يقف العالم اليوم 8 مايو، تقديراً واحتراماً لأيقونه الصبر ورمز العطاء، المضطهد من دون ذنب، والمحتقر من دون إنصاف.. الحمار.
ويحتفل الملايين في أنحاء العالم باليوم العالمي للحمار الذي يعتبر مثالاً للجزاء من غير جنس العمل، يعطي ولا يشكو، ويرضى بالقليل، ويخدم ويتحمل ويصبر، ومع ذلك لا يجد سوى الجحود والنكران، بل يعتبره البعض صنواً للغباء ،وسبة وسخرية للمنافسين.
في فرنسا، لا يتوانى المواطنون عن تدليل الحمير رافعين شعار " الخيول يمتنعون" لكي يحظى صديقهم الحمول الصبور بكل المودة والتدليل والتكريم.
وربما لا يحظى الحمار هناك بعطلة رسمية يستريح فيها، ولكن الاحمال والأعمال تخفف عنه قدر الإمكان في يومه العالمي.
وفي كينيا يحتفي الأهالي بأكثر من مليوني حمار، صديقة للمزارعين بسلسلة من الاحتفالات والمهرجانات والرقص في الشوارع والحقول.
اليوم العالمي للحمار
وتنظم مسابقات سرعة وجمال في هذا اليوم المشهود، حيث تزين الحمير بالورود والريش، وتنظم لها سباقات للجري على غرار الفورمولا 1.
اليوم العالمي للحمار
كما تنظم سباقات جمال للحمير، تتهادى فيها تلك الكائنات بدلال على "الكاتووك" مستعرضة جمالها، وسط صيحات التشجيع من الجماهير و"النهيق" من المنافسين!
اليوم العالمي للحمار
وفي المكسيك تعامل الحمير معاملة فوق العادة في ذلك اليوم، ويتسابق الأهالي والسياح على التقاط صور "سيلفي" مع الحمير المزينة.
اليوم العالمي للحمار
والثابت تاريخياً أن الاحتفال بيوم الحمير بدأ في المكسيك منذ 60 عاماً ومن يومها انتشر بسرعة في أرجاء أمريكا اللاتينية، عرفاناً بدورها وإسهاماتها في حياة المزارعين والبشر.
ويشبهها المكسيكيون بالموظف المطيع الذي يخلص في عمله مع نكران للذات، من دون تحجج أو تهرب من العمل، أو المطالبة بمزايا وترقيات من دون وجه حق.
رمز الجمال والخصوبة
ولا يقتصر تواجد الحمار وتأثيره على الزراعة فقط، فقد كان رمزاً للحب والخصوبة عند اليونانيين القدماء، وأثبتت دراسة فرنسية أن لبن الحمير كان سر جمال كليوباترا.
وفي مصر بالذات هناك جمعية للحمير كان يرأسها الممثل المسرحي الراحل زكي طليمات، وتولت الرئاسة من بعده النجمة نادية لطفي.
واكتشف الخبراء الصينيون إمكانية الاستفادة من جلود الحمير في استخلاص عقاقير ومنشطات ليس لها آثار جانبية.
وفي السياسة هناك الحمار الديمقراطي وأول من اختاره المرشح أندرو جاكسون في عام 1828، وجعله رمزاً لحملته الانتخابية ليظهر مدى قربه من البسطاء.
وبعدها أصبح الحمار رمزاً سياسياً للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي مقابل الفيل رمز الحزب الجمهوري، اتخذه الحزب الديمقراطي شعاراً رسمياً له في عام 1870.
الحمار أيضاً كان لقب آخر خلفاء الدولة الأموية، ولكنه لم يكن على سبيل الإهانة بل الإشادة بقوته وصبره.
إذ لقب الخليفة مروان بن محمد بالحمار لأنه بحسب كتاب "سير أعلام النبلاء" كان مقداماً شجاعاً، ولأن العرب كانت تسمي كل مائة عام حماراً، ومع اقتراب ملك بني أمية من عشرة عقود، لقبوا مروان بالحمار.
