حوار خاص «شيلى في دندرة».. قصة سائحة أمريكية فُتنت بالإله «بس»

إله الفرح والموسيقى بمعبد دندرة

شيلى رايت جونسون لـ«7E»:

  • ألَّفت ثلاثة كتب عن الفرعون الصغير.. وأزوره سنويًا لأكثر من 24 عامًا
  • أسرد الأساطير المصرية القديمة من خلال «بس» كشاهد عيان على التاريخ
  • «بس» استُخدم كسحرٍ دفاعي نيابة عن الأم والطفل وبطلاً في الحروب وراعس الموضة وحامي الكروم في مصر القديمة
  • «بس» أصبح فردًا من أسرتي المكونة من زوج وثلاثة أبناء.. وآمل أن أغرس في قرائي تقديراً لمصر القديمة

فى ربيع عام 1998 وصلت السائحة الأمريكية وكاتبة الأطفال، شيلى رايت جونسون، لأول مرة إلى مصر، رفقة عدد من أصدقائها لزيارة الآثار المصرية القديمة بالأقصر وقنا وأسوان، لكن رحلتها العابرة تحولت إلى رحلة دائمة تصطحب فيها أصدقاءها، بعدما فُتنت بسحر الفرعون الصغير «بس»، إله الفرح والموسيقى، فلم تدرك بأن هذه الزيارة ستغير مجرى حياتها.

حوَّلت المحامية الشهيرة مجالها إلى أديبة وقاصة، بسبب عشقها للقزم الصغير ذي الأرجل القصيرة والجسم الممتلئ واللسان البارز، فأصدرت ثلاثة كتب تحكي عنه، ومنذ ذلك الوقت وعلى مدى 24 عامًا وهى تواظب على زيارته مرة أو اثنتين في العام.

رحلة الوصول إلى عاشقة «بس»

«7e news» بدأت البحث عن عاشقة الإله «بس» في رحلة شاقة، بالنظر إلى عدم توافر لدى القائمين على معبد دندرة أية معلومات عنها سوى أنها سائحة أمريكية تأتي سنويًا لزيارة الفرعون الصغير.

تواصلنا مع أحد المرشدين السياحيين بمحافظة الأقصر، الذي بدوره أوصلنا بالمرشد السياحي الذي يصطحبها في كل جولاتها، ولكنه لم يعطينا سوى اسمها، وهنا بدأت رحلة البحث عنها لعدة أيام على صفحات التواصل الاجتماعى، حتى توصلنا إلى إحدى صديقاتها وتدعى «داون جاسكيل» التي أوصلتنا إليها، بعدما أكدت لنا أنها أفضل من تتحدث عن «بس» فى العالم؛ لحبها الشديد له.

السائحة الأمريكية شيلى رايت جونسون مع الإله بسالسائحة الأمريكية شيلى رايت جونسون مع الإله بس

تحدثت «جونسون» عن تجربتها وعشقها للإله الصغير، في أول لقاء مع وسيلة إعلامية بالعالم العربي، عن المعشوق الصغير، رحلتها الأولي لمصر ومعبد دندرة تحديدًا، قبل 24 عامًا، حين انبهرت بهذا التمثال الصغير، وأُعجبت بواجباته الإلهية التي جعلته حامي كل شيء ومدافع عن كل شيء، الأمر الذى أوقفها أمامه مكتوفة الأيدي في بداية الأمر، مندهشة بما تسمعه من مرشدي المعبد عن تاريخه، فهو إله الفكاهة والفرح والسرور وأيضًا الحامي لكل شيء جيد والمدافع عن كل سيئ، وهنا بدأت رحلة البحث عن «بس» الإله وعلاقته بتاريخ مصر القديمة، ومنذ ذلك الوقت وهي تزوره مرة أو اثنتين سنوياً بمجموعة من أصدقائها يتجاوز عددهم 50 شخصًا.

