سيد عبد المجيد

الوجوه القبيحة لورثة فولتير

«دعني أختلف معك في الرأي، ولكنني على استعداد أن أدفع حياتي ثمنا لإبداء رأيك».. إنها مقولة فولتير (كاتب وفيلسوف فرنسي عـاش خلال عصر التنوير)، وترجمة لعصر الأنوار الذي قادته أوروبا، إذن هي من اخترعتها وروجت لها على مدار عقود طويلة، بحيث تصبح نبراسا للإنسانية جمعاء لكنها وفي لحظة الحقيقة راحت تطيح بها تضربها بقسوة وتلقي بها عرض الحائط مع سبق الإصرار والترصد.

فإما أن تكون معها ـــوالرسالة موجهة بالأساس لكل روسي أو روسية مقيم أو مقيمة على أراضيهاـــ وتعلن على الملأ إدانتك غير المشروطة لموسكو لأخذها قرار الحرب على أوكرانيا.. وإن لم تفعلا فالويل لكما حتى وأن حملتما جنسية أي بلد أوروبي.

وبداية تلك السطور ليست في معرض إظهار موقف كاتبها مع أو ضد، فهذا له مقصد آخر، فقط ما يعنيها تحليل أبعاد تلك الازدواجية التي لا يمكن نعتها إلا بالمقيتة، وفضح هذا الخجل المسمى الكيل بمكيالين.

لقد سقطت الأقنعة من على وجه القارة العجوز، بيد أنها باتت مثل هؤلاء التي دأبت ــولا زالتــ على وصفهم بالطغاة المستبدين، وها هي تمنع وتحجب بل وتطارد من رفضوا الانصياع لفرماناتها، وتضيق ذرعا بمكاتب الفضائيات والصحافة الروسية، فحجبتها ووضعت العراقيل أمام بثها، كل هذا كي تبق هناك وجهة نظر إعلامية وحيدة مصحوبة بهالة قدسية،  ومن يعارضها فهو ملعون ومطرود من ملكوت الرب.

وهكذا لا همَّ لها سوى شيطنة الكرملين الروسي، ومن يجلس داخله، ألا وهو الرئيس فلاديمير بوتين، «راسبوتين» العصر، في مقابل تمجيد البطل المغوار المناضل الرئيس الأوكراني زبلينسكي، الذي لم يعد فقط رئيس أوكرانيا الصامدة، بل رمزا للعالم الحر، المدافع عن السيادة والحق في التعبير، شريطة ألا يكون باللغة الروسية.

ويالها من مفارقة وهي أنها وبين عشية وضحاها، تناست عن عمد أن هذا البلد ــوبحسب تقارير من منظمات تابعة لهاــ في صدارة الدول الأكثر فسادا على مستوى المعمورة لدرجة أنها تفوقت على بلدان نامية، ولا بأس بأن تزجل لها العطايا والوعود بانضمامها إلى اتحادها لتصبح الدولة الـ28 فيه، رغم افتقارها لـ90% من معايير ماستريخت وكوبنهاجن، التي تؤهلها لمقعد بمقره في العاصمة البلجيكية بروكسل.

قد تبدو تلك التطورات مفهومة في جزء كبير منها لدى البعض، لكن المعضلة تكمن في هذا الترصد لكل ما هو روسي، الذي عليه أن يتحمل وزر قادته، تجلى ذلك وتجسد في ملاحقة موسيقيين وفنانين وفنانات كحالة السوبرانو آنا نيتريبكو، ورغم شجبها غزو أوكرانيا، إلّا أنّها لم تتبرأ من دعمها السابق لبوتين، فألغت مشاريعها الغنائية نتيجة ضغوط حاصرتها من صالات ومسارح عدة، وغيرها كثيرات بتن كساحرات القرون الغابرة، تطاردهن محاكم التفتيش ثم حرقهن أحياء في الساحات.

وفي نيويورك جرى إقصاء قائد الأوركسترا الشهير، فاليري جيرجييف، عن سلسلة عروض، ولم يقتصر الأمر على المعاصرين الأحياء بل تغول إلى الأعمال التي تجاوز عمرها الـ150 عاماً، مثل أوبرا «بوريس جودونوف» للموسيقي مودست موسورسكي، المستندة إلى عمل مسرحي ألفه الشاعر الشهير ألكسندر بوشكين، التي قامت الأوبرا الوطنية البولندية بإلغاء عرضها، وكان يمكن لها العدول عن خطوتها، الغريبة وغير المسبوقة، شريطة خروج موسورسكي وبوشكين من قبريهما، وإعلانهما صراحة اعتذارهما لما اقترفه حفيدهما بوتين.. ياله من استخفاف وضحالة!

والأوركسترا الفيلهارموني في فيينا، فعل الأمر عينه، مع عازف البيانو دنيس ماتسويف، للأسباب ذاتها!

وفي هذا الفضاء النشاز لن تكون المسألة مفاجئة إذ تم سحب مؤلفات ديستوفسكي وتولستوي ومكسيم جوركي، كونهم روس، من المكتبات والتنبيه على دور النشر بعدم إعادة طبعها وحذف أي إشارة لها من المناهج الدراسية سواء بالمدارس أو الجامعات.

وهنا يعود المرء بالذاكرة إلى الأسطورة الألمانية ملك الأوبرا دون منازع، ريتشار فاجنر، الذي كانت له ميول نازية، ورغم هذا كتب عنه برنارد شو «مولع بفاجنر» وترجمه للعربية الراحل ثروت عكاشة، الذي سيقوم لاحقا بتأليف عمل موسوعي عنه سماه «مولع حذر بفاجنر»، صحيح أن الدولة العبرية لديها مرارة منه، إلا أنها لا تقف حائلا أمام تدفق أعماله يستمتع بها مواطنيها.

والسؤال الذي يطرح نفسه، هل مطلوب التوقف عن قراءة كارل ماركس، وفرديريك أنجلز، وشوبنهاور، وجوته، وهيجل، وكانط، وغيرهم، ونسد آذاننا عن سماع باخ الباروكي العظيم، والخالد بيتهوفن، ولحن تلميذه فرانز شوبريت «Ave Maria» لأن بلدهم ألمانيا التي أبادت 6 ملايين يهودي، إبان الحرب العالمية الثانية، وبالتبعية وضع كل من تغنى بـ«المجد للعذراء» سواء الذين رحلوا عن دنيانا أو الأحياء في قائمة المنبوذين وتجريدهم من أية جوائز أو القاب حصلوا عليها!