وقال السيوطي إنه كان لايجف له لبد في محاربة الخارجين عليه، قاتل الخوارج بقوة، وكان داهية يصبر على مكاره الحرب.
وعبر التاريخ كان هناك حمير خلدت بمرور الأيام منها
حمار عزير، والحمار الفرعوني الذي كان رمزاً للإله ست إله الشر.
كما تذكر كتب التاريخ حكايات متناثرة عن حمار الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي الذي كان يطوف به الشوارع متنكراً بين الناس يستمع لشكواهم ويراقب عمليات البيع.
استغلت النصوص الأدبية الحمار في تلقينه الحكمة أو الموعظة الأخلاقية أو الفلسفية، وظهر الحمار في عشرات النصوص الأدبية والتاريخية منذ أكثر من عشرين قرناً.
أقدم رواية هي "الحمار الذهبي" وألفها لوكيوس أبوليوس في القرن الثاني الميلادي، وتتحدث عن رجل يتعرض للعنة سحرية تحوله إلى حمار.
وفي الأدب العربي هناك حمار كليلة ودمنة للأديب الهندي بيدبا والتي ترجمها ابن المقفع إلى العربية. ويسرد الكتاب حكايات أبطالها الحيوانات ومن بينها الحمار الذي اتصف بالمظلومية والحمق!
وفي الأدب الحديث استعان الشاعر الفرنسي جان دي لافونتين بالحمار في حكاياته الشعرية، وعبر ذلك الحيوان الصبور انتقد أحوال المجتمع الفرنسية والقيم الزائفة التي كانت تسوده.
الحمار عند لافونتين إما ضحية أو حكيم أو معتد بنفسه بغباء أو أحمق أو جبان.
بالمقابل، فإن حمار جحا كان نعم الرفيق طوال الطريق، رافقه في تنقله ونوادره ومغامراته.
وهناك نكتة مشهورة عندما كان جحا يركب حماره، فقال له أحدهم: عرفت حمارك ولم أعرفك، فرد عليه" هذا طبيعي لأن الحمير تعرف بعضها.
ولم يكتف الأديب العربي توفيق الحكيم بمؤلف واحد فقط عن الحمار، فألف كتابين هما "حمار الحكيم"، و"حماري قال لي".
ويعترف الحكيم أنه تعلم الكثير من الحمار، ومنه الترفع عن الصغائر والجدل، وصمته الذي هو أبلغ من أي كلام!
واستعان الأديب الفرنسي الشهير فيكتور هوجو بالحمار لكي يحاور الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت.
وكتب هوجو قصيدة أسماها الحمار، كان بطلها الحمار باسيانس "الصبر" الذي كان يقارع الفيلسوف كانت الحجة، ويجادله بدون هوادة.
وفوق كل ذلك حظي الحمار بقصيدة قصيرة كتبها عنه أمير الشعراء أحمد شوقي:
سَقَطَ الحِمارُ مِنَ السَفينَةِ في الدُجى فَبَكى الرِفاقُ لِفَقدِهِ وَتَرَحَّموا
حَتّى إِذا طَلَعَ النَهارُ أَتَت بِهِ نَحوَ السَفينَةِ مَوجَةٌ تَتَقَدَمُ
قالَت خُذوهُ كَما أَتاني سالِماً لَم أَبتَلِعهُ لِأَنَّهُ لا يُهضَمُ.
كما كان الحمار بطلاً لقصة كتبها جبران خليل جبران بعنوان "حمار أنطاكية" وتحكي قصة حمار عجوز وحفيده عندما مرا أمام جسر مدينة أنطاكية، وحكي الحمار العجوز ملحمة أجداده في بناء الجسر، ما جعل الحفيد يتساءل "لماذا لم يكتبوا هذا ما بناه حمير أنطاكية"!
كما أن الحيوان احد أبطال الرواية الخالدة "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل، وإلى جانب ذلك، فهو أحد أبطال مسلسل "شريك" الكرتوني الشهير.