تعيش الدولة التونسية ظروف سياسية وأمنية في غاية الصعوبة، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، وما زاد الوضع سوءًا هي المحاولات الداخلية والخارجية من القوى السياسية وعلى رأسهم تنظيم الإخوان الذي يسعى لاستغلال الأوضاع في البلاد من أجل تحقيق مصالحة الشخصية. في 25 يوليو، أقال الرئيس التونسي، قيس سعيد، رئيس الوزراء وعلق البرلمان الذي تسيطر عليه حركة النهضة ذات الخلفية الإسلامية، ومنذ ذلك الحين عزز حكم الرجل الواحد.
وألغى سعيد الدستور والسلطة التشريعية واستقلال القضاء والنظام الانتخابي في تونس. ومع ذلك، فإن تلك الجماعات التي قادت البلاد إلى الخروج من الأزمة السياسية الكبيرة الأخيرة لم تفعل شيئًا أكثر من إصدار بضع بيانات تحذيرية.
وفي هذا الصدد، حاورت "سفن إي نيوز"، المرشحة الرئاسية السابقة في تونس الدكتورة ليلي الهمامي..
بداية... ما هو تقييمك للوضع الحالي في تونس؟
في الحقيقة البلاد تمر حاليا بأزمة عصيبة بسبب تداخل المصالح بين الأطراف السياسية، ووجود بعض العناصر الممولة داخليا وخارجيا، وتصارع العديد من الأطراف على السلطة خاصة تنظيم الإخوان الذي يسعى لفرض هيمنته، في ظل فشل النظام البرلماني في البلاد.
وهنا أؤكد أن ووجود حزب النهضة التابع لتنظيم الإخوان في البلاد أدى إلى ما آلت إليه الأوضاع خاصة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، لأنه المسؤول الأول عن الفوضى السياسية التي سيطرت على المشهد الحالي، والدفع بأغلبية التونسيين في فقدان الثقة في الطبقة السياسية واتهامها بالعمل على تخريب الاقتصاد.
بالحديث عن تنظيم الإخوان.. ما هو تقييمك لهذه التجربة؟
في الحقيقة أنه منذ تولى تنظيم الإخوان السلطة في البلاد ساءت الأوضاع الداخلية والخارجية على المستويات الاقتصادية والسياسية، بالإضافة إلى تضرر كافة الطبقات الاجتماعية وارتفاع التضخم والبطالة وذلك يؤكد حجم المؤامرة التي كانت تحاك ضد البلاد.
كما عملت الجماعة أيضا على محاربة الفنون والثقافة والفكر، والطبقات الوسطى، والفلاحين، وأصحاب الأعمال والمؤسسات، الحكومية والخاصة، فقد كانت سياساتهم كارثية على الدولة في الحقيقة، وهذا أصبح واقع الآن تعاني منه الدولة التونسية، بالإضافة إلى محاولاتها المستمرة إقصاء الأخر وإسكات المعارضة وهذا غير مقبول.
وما هو تعليقك على قرار الرئيس قيس سعيد بتجميد عمل البرلمان؟
دعني أشير إلى أن قرارات الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو، والتي تم بموجبها فرض التدابير الاستثنائية وفقًا للمادة 80 من الدستور؛ كانت علامة فارقة في البلاد مع تردي الأوضاع الأمنية والاجتماعية، بالإضافة إلى حالة الانسداد السياسي التي وصلت إليه البلاد، وعدم التوافق على حكومة حيث سعت النهضة إلى فرض شخصيات بعينها في الحكومة.
لكن في رأيي الشخصي أن مواجهة الانسداد السياسي مع حزب أو حركة معينة في البلاد بالقطيعة مع كافة المكونات السياسية، ومحاولة تفكيك بعض المؤسسات ومنها الهيئة الوطنية للانتخابات، والمجلس الأعلى للقضاء من الممكن أن يؤدي إلى حالة من الفراغ.
وما هو تقييمك لرد فعل الغرب؟
في واقع الأمر الرد الغربي خاصة من دول مثل فرنسا والولايات المتحدة كان سلبيًا تجاه الأزمة التي مرت بها البلاد، لذلك لابد من عودة المسار الديمقراطي في تونس بمشاركة من الأطراف السياسية والشخصيات العامة كافة، وجميع الأحزاب، والنقابات في حوار وطني يجمع الجميع.