البداية.. لحظة الانبهار

تقول «جونسون»، لـ«7e news»: «كانت رحلتي الأولى إلى مصر عام 1998، رفقة مجموعة من الأصدقاء، بقيادة (جون أنتونى ويست) الذي كان مؤلفاً ومحاضراً شهيراً عن مصر القديمة، وحينها فُتنت بالفرعون الصغير الذي كان مختلفاً تماماَ عن جميع الألهة القديمة الأخرى، والتي تميزت بطول القامة والمثالية فى تصويرها، لكن (بس) قصير وممتلئ ولسانه بارز، وهو ما جعلني أتأثر بمظهره، كما انبهرت بواجباته الإلهية، ولذلك كتبي تحكي عن الحكايات والأساطير المصرية القديمة من خلال منظور (بس) كشاهد عيان على التاريخ، وآمل أن أغرس في قرائي، خاصة الأطفال تقديراً لمصر القديمة وهم لا يزالون صغاراً».

«قصة بس».. أحد المنتجات الثلاثة

«الحديث عن مصر القديمة هو بمثابة العودة إلى عصر مضى، عندما كان العالم مليئًا بالسحر ويحكمه الخالدون، فأساطير مصر القديمة مليئة بالأحداث، باعتبارها أقدم واجهة سياحية وأكثرها شهرة في العالم وموطنا للآثار الحجرية الرائعة التى بُنيت لتستمر إلى الأبد»، هكذا عبرت كاتبة الأطفال الأمريكية شيلى جونسون في مقدمة كتابها «قصة بس» إله الفرح والموسيقى وطارد القوى الشريرة في الأساطير القديمة.

شركة «بس كوُست تورز»

ألفت شيلي جونسون ثلاثة كتب عن الإله «بس» وعلاقته بحضارة مصر القديمة، لتصبح بعدها رحلتها سنوية إلى مصر تدعو فيها أصدقائها عبر شركتها التى أسستها خصيصا «بس كوُست تورز» بمشاركة صديقتها، داون جاسكيل، العاشقة أيضًا للإله الصغير، وتنظم رحلة أو اثنتين إلى مصر فى ربيع وخريف كل عام.

السائحة الأمريكية شيلى رايت جونسون مع الإله بسالسائحة الأمريكية شيلى رايت جونسون مع الإله بس

الكاتبة الأمريكية وصفت الفرعون الصغير، في إحدى منشوراتها، بأنه أصبح فردًا من أسرتها المكونة من زوج وثلاثة أبناء، والتي تعيش في ضواحي ولاية إنديانا، وذلك بعدما سقطت في سحره منذ أول زيارة لمصر، حيث الأرجل الصغيرة واللسان البارز، وأيضًا السحر الفريد لمصر القديمة، المتمثل في معابدها، والذي يتخطى جميع الحدود الوطنية والثقافية.

معبد دندرة واحد من المعابد الأثرية في جنوب مصر، فهو معبد «حتحور» إلهة الحب والجمال، ربما تكون شهرته ليست كبيرة مثل معابد الكرنك بالأقصر، وأبيدوس بسوهاج، وإدفو بأسوان، إلا أن ما يحكيه عن تاريخ مصر القديمة، وطرازه المعماري الفريد باللوحات والنقوش التي تزين جدرانه، جعلته مقصدًا لكل السائحين من مختلف الجنسيات.

عملت «جونسون»، خلال أبحاثها، عن هذه الشخصية الملونة الصغيرة على مر السنين، وهو ما جعلها تقدره وتعشقه، فهو محبوب جدًا في العصور القديمة، فقد تبناه وتكيف معه الإغريق والرومان والفنيقيون والثقافات الأخرى، لذلك يعتبر مصدر إلهام للجذام فى أيرلندا، ووضع بلسانه البارز على أسطح الكاتدرائيات والمباني في أوروبا، وربما امتد تأثيره إلى نيوززيلندا وانعكس في تحدي هاكا الشرس الذي نشأ من محاربي الماوري القدامى، ويستخدمه الآن فريق كرة القدم النيوزيلندي لتحية وترهيب خصومهم، حتى بات «بس» لغز ملفوف في جسم صغير ممتلئ.

وأصدرت «جونسون»، نسختها الأولى من كتابها «قصة بس» تحكى فيها عن حكايات الإله الصغير في مصر القديمة، وكيف تم التعرف عليه من خلال مكانته، وشكله، ولحيته المجعدة، وتاجه، ولسانه البارز بشكل دائم، فكان عضوًا فريدًا في العصر القديم على عكس الأله الذين ظهروا دائمًا في الصورة المثالية المميزة.

