حوار خاص هابو.. مدينة فرعونية تحكى تاريخ الأعياد المصرية القديمة

تعرف على تاريخ الأعياد لدى المصري القديم

282 عيدا سجلت على الجدران أبرزها "الربيع والزراعة ورأس السنة"

162 يوما احتفل فيها المصرى القديم خلال السنة

أبرز الأعياد سجلتها مقابر الوزراء والكهنة وموظفى الدولة

لازالت المعابد والمواقع الأثرية المصرية، شاهدة على تاريخ الأعياد وطقوسها في مصر القديمة، حيث انفرد معبد مدينة "هابو" بالبر الغربى بمدينة الأقصر "جنوب مصر"، بما حويته نقوشه ورٌسمت على جدرانه الزَاهية ألوانها، تاريخا حضاريا ممزوجا بطراز معمارى فريد، لتسجل 282 عيدا عرفها المصرى القديم، صاحبها العديد من الطقوس الاحتفالية والموسيقية، ولما لا وقد قال عنها المؤرخ التاريخى "هيرودت"، بأن المصريين القدماء هم أول شعوب العالم القديم اهتماما بالأعياد والاحتفالات، وذلك دليلا يعكس ويناقض فكرة البعض بأن الحضارة المصرية سوداوية اهتمت بالموت فقط ولم تهتم بالحياة.

مدينة فرعونيةمدينة فرعونية

دراسة "شوت" الألمانى تؤكد احتفال القدماء بـ 162 يوما فى السنة

فحسب قائمة سجلها عالم المصريات الألمانى "شوت" قديما ومسجلة بمعبد مدينة هابو بالأقصر، فإن هناك 162 يوما من الاحتفالات سجلت على جدران المعابد فى حكم الملك رمسيس الثالث بمجموع 6 أشهر من السنة، واعتمد "شوت" فى دراسته على التقاويم وقوائم الأعياد المسجلة فى المعابد من نقوش ولوحات وتماثيل ومقابر وبرديات ومن أبرز الأعياد التى احتفل بها المصرى القديم أعياد السماء وأعياد منابع النيل ويوم فتح منافذ المعبد وأعياد الإلهات وأعياد الوادى الجميل وغيرها.

مدينة فرعونيةمدينة فرعونية

فبجانب كون معبد "هابو" خصص للطقوس الجنائزية كان معبدا للأعياد والاحتفالات، وسجلت رسومه أيضا جانبا من حياة الملك رمسيس الثالث، صراعاته وحروبه وانتصاراته، ليصبح سجلا زاخرا مليئا بالتفاصيل والحكايات التى تسردها نقوشه، جعلته واحدا من أهم المقاصد الأثرية والسياحية فى عاصمة الآثار والعالم، يزوره يوميا الباحثين فى التاريخ والسائحين من مختلف الجنسيات.

معبد مدينة "هابو" يعد من أهم المعابد الفرعونية التى خصصت لتخليد ذكرى الملوك، فهو معبد جنائزى، يضم العديد من مقابر ملوك الأسر الفرعونية، بالإضافة إلى العشرات من مقصورات الملكات، أسسه رمسيس الثالث "آخر ملوك الأسرة العشرين" لتسجيل انتصاراته على جدرانه ليكون معبدا للإله آمون، وصًمم المعبد على طراز المعابد السورية القديمة التى شاهدها رمسيس الثالث،عندما حاربهم، إلا أنه سجل أيضا أعياد المصريين القدماء وطقوسهم فى الاحتفال، كرأس السنة وأعياد كل شهرين وبداية الفصول والفيضان والحصاد والتتويج وتكريم الآلهة العظام واليوبيل وغيرها.

تقسيم الأعياد فى الدولة القديمة المسجلة على جدران المعابد

وسجل المصرى القديم معظم أعياده واحتفالاته على جدران معابد مدينة "هابو" فانقسمت الأعياد طبقا لدراسة جديدة قام بها عالم المصريات الدكتور منصور النوبى منصور، أستاذ الآثار المصرية القديمة بكلية الآثار بجامعة الأقصر، إلى أعياد ملكية ودينية وجنائزية ورسمية وثانوية، فالأعياد الثانوية اعتمدت على التقويم مثل عيد رأس السنة وعيد فيضان النيل وعيد الحصاد وعيد ظهور الشعرى اليمنية وأعياد فصول السنة الثلاثة وعيد أيام النسئ الخمسة إلى جانب الأعياد الشهيرة مثل عيد ظهور الهلال واكتمال القمر.

