يتملكني حزن شديد مع أي حادث عنف مهما كانت درجة بشاعته، فهو فى الأخير حادث ضد إنسان أو ضد الإنسانية إن أردنا الدقة، وكثيرًا مع هذه الأحداث المؤسفة المحزنة، أتقوقع وألزم صمتا يقارب صمت القبور ليُعبر جسدي بأكمله عن حالة الضعف التى نعيشها كأفراد لا نمتلك القدرة على تغيير السلوك المجتمعي، فليس فى مقدوري أنا وأمثالي خلق المدينة الفاضلة، ولا نحن نمتلك القوة لمواجهة أهل الشر فى أى مكان، فإنهم يجتمعون وكأن الشر آلة عملاقة، تجذبهم ثم تدفعهم لممارسة العنف بمنتهى القوة، أما أصحاب القلوب النابضة فإنهم يلزمون صمت رهيب، ليس عن ضعف وإنما عن رفضٍ منهم لممارسة أي عنف، وهو الأمر الذي يجعل أهل الشر فى تزايد وأفعالهم فى عنف يخلف عنف.
لكن أكثر ما يصيبني بالغثيان هذا التأييد الأعمى الذى يلي الأفعال القبيحة، مجرد كلمات للمشاركة فى الفعل القبيح، فعل الشر، للتعبير عن داخل أسود لم يجد الفرصة الحقيقية بعد لممارسة الشر فعليًا، وغالبًا ما تخرج هذه الأصوات المؤيدة للشر لأن أصحابها فقط يرفضون الطرف الآخر.
هناك من الأصوات الغريبة ما يخرج ليس لتأييد الشر وإنما يخرج لمجرد الظهور وركوب "التريند" وهذه الفئة تترك الموضوع الأصلي وتنتقل إلى فرعيات هزلية، وهذا يحدث لعدة أسباب أولها تفريغ الموضوع الأصلي من مضمونه والانتقال به إلى مرحلة تالية من الأهمية، وثانيها خلق إثارة جديدة حول جزئيات شائكة تظهر على السطح مع تعاظم الموجات مثل قاذورات البحر الملفوظة عند ثورته.
ومن الجرائم التى ينطبق عليها حديثي أن يتم التعدي على فتاة فى الطريق العام، فيترك هؤلاء أصل الجريمة ويتحدثون عن ملابسها أو يتحدثون عما جعلها تتواجد فى هذا المكان فى هذا التوقيت!! وما تحدثتُ به ينطبق بشكل كبير على الجريمة البشعة التى حدثت مؤخرًا وأعنى مقتل الصحافية "شيرين أبو عاقلة" برصاص غادر متعمد قتل "الحرية" وحرية الصحافة بوجه خاص.
شيرين أبو عاقلة مراسلة قناة الجزيرة
فما سرده الصحافي "على السمدي" الذى كان يرافق "شيرين أبو عاقلة" وأُصيب برصاصة مباشرة فى كتفه، وبينما يهرول للهرب وشيرين خلفه تصرخ بأنه أصيب فإذا به يلتفت ليجد "شيرين" وقد سقطت أرضًا بعد استهدافها برصاصة مباشرة فى الرأس من دوريات الاحتلال التى كانت على مسافة قريبة جدا منهم وتدرك أنهم مجموعة من الصحافيين بسبب ملابسهم وشعار الصحافة الواضح على أجسادهم، بالإضافة إلى أن المنطقة كانت خالية تمامًا إلا من دوريات الاحتلال والصحافيين مما يؤكد حتمية الاستهداف.
"شيرين أبو عاقلة" الفلسطينية المولودة فى القدس فى الثالث من يناير من عام 1971م درست في البداية الهندسة المعمارية في جامعة العلوم والتكنولوجيا في الأردن، ثم انتقلت إلى تخصص الصحافة والإعلام، فرع العلوم السياسية، وحصلت على درجة البكالوريوس من جامعة اليرموك في الأردن عام 1991م ثم عادت بعد التخرج إلى فلسطين وعملت في عدة مواقع مثل وكالة الأونروا، وإذاعة صوت فلسطين، وقناة عمان الفضائية، ثم مؤسسة مفتاح وإذاعة مونت كارلو، وبعدها انتقلت في عام 1997 للعمل مع قناة الجزيرة الفضائية حتى مقتلها في الحادي عشر من مايو 2022م.