السائحة الأمريكية شيلى رايت جونسون مع الإله بس الإله بس

واعتقد قدماء المصريين أن الأم والطفل هم الأكثر عرضه لخطر القوى الشريرة، فكانت صورة «بس» على جدران غرف الولادة، حيث يُستخدم كسحر دفاعي نيابة عن الأم والطفل، ولذلك نجد هذا الإله حارسًا على كل عمود من الأعمدة الحجرية المحيطة بغرف الولادة بمعبدي دندرة وأدفو، لذلك حظي الكتاب بانتشار واسع خاصة بين الأطفال، وأصدرت كتابها المصور عن «بس» في عام 2017.

«بس» بطل للجميع

وكما تقول الأساطير القديمة، الإله «بس» كان بارعًا بشكل خاص في هزيمة الثعابين السامة والحيوانات الخطرة في الليل، وهو ما يُفسر سبب نحت الأشكال الزخرفية له في الأسرة المصرية القديمة، فكان من الشائع أيضًا أن ترسم الأمهات شكلاً منمقًا لهذا الإله على كتف طفلها الأيسر قبل النوم، ثم دهنها بقطعة قماش باركتها الملكة إيزيس، وكان يعتقد أن هذه الطقوس تدعو القوى الوقائية لحماية الطفل النائم خلال ساعات الليل، وأيضًا لتوسيع دوره، عمل أيضًا كبطل للجميع، حيث ظهر وجهه الشرس ولسانه المثير للسخرية على الدروع والمركبات أثناء معارك المصريين القدماء حتى إن الجنود كانوا يشربون الجعة فى أكواب على شكل «بس» كرادع للإصابة فى المعركة.

الإله بس في معبد حتحورالإله بس في معبد حتحور

ورأت شيلى جونسون أنه من تناقض جوانب «بس» الوقائية الشرسة، ارتبط أيضًا بالترفيه والضحك والسعادة وهذا بسبب الإيمان القديم بالأزدواجية، ولذلك كانت تحظى مهرجانات «بس» بشعبية كبيرة بين المصريين القدماء، وهذه الأحداث ولدَت مزاجًا بهيجًا شديدًا من خلال الموسيقى، وأيضًا على عكس ألهة الدولة القديمة الـ42 الرسمية، الذين لا يمكن الوصول إليهم إلا من خلال كهنة المعبد فكان «بس» إلهاً منزلياً متاحًا للجميع، كما كان إله الخصوبة فقد اكتشف علماء الآثار مؤخرا وجود غرفة «بس» (حجرة الحضانة) وفيها يقوم النساء اللاتى يواجهن صعوبة في الحمل بزيارة الغرفة أملاً أن يزيد بس من فرص الحمل.

«بس» راعي الموضة وحامي كروم العنب

ومن أدوار الفرعون الصغير في التاريخ القديم، تقول «جونسون» كان راعي الموضة ومستحضرات التجميل، فغالبًا ما كان يصوّر على مقابض المرايا النحاسية وأواني الكحل ومنصات التجميل، كما عُرف عنه أنه إله الحظ والاحتمال، فكان يعتقد أن «بس» ضئيل الحجم يجلب الحظ السعيد والأزدهار، لكن فقط للذين يستحقون ذلك، وعُثر على المعبد الوحيد له فى مصر، بالقرب من كروم العنب القديمة في الواحات البحرية، فكان بمثابة حامي العنب والتمور المستخدمة في صناعة النبيذ– أهم سلعة في مصر القديمة- كما يعتقد أنه مكلف بحماية وسلامة المنتج النهائي، ولذلك كانوا يخزنون نبيذهم في أباريق على شكله، اعتقادًا أنه يحمى بلسانه البارز النبيذ من التلف أثناء عملية التخمير.

«بس» و«تاروت».. حكاية معبودين مُفزِعين

يرى الدكتور عاطف مكاوي، عالم المصريات، أن الإله «بس» هو رب المرح والسرور، وكان فى الاعتقاد القديم يوضع بجوار المرأة أثناء الولادة تمثالين أحدهما للمعبود «بس»، إله الولادة وطارد الأرواح الشريرة، والأخر للمعبودة «تاروت» إله الحمل، كون شكلهما مرعبين ومفزعين.