أما الأعياد الدينية فهى التى تتصل بالآلهة ومعابدهم فهناك عيد "أوبت" وهو العيد الذى يزور فيه الإله آمون معبد الأقصر، وهناك قائمة مسجلة على جدران معبد هابو ذكرت الفرق الزمنى بين العيد والعيد فى بعض الأحيان لا يتجاوز ثلاثة أو أربعة أيام.

مدينة فرعونيةمدينة فرعونية

ومن الأعياد الجنائزية عيد الوادى الذى يزور فيه الإله آمون الوادى فى الضفة الغربية من طيبة، أما الأعياد الرسمية فهى كانت المرتبطة بالدولة ومنها أعياد اقتصرت على الموظفين والكهنة المرتبطين بالمعابد مثل عيد سويد وعيد تحوت وهى أعياد لا تشارك فيها العامة من الشعب، هناك أعياد اقتصرت على طبقة الكهنة المرتبطين بالمعابد واشترك فيها عامة الناس وهى كانت بمثابة إجازات رسمية ومنها عيد رأس السنة وعيد حتحور وعيد النحب كاو وعيد باسست وعيد الحصاد وأعياد التتويج وعيد السد بجانب أعياد الآلهة أوزوريس، وأيضا أعياد شخصية، وهى أديت شعائرها وطقوسها بواسطة عدد محدود من الأفراد أو الجماعات ويقوم فيها بتقديم القرابين للآلهة أول كل شهر.

وتؤكد الدراسة، أنه بدراسة مظاهر ومناظر 400 مقبرة خاصة بالأفراد والوزراء وكبار موظفى الدولة القديمة، تبين أن هناك 16 عيدا كانوا من أهم الأعياد فى مصر القديمة، كأعياد الزراعة والحصاد والرحلات المقدسة، وفيها يتغنون ويعزفون الموسيقى تكريما لرب السماء وكان أمراء الأقاليم هم الزعماء الروحيون، وتميزت هذه الأعياد بطقوس معينة وأغانى معينة يحرص عليها الجميع فى احتفالاتهم، وهو ما يؤكد مقولة المؤرخ التاريخى هيرودت بأن المصريين القدماء هم أول شعوب العالم اهتماما بالاحتفالات والأعياد، وهذا ما تشير إليه المناظر على جدران المعابد الفرعونية.

مدينة فرعونيةمدينة فرعونية

وتحفٌل جدران معبد هابو، بالكثير من الحكايات والقصص،عن الأعياد التى احتفل بها قدماء المصريين أيضا ومنها الأعياد الخاصة بكل إقليم بمعبوده الخاص، مثل احتفال المصريين بعيد "الاتحاد" فى دندرة وعيد "واج" المخصص للمعبود "أوزير" بالإضافة إلى الأعياد الشهرية كاكتمال القمر وظهور الهلال، والأعياد الفصلية كأعياد الفصول الثلاثة كعيد "آخت" الفيضان فى الخريف، وعيد "برت" الزراعة فى الشتاء وعيد " شمو" الحصاد فى الربيع، وأيضا أعياد الرسمية كعيد الملك، وعيد التتويج والعيد الثلاثينى، وأعياد النصر على الأعداء، وعيد "أوبت" آمون، وعيد الآلهة أوزوريس، وعيد الحب ست، وعيد الوادى الجميل .

الأغانى التى ذكرت فى الأعياد ومسجلة على جدران "هابو"

وأشارت الدراسة، إلى أن العيد هو المتنفس الوحيد الذى كان المصريين القدماء يعبرون من خلاله عن رغباتهم المكبوتة وآمالهم البعيدة ولذلك حرصوا على أداء طقوسهم فيه، وصاحبت مناظر الأعياد فى المعابد والمقابر بعض الكلمات والأغانى والأقوال التى تغنى بها، ومنها ما تغنت به زوجه لزوجها فقيل: "خذ للشرب واحتفل بيوم سعيد.. فى بيتك الأبدى من يد زوجتك.. لك ولسعادتك ياعزيزى رداء أبيض".

ومن الأغانى التى تغنى بها المصريون القدماء فى هذه الاحتفالات والذى قيل أثناء تقديم القرابين ومنها: "ولقد تقبل ما أتيت به.. إن يداك لطاهرتان عندما تعمل للعيد.. هو يعطيك الحياة والسلامة والصحة.. وسعادة القلب فى حظوة الملك.. ولك فيها حياة سعيدة".

