ناصر عراق

طه حسين.. نجم معرض أبوظبي للكتاب

حسنا فعل القائمون على معرض أبوظبي للكتاب، في دورته الثلاثين 2022، حين اختاروا طه حسين ليغدو شخصية العام، فالحق أن الأستاذ العميد يستحق أن يكون شخصية كل معارض الكتب في كل الأعوام، ذلك أنه استطاع بفكره المستنير ودوره العظيم وتجربته الحياتية الباذخة أن يؤثر لا في مصر وشعبها فحسب، بل في كل أرض ترفرف في سمائها اللغة العربية.

وفي 15 نوفمبر 1889 ولد طه حسين في قرية "الكيلو" بمحافظة المنيا جنوب القاهرة، وفي 28 أكتوبر 1973 رحل طه حسين عن دنيانا، وبين هذين التاريخين أنجز الرجل ما لم ينجزه مثقف مصري وعربي في الألف عام الأخيرة، وسأسرد لك سريعًا قبسات من هذه الإنجازات المدهشة.

حين ولد صاحب (الأيام) كان عدد المصريين نحو ثمانية ملايين نسمة، أكثر من 90% منهم لا يعرفون القراءة والكتابة، ولما توفي بلغ عددنا 35 مليون إنسان يتقن غالبيتهم القراءة والكتابة، بل التحق معظمهم بالمدارس والجامعات، وكان للدكتور طه فضل عظيم حين انتزع من الملك فاروق حق التعلم بالمجان لطلاب المرحلة الثانوية عندما كان وزيرًا للمعارف عام 1950، لكنه لم يتمكن أبدًا من إقناع الملك بحق الجميع في الالتحاق بالجامعة مجانا، إذ قال الملك: (ومن يخدمنا إذا تعلم الشعب؟)، ولما جاء عبدالناصر والذين معه عام 1952 عملوا على تحقيق حلم طه حسين، فصار التعليم الجامعي بالمجان.

وفي 1926 أصدر الرجل كتابه الجريء (في الشعر الجاهلي) الذي كان بمثابة قنبلة تفجرت في بحيرة الفكر العربي الآسنة، إذ لم يجرؤ أحد قبل طه حسين طوال قرون عديدة على أن يضع تراثنا كله محل تساؤل واستفسار، ولا عجب ولا غرابة في ذلك، فهذا العبقري نال الدكتوراه من جامعة السوربون بباريس عام 1918، أي أنه عرف فضيلة الشك في كل شيء، مهما كان مقدسًا لدى الأوائل والغابرين، حتى يستقر عقله بعد البحث والتمحيص على يقين يطمئن له وينحاز إليه. هذا المنهج العقلي في مساءلة الأمور، الذي تعلمه من دراسته في أوروبا، هو الذي أخرج الكثير من الناس في بلادي من ظلمات الخرافات المتوارثة منذ قرون إلى نور المنطق العقلاني الذي يحتمه العصر الحديث وما شهده من تطورات ضخمة في المجالات كافة.

أما سيرته الذاتية (الأيام) فتعد تحفة بالغة الجمال في فن كتابة السيرة الذي أهمله أهل الإبداع كثيرًا، وقد صدر الجزء الأول من هذه السيرة عام 1929، وأذكر أنني سألت الأساتذة الكبار رجاء النقاش وأحمد عبدالمعطي حجازي وجابر عصفور وفاروق عبدالقادر وغيرهم عن أهم كتاب تأثروا به في صباهم وشبابهم البكر، فأجمعوا على أن (الأيام) كان المحفز الأكبر والأهم في اختيارهم درب الكتابة والإبداع، كما أذكر جيدًا أنني كنت أحفظ (الأيام) أو أكاد من فرط غرامي به حين كان مقررًا علينا في الصف الثالث الإعدادي عام 1976.

لا يغيب عن المتابع الحصيف الدور الأبرز الذي حققه صاحب (على هامش السيرة) في الترجمة، خاصة عندما نقل إلينا بعض روائع المسرح اليوناني التي كتبها سوفوكليس، ولما كان عميدًا لكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا) عام 1932، حاولت حكومة صدقي باشا شراء ضميره الجامعي، وطلبت منه أن يوافق على أن تمنح الجامعة الدكتوراه الفخرية لأربعة من رجال حزب إسماعيل صدقي الذي ألغى دستور 1923 وقبض على البلد بالحديد والنار بالتعاون مع الملك فؤاد. رفض طه حسين الإذعان لطلب رئيس الوزراء لأن هؤلاء الأربعة ليسوا مفكرين ولا علماء ولا أساتذة في الجامعة، إنهم رجال سياسة فقط كما قال، وأضاف: (لا داعي لإقحام السياسة في عمل الجامعة)، فطردته الحكومة من منصبه، فاندلعت المظاهرات في الجامعة والمدارس الثانوية احتجاجًا على طرد الأستاذ العميد. وقد وصل صدى هذه المظاهرات إلى دمشق وبغداد وبيروت، فصاح الجميع في العالم العربي مخاطبًا الدكتور طه: (أنت لست عميدًا لكلية الآداب بالقاهرة فقط، بل أنت عميد الأدب العربي كله). وهكذا نال الرجل أجمل لقب من قبل الشعب. هذا اللقب الذي سيقترن به من قرن إلى آخر.

اقتحم طه حسين أيضا عالم الرواية، وهو الفن الوليد في ذلك الوقت، فكتب رائعته الخالدة (دعاء الكروان) عام 1934 عندما كان نجيب محفوظ مازال طالبًا في السنة النهائية في كلية الآداب، وقد تحولت هذه الرواية إلى فيلم جميل على يد المخرج بركات عام 1959، حيث تألقت في تمثيله فاتن حمامة وأحمد مظهر، كما كتب طه حسين السيناريو والحوار للسينما، وذلك في فيلم (ظهور الإسلام) الذي عرض في 1951، وهو مأخوذ عن كتابه (الوعد الحق)، وقد كتب على الشاشة بالحرف (سيناريو وحوار طه حسين باشا وإبراهيم عز الدين)، والثاني هو الذي أنتج االفيلم وأخرجه.

إن الحديث عن طه حسين في حاجة إلى كتب ومجلدات نظرًا لدوره العظيم في تطوير ثقافتنا العربية، لذا ينبغي الحفاوة بما أقدم عليه معرض أبوظبي للكتاب حين جعله شخصية العام في دورته الجديدة.

أذكر جيدًا عندما كنت أدير تحرير مجلة (دبي الثقافية) أن أصدرنا في أكتوبر 2008 عددًا خاصًا احتفالا بمرور 35 عامًا آنذاك على رحيل الأستاذ العميد. في ذلك العدد نشرت تقريرًا وصلني من تونس يرصد تفاصيل زيارة طه حسين إلى هذا البلد الجميل عام 1957 للإشراف على تأسيس الجامعة هناك، حيث وصفت الصحافة التونسية الرجل بأنه (أعجوبة القرن العشرين) وأستطيع ان أضيف (طه حسين أعجوبة كل القرون).