مجمع معابد دندرةمجمع معابد دندرة

يقوم الاثنان بطرد الأرواح الشريرة التى تهاجم المرأة أثناء وبعد الولادة، فالمعبودة «تاروت» صُوِّرت على شكل أنثى فرس النهر الحامل منتصبة على أقدامها على شكل الأسد، و«بس» صُوِّر على شكل قزم له أطراف قصيرة، وبطن منتفخة وشفتين غليظتين، وبشرة داكنة السواد، ولسان متدلٍ، ووجه يشبه وجه الحيوان، وعضو ذكرى طويل، فهذه الملامح المرعبة جعلته أيضًا يُنقش على أكفة أيدى المرأة، لطرد كل ما هو شرير، لذلك رسمت صورته فى بيت الولادة بمعبد حتحور، حيث كان من ضمن الإلهة الآسيوية الوافدة من خارج مصر.

وجه «بس» في الطقوس الإفريقية

عبد الحكيم الصغير، مدير معبد دندرة، قال إن الإله «بس» يعتبر رمزًا من رموز معبد دندرة، إذ إنّ بيت الولادة كلها تأخذ شكل الإله «بس»، حيث يُعتقد أنه يُساعد في عملية الولادة، ووجدت نقوشه بصالة الماميز من أربع جهات وتزين نقوشه أيضًا ماميزى نختانبو، كما يعتبر حامي الطفولة والسيدات الحوامل من الأرواح الشريرة، ويمثل أيضًا المرح والسعادة، بالإضافة إلى وجود تمثال له بالمعبد المفتوح، فهو عبارة عن قطعة مستطيلة منحوته يبلغ ارتفاعها 106 سم وعرضها 85 سم، موجود بالفناء المفتوح بالمعبد، كما يظهر التمثال على عدة أشكال على جدران المعابد فى قنا والأقصر وأسوان يظهر ممسكًا بعض الآلات الموسيقية.

وأضاف الصغير أن الإله «بس» لم يعبد إلا فى عهد الدولة الفرعونية الحديثة بمدينة طيبة عقب الفتوحات المصرية لوسط أفريقيا، إذ كثُر وقتها الأقزام فى هذه المناطق، فهناك حتى الآن قبائل أفريقية ترتدي قبعة تُشبه وجه هذا الإله في حفلاتهم، ويعد الملك بيبى الثاني هو أول من أحضر الأقزام من وسط أفريقيا ليستخدموا في الرقص لإضحاك الحاشية، و«بس» ترجع أصوله إلى وسط أفريقيا، خاصة منطقة البحيرات العظمى التي كانت تقطنها قبائل الأقزام في الكونغو أو رواندا، وقدِم إلى مصر من الميثولوجيا الفينيقية من قبرص القديمة.

«حتحور» إلهة الحب والجمال

وشُيَّد معبد دندرة لعبادة الإلهة حتحور، إلهة الحب والجمال والأسرة عند قدماء المصريين، في العصر اليوناني الروماني، حيث بناه الملك بطليموس الثالث من الحجر الرملي، وأضاف إليه العديد من أباطرة الرومان واستمرت عملية بنائه نحو 200 سنة، ويتميز المعبد بفن معماري فريد باللوحات والنقوش، كما زينت جدرانه وأعمدته بكتابات هيروغليفية وتماثيل محفورة بالغة الدقة والجمال.

واجهة معبد حتحورواجهة معبد حتحور

وتعد واجهة معبد حتحور من أروع الواجهات الفرعونية القديمة الخاصة بالمعابد، يبلغ عرضها 35 مترًا وارتفاعها 12.5 متر، تتصدر واجهة المعبد أعمدة ضخمة أعلاها متوج برسومات لروؤس الإله حتحور، وكذلك معبد الولادة الإلهية الثاني الذي شيد في عهد أغسطس، ويحتوي على نقش بارز يجسد بوابة وهمية تصل إلى العالم الآخر، يعلوها ثلاث أقراص للشمس المجنحة، ثم صفا من أفاعي الكوبرى المتوجة بأقراص الشمس، ويبلغ عدد الأعمدة التي تحمل سقف قاعة المعبد 24 عمودا، بالإضافة إلى عدد كبير من الداخل، وتحاط هذه الأعمدة بمجموعة من الغرف لتقديم القرابين.