خاص ضحك ورعب ووفاء.. عروض السيرك القومي تجذب المصريين في احتفالات العيد

خلف الستار عناء واستعـدادات وفي الحلبة سعادة ومـهارات

السيرك القومي المصري ضـحك ولعب وكل الـحب

قليل من الشجن واجب لتكريم شهداء السيرك

ألعاب الموت ترفع شعار «السهل الممتنع»

تاريخ «الحلو» و«عاكف» و«ياسين» تمهيد لعروض الورثة

«شيكا بيكا وبولوتيكا ومقالب أنتيكـــا.. ولا تزعل ولا تحزن اضحك برضه يا ويكـــا.. هـاهــاهـاهـا ع الشيكا بيكــــا».. وحدها كلمات الشاعر المصري الراحل صلاح جاهين، التي تغنت بها السندريلا (الفنانة المصرية سعاد حسني)، كانت رفيقتي وسط الأجواء الصاخبة لعالم السيرك، الذي لم تفلح موسيقاه الصاخبة المصاحبة للعـروض أن تنحي صوت السندريلا، الذي نجح بجدارة في فرض شجنه وسط ضحكات الحاضرين.

فرحة سعاد حسني وشقاوتها الممزوجة بمرارة وعناء ومشقة –رغم ارتباطها بمسار أحداث فيلم المتوحشة- تشبه إلى حد كبير حال أبناء سيرك العجوزة في محافظة الجيزة شمال مصر، وصُناع فقراته، الذين يتغلبون على أي مصاعب ويبذلون أقصى ما في وسعهم لإسعاد جموع المتفرجين حتى لو كان العناء رفيقاً مُلازماً لهم، فيبقى الهدف الأسمى والأهم لهم أن يبدو الأداء في النهاية كالسهل الممتنع، في سبيل استحضار أحاسيس الدهشة والذهول، التي تنتاب الجمهور أثناء تنفيذ تلك المهام الصعبة بل والمستحيلة بمنتهي البساطة.

وعلى مدار أكثر من 3 ساعات قدَّم أبناء السيرك القومي المخـلصين له ولزواره، عروضهم الفنية وإبداعاتهم ومواهبهم التي تميزوا فيها باقتدار، أكثر من 14 فقرة فنية تخللها مقاطع فيديو وثائقية وتسجيلية، قبل كل عرض للحديث عن الأبطال والمشاركين فيه، وكذلك صور لأبطال سابقين وعروض قديمة في صور فوتوغرافية سجلت نجاح وذكريات السيرك القومي بالأبيض والأسود، إلى جانب عرض بعض المعلومات الهامة عن قاعات السيرك وأسباب إطلاق بعض الأسماء عليها تخليداً لذكراهم، وأيضاً الأسماء التي تولت مسؤوليته وإدارته وكذلك أشهر العائلات التي توارثت حب السيرك وألعابه وأشهرها عائلات «الحلو»، «عاكف» و«ياسين»، بالإضافة إلى استعراض بعض المشاهد من تدريبات اللاعبين والفنانين والصعوبات التي تواجههم من أجل الخروج بهذه النتائج القوية على الحلبة أمام الجمهور.

الشبل والأسد

صورة مع الأسد، كانت بداية تشويقية لبرنامج حافل بالفقرات الفنية والألعاب الاستعراضية، وها هو أحد عمال السيرك يتجول بأرجاء الحلبة حاملاً الشبل الصغير الحاضر خصيصاً لالتقاط الصور مع الأطفال، تلك الصورة التي قد تتطور مع بعضهم إلى لمسة وحضن سريع للأسد.

فرقة أولاد ياسينأحد أفراد السيرك يتجول بالأسد

ومن تلك البداية التي جذبت الأطفال لعالم السيرك، إلى انطلاقة حماسية استهدفت جميع الحضور كباراً وصغاراً قبل لحظات من بدء أول فقرة، حين انطلق النشيد الوطني مدوياً داخل القاعة وسط هتافات الحضور وترديدهم للكلمات، ليظهر بعد ذلك الفنان الإماراتي حسين الجسمي، على شاشة العرض الكبيرة التي تعلو الحلبة، في مقطع الفيديو الشهير الذي يؤدي فيه أغنية «يا أغلى اسم في الوجود» ليزداد الحماس وقدر الاستعداد لاستقبال أولى الفقرات.