شيرين أبو عاقلة
شيرين أبو عاقلة التى مارست العمل الإعلامي لأكثر من ثلاثين عامًا بحرفية عالية ومهارة تؤكد وطنيتها وقناعتها التامة بعدالة القضية الفلسطينية وضرورة تحرر الأرض، هذه الأيقونة لم أعرف أنها مسيحية إلا بعد مقتلها وانتقال البعض إلى الجانب الذى تحدثتُ عنه منذ قليل، فإنهم إن لم يؤيدوا التأييد الأعمى فإنهم ينتقلون إلى تفريغ القضية من مضمونها والحديث عن فرعيات لا طائل من خلفها إلا إثارة البلبلة وتدعيم الجهل والتفاهة.
علمتُ أنها مسيحية من حديثهم عن أنه لا يجوز الترحم عليها بعد مقتلها، وهذه كلمات أشعر بمنتهى الأسف حينما يتم النطق بها، وإنى لأشعر بكل مثقف في أي مكان في العالم ينظر إلينا الآن بعين السخرية والحزن على شعوب تركت الجريمة وتتحدث في وجوب أو عدم وجوب طلب الرحمة من رب الكون الرحيم لواحدة من أبناء الإنسانية، وكلنا في النهاية نعبد رب الكون ولا ملجأ لنا جميعًا إلا إليه، وتلك الاختلافات يُقيمها ويحاسب عليها رب الكون وحده.
وقبل أن أُنهى كلماتي أتوجه بسؤال صغير لأمثال هذه الفئة الثرثارة المتشدقة، ماذا كانت ديانة هذا الرجل الذى حدثنا عنه رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم (أي عاش قبل الإسلام) فعَنْ أبي هريرة أنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: بَيْنمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريقٍ اشْتَدَّ علَيْهِ الْعَطشُ، فَوجد بِئراً فَنزَلَ فِيهَا فَشَربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإِذا كلْبٌ يلهثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ العطشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَملأَ خُفَّه مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَه بِفيهِ، حتَّى رقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَه فَغَفَرَ لَه فَأدْخَلَه الْجنَّةَ، قَالُوا: يَا رسولَ اللَّه إِنَّ لَنَا في الْبَهَائِم أَجْراً؟ فَقَالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ" والحديث متفق عليه وهو رسالة واضحة لكل عاقل بأن تقييم الثواب والعقاب إما بجنة أو بنار هو أمر في الأول والأخير في يد الله عز وجل ولا يجب على الإطلاق أن نجعله أداة ترهيب في يد بشرية.
وإن كانت هناك أصوات خرجت علينا تحرم طلب الرحمة لـ "شيرين أبو عاقلة" وتحرم علينا وصفها بـ "الشهيدة" فإني في المقابل أطلب لها الرحمة من الرحمن الرحيم، وأصفها بالشهيدة محبة وعرفانًا، فالارتقاء بقضيتها، وهى مغدور بها، هو في الأخير أمر تستحقه نهاية لحياة وطنية ومشوار طويل من الجلد والمثابرة في نقل تفاصيل يجب أن تصل إلى العالم أجمع، والارتقاء بقضيتها وعدم تفريغها من مضمونها هو ارتقاء بالقضية الفلسطينية في مجملها وتوجيه الأنظار الدولية إلى الانتهاكات والجرائم التى تحدث على أرض فلسطين.
وأخيرًا.. فلترقدي بسلام أيتها الروح الرائعة وأيقونة أرض الزيتون "شيرين أبو عاقلة".
جانب من تشييع جثمان الصحفية شيرين أبو عاقلة في رام الله