لذا أؤكد أنه لا بديل عن الديمقراطية في تونس كنظام حكم وحوكمة، كما أشير إلى أن بلادنا بطبيعة الحال ومن موروثها الثقافي والشعبي وخصائصها وطبيعتها مؤهلة للنجاح الديمقراطي، لأن تونس بلد متوازن سياسيا لا ينتمي إلى أي تكتلات أو محاور، بالإضافة إلى امتلاك البلاد علاقات قوية مع الجميع.
وأحب أن أشير هنا إلى أن اعتراضاتي على بعض قرارات الرئيس قيس سعيد، لا تتعلق برفض إنهاء تجربة النظام البرلماني، حيث طالبت مرارًا بأن لا بديل عن النظام الرئاسي مع منظومة حزبية مستقرة وقانون انتخابي منضبط، هو الأنجح لبناء حالة ديمقراطية مستقرة متوازنة ضامنه للتقدم الاجتماعي والاقتصادي.
لكن المشكلة الرئيسية في تونس هو محاولة الرئيس قيس سعيد الخلط والدمج بين النظام الرئاسي والتمثيل القاعدي، والذي يقود بصفة حتمية إلى سيطرة الفوضى على المجلس التشريعي وخاصة تقسيم المشهد السياسي بصفة تعدم تحميل المسؤولية السياسية داخل السلطة التشريعية بما يؤول إلى تغول الرئيس الذي يعين الحكومة ويقيلها وفق قراراه الشخصي.
وهنا في هذه الحالة نحن أمام رئيس بسلطات استثنائية في مواجهة مجموعة من الأشخاص فاقدي الثقة فيما بينهم بما يحول الرئيس إلى إمبراطور، فإذا كان نقض الجمهورية الثانية بتأسيس إمبراطورية قيس سعيد فأنا أرفض قطعيا هذا الدمج.
إذن.. ما هي الطريقة المثلى للخروج من الأزمة الحالية؟
الأزمة الحالية في البلاد تحتاج إلى حوار وطني يضم مختلف التيارات السياسية في البلاد، والشخصيات العامة، والأحزاب، لصياغة خارطة طريق من أجل إنهاء الأزمة.
كما أنها تحتاج إلى تيار مستقل ذو نزاهة وشفافية غير مؤدلج أو تابع لأجندات داخلية أو خارجية وبعيدًا عن حالة الصراع للدعوة لهذا الحوار وضمان مخرجاته، بالإضافة إلى أن تونس بحاجة ماسة إلى تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة لضمان حيادية الدولة عن الصراع السياسي الحالي.
كما أننا في حاجة إلى وجود حلول عاجلة وسريعة من أجل إعادة الثقة في الاقتصاد الوطني، وذلك مهم جدا قبيل عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية المقبلة والتي أقرها الرئيس، حتى يتمكن الشعب من اتخاذ قرار حقيقي يضمن مستقبله السياسي، لذلك وجود حكومة كفاءات تمثل الضمان الحقيقي والوحيد للذهاب نحو الانتخابات، وإجراءها بطريقة شفافة وعادلة.
لذلك من غير المقبول أن تكون العملية السياسية محتكرة من طرف في البلاد حتى لو كان الرئيس نفسه، لأنه بطبيعة الحال طرف في نزاع مفتوح مع أكثر من جهة، لذلك لا يمكن للرئيس أن يكون حكم في صراع هو جزء منه، كما أنه ينبغي الانتباه لأهمية البلاد لما تمثله من أهمية في شمال إفريقيا وفي علاقاته مع ليبيا والجزائر والبحر المتوسط، والجنوب الأوروبي، وتفعيل آليات التأثير والفعل في مراكز القرار في عواصم الدول الغربية.
لذلك هناك أهمية بالغة في ضرورة سرعة ترتيب الداخل التونسي مجددًا دون ابتزاز من أطراف السلطة والمعارضة، كأن بلادنا جزء من أرث عائلي تحتكره شخصيات وعائلات لا تزال تحلم بعودة الإقطاع.