عروض وفقرات السيركعروض وفقرات السيرك

كلمة السر

ألعاب «التوازن» كانت خير بداية لدخول عالم السيرك والتعرف على قدرات خاصة يمتلكها أبطاله، كما أنها أيضاً كلمة السر في كثير من العروض التي استهدفت تقديم ألعاب وحركات يستند أبطالها على كراسي وكرة وعصا وغيرها من الأدوات المساعدة على تقديم عرض مدهش ومثير للإعجاب في دقائق قليلة ولا يستهدف سوى تحقيق مهمة اتزان الجسد فوق أدوات بسيطة وصغيرة وصعبة.

عروض وفقرات السيركعروض وفقرات السيرك

عروض وفقرات السيركعروض وفقرات السيرك

عروض وفقرات السيركعروض وفقرات السيرك

عروض وفقرات السيركعروض وفقرات السيرك

شجن وحزن

ومن الحماس والفرح إلى قليل من الشجن، حالة حزن واجبة بدأتها خلفية موسيقية صاحبها عرض مقطع فيديو، استهدف التذكير والتكريم لأسماء شهداء السيرك الفنان محمد الحلو، والفنانة فاتن شحاتة والفنان داخلي أمين، الذين لقوا حتفهم في في أثناء تقديم عروض مختلفة داخل الحلبة.

مقطع يشاهده اللاعبون والمدربون وعمال السيرك بنفس قدر الاهتمام من الحضور، بل يتجاوز الأمر حد المتابعة فتختلط مشاعر الحزن بكلمات الدعاء التي يرددونها اعترافاً بجميل من سبقوهم وتكريماً لأرواحهم التي استشهدت أثناء العمل، ينظرون إلى أساتذة وآباء وأصدقاء رحلوا ولا يفكرون إلا في أمر واحد «نعمل من أجل هؤلاء ولا نخشى مصيرهم».

ويقيناً منهم أن القدر محتوم وأن حرفتهم صناعة الضحك ورسم الابتسامة على الوجوه التي ربما تأتي إليهم مهمومة عابسة أملاً في وقت مستقطع يهديهم السعادة والبهجة، يستعيدون بريقهم في لحظات، الأمر الذي يترجمه توهج الحلبة من جديد في غمضة عين استعداداً لاستكمال بقية فقرات البرنامج.

تحدي «الخنجر»

ستار يفصل بين الحلبة التي يحيط بها الجمهور من كل جانب، وحلبة أخرى ترى تفاصيلها في رأسك الذي يتصور حجم الاستعدادات والتجهيزات التي تتم خلف الستار وداخل الوحدات، وكذلك اللحظات التي تشهد لقاء أبطال العروض بعضهم البعض في أثناء نهاية كل فقرة وبداية ما يليها، وصولاً لبرنامج ضخم ومزدحم بالعروض المختلفة التي فاق عددها ومحتواها خيال الحضور من حيل السحر والخفة، ولعبة الخناجر وكرة الموت والتوازن على دراجة بعجلة واحدة، وألعاب هوائية وعروض كوميدية للمهرجين، ورقصات استعراضية وعرض للحيوانات والطيور الأليفة «كلاب وحمام وببغاوات» وغيرها من الفقرات التي يتابعها الحضور واحدة تلو الأخرى دون الشعور بملل أو احتمال استطلاع الساعة لمعرفة كم مضى من الوقت.