وفى مدح الإله آمون غنى المصرى القديم، أنه ليوم جميل ذلك الذى يذكر المرء فيه جمال آمون.. وما يبهج القلب.. فالمرء يزيد فى المديح أمامك حتى عنان السماء.. ولكن قلوبنا مرفوعة فوق هذا الذى تراه، ومن الأغنى المسجلة بمعبد هابو فى عيد "مين": أحد أماكن الشرب أسس.. السماء متجهة نحو الجنوب.. أحد أماكن الشرب أسس.. السماء متجهة نحو الشمال.. حتى يشرب بحارة الملك.. ذلك هو محبوب آمون وممدوح من الآلهة .

مدينة فرعونيةمدينة فرعونية

طقوس الاحتفال فى الأعياد

وأبرزت الدراسة أهم الطقوس التى حرص عليها قدماء المصريين أثناء الاحتفالات والأعياد وكان منها تقديم القرابين وإيقاد المشاعل والتى يعدان من أكثر الطقوس التى تؤدى فى الاحتفالات، ويرجع السبب فى ذلك إلى أهمية كل من النار والضوء فى تبديد الظلام الذى يعيش فيه الموتى وأيضا الحب للحياة التى طالما تمناها المتوفي لنفسه فى الحياة الأخرى.

ويلاحظ فى أعياد الموتى أن الآلهة حتحور قد احتلت مكانة رفيعة بالنسبة للموتى والأحياء، ففى إحدى المقابر يظهر المتوفى واقفا كما لو كان عاد لتوه من العالم الآخر، ثم يبدأ فى استقبال جماعات الموسيقى والمغنين ومجموعات المصارعين الذين حضروا بغرض تقديم إجلالهم وتعظيمهم له وقد اصطفوا فى صفين يقودهما كاهن الإله الذى يقدم للمتوفى قلادة حتحور ثم يمنحه رغيفين من الخبز .

الرجال والنساء شاركوا فى مواكب الاحتفال بالأعياد

وأضاف أحمد البدرى مدير مركز الأقصر للدراسات للحوار والتنمية ومرشد سياحى، أن 282 عيدا عرفها المصرى القديم مسجلة على جدران معبد هابو، ومن مظاهر هذه الاحتفالات التعطر والتزين بالملابس الجديدة قبل الذهاب للمعبد، والتحرك فى مواكب كبيرة تشترك فيها النساء مع الرجال، يصاحبها الغناء والرقص والدعابات طوال الطريق وحتى الوصول للمعبد، هذا بالإضافة إلى تقديم القرابين للآلهة، وهذه الاحتفالات كان لها تأثيرا كبيرا لدى المصريين القدماء، فتميزت هذه الأعياد بإقامة الحفلات والمآدب والولائم.

مدينة فرعونيةمدينة فرعونية

" هابو" معبد الإله آمون

ويتكون معبد "هابو" من بوابتين إحداهما شرقية وأخرى غربية، ومعبد الإله آمون وبحيرة مقدسة على الجانب الأيمن من المدخل الشرقى وسورين خارجى وأخر داخلى، وساحة مقدسة تحتوى على تماثيل لسخمت ورمسيس الثالث، ويعد المعبد من أكبر المعابد الفرعونية حيث يصل عرض المعبد 320 مترا من الشرق إلى الغرب، وطوله 200 متر من الشمال إلى الجنوب، ويصل ارتفاع السور الخارجى 17.7 مترا وهو الوحيد بين معابد الدير الغربى الذى يحاط بسورين عليها نقوش تمثل أذرع الأسرة وصورة للملك رمسيس الثالث.

وداخل المعبد يوجد الصرح الأول وفنائه الخاص بإقامة الشعائر، وعلى جانبه قصر ملكى لرمسيس، ثم الصرح الثانى وفنائه الذى يضم الأعمدة الإسطوانية، وتقع صالات الأساطين الثلاثة بالمعبد على المحور وتتميز بثلاث مداخل، مدخل الوسط للوصول إلى مقصورة قدس الأقداس الخاصة بزورق الإله آمون، والمدخل الثانى يوصل لمقصورة زورق الإله خنسو، والمدخل الثالث يوصل لمقصورة زورق الإله موت، أما قدس الأقداس فمحاط بالعديد من الحجرات المختلفة الأشكال، فالبعض منها خاص بالإلهة والإلهات، والبعض الآخر مخصص لمستلزمات المعبد التى كانت تستخدم فى الطقوس والشعائر الدينية.

مدينة فرعونيةمدينة فرعونية

وترجع الكثير من المؤلفات القديمة تسميته إلى عقيدة "التاسوع المقدس" ويدللون على ذلك بالشواهد المحفورة على جدران المعبد وأن رمسيس الثالث أسسه لكثير من المعبودات الفرعونية.