجبرائيل تقلا، وفارس نمر، ومحمد التابعي، وعبد القادر حمزة، وادجار جلاد، وحافظ محمود ومحمد خالد، ومصطفى أمين، وفكري أباظة وخليل ثابت.
ومن مؤلفات الكاتب والأديب والأستاذ التابعي "أسمهان تروي قصتها – من أسرار الساسة والسياسة أحمد حسنين باشا – حكايات من الشرق والغرب- رسائل وأسرار – جريمة الموسم – بعض من عرفت – ليلة نام فيها الشيطان –ختام القصة – مذكرات المرحوم اللورد إدوارد سيسل– لماذا أقتل – مذكرات موظف مصري "، ومن أهم أعمدته الصحفية مقاله "من أسبوع لأسبوع".
توفي التابعي 24 ديسمبر من العام 1976 أي قبل 45 عاما عن عمر ناهز 80 عاما في السنبلاوين بمحافظة الدقهلية.