وحوش مفترسة

لوبا والأسدلوبا والأسد

حتى يأتي في الأخير موعد استقبال عرض الوحوش المفترسة بعد دقائق من تجهيز الحلبة وتأمينها، تدخل لوبا الحلو، الحفيدة التي توارثت حب الأسود وترويضهم من أفراد عائلة وهبت كل حياتها للسيرك، لتقدم الفقرة الأطول على مدار البرنامج الترفيهي وسط 6 من الأسود والنمور الإفريقية والآسيوية، وربما يكمن سبب طول مدة الفقرة في إشباع الجمهور المتعطش لها على وجه التحديد خاصة من الأطفال الذين كانوا ينتظرون ظهور الأسود منذ اللحظة الأولى لدخول القاعة.

«لا للسقوط»

سعادة بنفس قدر العناء والمشقة التي يتكبدها لاعبو السيرك الذين يقدمون نسختين يومياً من العروض والألعاب في حفلتين يقدم فيها كل منهم خلاصة موهبته وسحره وفنه رغبة في مزيد من التشجيع الحار والتصفيق المتواصل، الهدف الذي يفعلون ويقدمون من أجله أي شيء، وهو ما ظهر في فقرة التوازن على الكرة حين فشل اللاعب في إنهاء العرض كما أراد حيث سقط من ارتفاع دون إتمام الحركة المطلوبة، فما كان منه إلا إعادتها مرة أخرى ورفض الاستسلام للسقوط أو الفشل مطالباً الجمهور بمزيد من التصفيق الذي يمنحه الثقة والقدرة على القيام بها، وهو ما تحقق بالفعل في نهاية الأمر.

تجديد الذكريات

ثلاث ساعات انقضت، كانت خلالها كل مقاعد القاعة كاملة العدد، تماماً كالحفلة التي سبقت، وتحت شعار "تجديد الذكريات" استعاد الكبار ذكرى واحدة من أهم مزارات الطفولة التي أصبحت فيما بعد ضمن أحلام وتقاليد الأسر التي تقرر توريثها للأبناء والأحفاد عن ثقة في حب تجربة السيرك والاستمتاع بها بل والرغبة في اختبارها من جديد.

لوبا الـحـلو «الـجـميلة والوحـوش»

طاعة عمياء للشقراء في الحلبة ولا تستعين بمرافق وسط تشكيلة مختلفة من الأسود والنمو

لوبا والأسدلوبا والأسد

لا يمكن أن تراها إلا سيدة جميلة تحمل كل الصفات الأنثوية الرقيقة حتى لو كانت محترفة في ترويض الأسود المفترسة، فملامحها الهادئة التي تبرزها بعض الألوان الصاخبة للماكياج تماشياً مع أجواء السيرك وملابسها التي تتميز بطابع خاص وتمنحها إطلالة ختام البرنامج كما ينبغي أن تكون، كل هذه الأمور تجمع صورة «لوبا» مُروِّضة الوحوش ومدربتهم بالبنت الجميلة الرقيقة التي تجتمع فيها كل صفات الأنثى.

دموع تجدها حاضرة في عيونها بمجرد ذكر اسم «الحلو»، تلك العائلة التي تسعى لاستكمال سلسالها في عالم السيرك، وفخر بالانتماء لهم وسعادة بالقدرة والهبة الربانية التي منحها الله إياها لتتمكن من امتهان نفس مهنة الآباء والأجداد منذ كانت في سن صغيرة، وفرحة بوراثة حتى بعض ألقاب العائلة مثل «المرأة الحديدية» اللقب الذي ورثته من الجدة محاسن الحلو، فلم تختاره لنفسها بل ناداها به الجمهور.

حاضرة بقوة وسط الحلبة، وتحرص على تفاعل الجمهور معها طوال الفقرة بتوجيه بعض العبارات لهم في أثناء الفقرة للوقوف على مستوى رضاهم وإعجابهم بما يجرى في الحلبة.

«برافو».. كلمة رددتها أكثر من مرة في صيغة سؤال لاستطلاع رأي الجمهور فيما قدمته للتو، قبل الانتقال لحركة جديدة، لتستمر في تقديم فقرتها أو بالأحرى هوايتها في ترويض الوحوش التي تتحرك بإشارة واحدة منها بين أطراف الحلبة، فقط إشارة ليجلس أو يقفز أو يتحرك أو يمر من دائرة نار دون تردد أو ينام ويستسلم تماماً.

