هل تعلم أن وفاة أنور وجدي بالسويد، كانت السبب المباشر تقريبًا، وراء موت طفل رضيع في القاهرة؟ أما أنور فرحل في مستشفى باستوكهولم في مثل هذه الأيام، وبالتحديد يوم 14 مايو من سنة 1955، بينما توفي الطفل في مستشفى فؤاد الأول للولادة في اليوم التالي مباشرة، أي في 15 مايو. وقبل أن أحكي لك وقائع ذلك اليوم المتسربل بالأحزان، تعال أقص عليك نبأ أحد عباقرة السينما المصرية.
لعل أنور وجدي واحد من الفنانين القلائل الذين تعاملوا مع فن السينما باعتباره ميدان قتال شرس، عليه أن يخوض في معمعته وهو مدجج بأحدث الأسلحة كي يحقق الانتصار المنشود. وبالفعل، فإن ما أنجزه أنور في مضمار السينما لم ينجزه أحد قبله ولا بعده تقريبًا، فالرجل الذي ولد في سنة 1904، كتب القصة والسيناريو للعديد من الأفلام، كما أسس شركة للإنتاج والتوزيع هي (شركة الأفلام المتحدة) فأخرج أكثر من عشرة أفلام لشركته، أما بطولاته وصبواته على الشاشة فقد تجاوزت أربعين فيلمًا، وهو الذي لم يعش سوى خمسين عامًا وحفنة شهور، فقد رحل في 1955 كما ذكرت قبل قليل.
لم يحقق أنور وجدي كل تلك النجاحات دفعة واحدة، فقد كابد الأمرين، حيث انضم إلى فرقة رمسيس المسرحية (تأسست سنة 1923) لصاحبها يوسف وهبي ليعمل كومبارس صامت ضمن المجاميع، ثم تمكن من أن يقتنص كلمة أو كلمتين أو جملة ينطقها في المسرحية، وهكذا حتى آمن بموهبته صاحب الفرقة ومؤسسها، فأسند إليه أدوارًا ذات مساحات أكبر، وكانت الوثبة الكبرى حين عرفنا في مصر الطريق إلى السينما، فشارك أنور في بطولة فيلم (جنايية نص الليل) الذي عرض عام 1930، وهو فيلم صامت أخرى الدكتور محمد صبري.
وعلى الرغم من أن أنور وجدي ظل طوال النصف الأول من أربعينيات القرن الماضي يلعب دور البطل الثاني أو الثالث مع نجوم الصف الأول أمثال يوسف وهبي ومحمود ذو الفقار وحسين صدقي ومحسن سرحان وبدر لاما، إلا أنه بداية من سنة 1945 استحوذ على نصيب النجم الأول على الشاشة المصرية، حين تزوج ليلى مراد وهو يؤدي أول بطولة مطلقة له في فيلم (ليلى بنت الفقراء) الذي عُرض في 5 نوفمبر من ذلك العام.
من أسف، فقدنا عددًا لا بأس به من أفلام أنور وجدي، ليست تلك التي عمل بها في بداية حياته فحسب، وإنما بعض الأفلام التي أنجزها في سنواته الأخيرة، فلك أن تعلم أن فيلم (الهوى الشباب) الذي لعب بطولته مع ليلى مارد مفقود، رغم أنه عرض سنة 1948، كذلك ضاع آخر أفلامه وهو (الأستاذ شرف) الذي عرض في 4 أكتوبر 1954، بينما بطلة الفيلم النجمة سميرة أحمد ما زالت بيننا، فلعلها تخبرنا عن مصير هذا الفيلم الذي أخرجه كامل التلمساني.
ويبقى أن أشرح الغموض الذي يسكن عنوان هذا المقال، والحكاية باختصار أنه في يوم 14 مايو سنة 1955 حمل رجل طيب زوجته الحامل وهرع بها نحو مستشفى فؤاد للولادة، إذ كانت تتألم بشدة، فاستقبلها الأطباء والممرضات باهتمام وشملوها بالرعاية اللازمة حتى أنجبت طفلا جميلا، وفي فجر اليوم التالي وصل خبر رحيل أنور وجدي من السويد إلى المستشفى، فانتشر الحزن في ممرات المستشفى وفي غرف العمليات وفوق أسرّة المرضى، وهرول الأطباء والممرضات هائمين يستقصون صحة هذا الخبر الحزين، فقد كان أنور محبوب الجماهير آنذاك، فهو نجم السينما الأول بلا منافس، وهو أيضًا أول من كتب قبل اسمه في مقدمة الفيلم عبارة تكريمية مهمة (نجم مصر الأول) كما جاء في فيلم (النمر) سنة 1952.
وهكذا نسي العاملون في المستشفى الطفل الرضيع وما يستلزم من متابعة ورعاية، فمات بعد عدة ساعات من ولادته!
نسيت أن أخبرك أن هذا الطفل هو شقيقي الأكبر، ومع ذلك ظل أبي يترحم على أنور وجدي كلما طلّ وجهه اللطيف على الشاشة، ويترحم أيضًا على ابنه الرضيع!