ولم تكتف بترويض الأسود في الحلبة بل تمكنت أيضاً من مصاحبتهم لفترة طويلة عاشوها تحت سقف واحد منذ كانوا صغاراً، تمكنت خلالها من معرفة كل شيء يتعلق بهم حتى أنها استطاعت تفسير كل حركة تصدر عنهم بل وتمكنت من خلق روتين يومي لهم.

وبذكاء الأنثى استطاعت «لوبا» التعامل مع الأسود الإفريقية والبيضاء الآسيوية التي تعد الأخطر والأكثر شراسة، وكذلك النمور، وبعد خبرة طويلة في المجال باتت تجمعهم سوياً في حلبة واحدة دون مرافق معها، كما تغلبت على صعوبات فترة التزاوج، تلك الفترة الأكثر خطورة في التعامل معها.

«لوبا» الشقراء الجميلة لا تزال تقهر الأسود بقوة الأنثى التي تمتلكها، وتحظى بشهرة عالمية واسعة كمدربة اختارت أن تقدم السعادة للجمهور من بين أنياب الأسود.

«أولاد ياسين» متعة تـحدي الـموت في كـرة

فرقة أولاد ياسينفرقة أولاد ياسين

كلنا نخشى مواجهة الموت، بل أننا لا نحتمل مشاعر الخوف التي تتولد لدينا عند الإحساس بأي خطر، وقد يصاب بعضنا بصدمة قوية عند اختبار الرعب

«أولاد ياسين» يواجهون كل ذلك يومياً في السيرك القومي بالعجوزة ولكن بطريقة مختلفة، فيستعدون لتحدي الموت ومواجهته بابتسامة وثبات، ويتخطون مشاعر القلق والخوف التي تتولد لا شعورياً داخل كل إنسان يعلم أنه بصدد القيام بمهمة صعبة.

كرة الموت قد تتجاوز فكرة المهمة الصعبة فتصبح مستحيلة، ولكن رغم ذلك يُقبل عليها أولاد ياسين حباً فيما ورثوه عن الجد الأكبر منير ياسين، ورغبة في إسعاد جمهور السيرك الذي يتساءل منذ اللحظة الأولى لدخول قاعة العرض عن الكرة الحديدية التي ترتكز في أحد الأركان خارج الحلبة.

خالد، هو الابن الأصغر في مجموعة أولاد ياسين التي تشمل: وليد وأحمد ومحمد، 4 أبطال قاموا بإحياء تراث الجد منير ياسين، بعد سنوات من اختفاء فقرة الموتوسيكلات من السيرك، بعد أن كان الجد هو اللاعب الوحيد الذي يقدمها في مصر، كما كان له حظ من توثيق فقرته سينمائياً بعد أن شارك في فيلم «سكرتير ماما» بطولة الفنان فريد شوقي، لتختفي كرة الموت فترة طويلة تظهر بعدها خارج مصر في كولومبيا، والبرازيل، ليقرر أولاد ياسين استعادة تراث الجد والتدريب المستمر على لعبة الموت حتى أصبحوا من الأبطال العالميين في اللعبة.

ولا يقتصر الأمر على موتوسيكل واحد داخل الكرة وإلا لكان الظن أن الأمر أقل خطورة وأكثر سهولة مما نظن، ولكن أن يدور شخصان وأحياناً أكثر داخل كرة واحدة على موتوسيكلات في نفس الوقت وعلى سرعة تتجاوز المئة في جميع اتجاهاتها على ارتفاع 4 أمتار، فإن هذا يمنح اللعبة لقب كرة الموت ويمنح أبطالها القوة والثبات التي تُمتِع الجمهور وتُذهِله.

ورغم الذكريات المؤلمة وآثار الإصابات والجروح التي بدأت بالجد الأكبر وامتدت إلى الأبناء والأحفاد، إلا أن حب السيرك ولعبة الموت تسري في دمائهم والعروق فيصرون على استمرار نسل لاعبين جدد لكرة الموت.